رحلة البحث عن العيش للفلسطينيين داخل الخط الأخضر

غزة-دنيا الوطن-لطيفة اغبارية

بعد مرور7 سنوات على انتفاضة الأقصى عام 2000 والحصار المتواصل على الضفة ومدنها بات اثر هذا الحصار واضحا على حياة المواطنين الفلسطينيين لا سيما طبقة العمال منهم والذين يعتمدون بشكل خاص على العمل داخل مناطق الخط الأخضر .

وباتت هذه المعاناة واضحة وصارخة من خلال الصعوبات والمخاطر التي يتعرض لها هؤلاء العمال أثناء محاولتهم الدخول بصورة غير شرعية إلى داخل الخط الأخضر،بعد عجزهم عن الحصول على تأشيرة دخول للعمل بشكل حر ودون مضايقات من السلطات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر .

وقد تجلت هذه المعاناة في قصة الشاب (احمد) اسم مستعار والبالغ من العمر (29 عاما) أعزب إحدى

القرى المحاذية لمدينة جنين ،حيث بدأ يسرد لنا سبب دخوله وتعرضه للخطر بالقول:"بسبب الوضع المادي الصعب الذي تعاني منه عائلتي ، والمكونة من سبعة أنفار ،ووالدين ،وقد تخرجت من إحدى الجامعات الفلسطينية في موضوع التاريخ بتفوق،ولكن بسبب الوضع الذي تعانيه الضفة الغربية لم أجد أي فرصة للحصول على عمل أو وظيفة مما دفعني للتوجه للعمل في داخل مناطق الخط الأخضر،بعد أن أغلقت الأبواب أمامي ، فكنت في كل مرة أتوجه بطلب وظيفة في مؤسسات السلطة الفلسطينية كان يقول لي الموظفين نفس الجملة أن شهاداتك جميلة وتفوقك أجمل ،لكن للأسف لا يوجد توظيف وكثيرا ما كان يشعر الموظفين في هذه المؤسسات بالشفقة علي لكثرة زياراتي المتكررة عندهم ".

وبدأ أحمد يسرد معاناته واصفا:"نستيقظ مع أذان الفجر كما تستيقظ الطيور للبحث عن قوتها وقوت فراخها فتبدأ المعاناة بالتنقل عبر مدن الضفة الغربية بهدف الوصول إلى مدينة القدس حيث المنفذ الوحيد الذي يمكن من خلاله لعامل لا يحمل التصاريح أو تأشيرة الدخول بالعبور من خلالها وهنا يبدأ الخطر على حياة العمال الفلسطيني ،حيث يتم نقلنا بسيارات خاصة ومجهزة ،وتكون هذه السيارات في أغلب الأحيان ليست معدة للركاب ،بل معدة لنقل البضائع،وفي غالب الأحيان لا تكفي لعدد الركاب من العمال،فعلى سبيل المثال تكون السيارة معدة لنقل عشرة ركاب ،فيضع السائق عشرين راكبا ،فنصبح كالسردين ".

بشعور سيء يتابع حديثه:"ولكم أن تتخيلوا الوضع الذي نكون فيه داخل السيارة،العمال أكوام مكدسة على بعضها البعض في السيارة ،وعلى الجميع التحلي بالصبر وعدم التذمر أو الشكوى حتى يتم وصوله إلى بلدته المحددة ،إضافة لهذا الوضع ،فهناك بعض العمال يعانون من مشاكل صحية مختلفة،مثل مرضى السكري وأزمات القلب ،وقد حدثت الكثير من هذه المشاكل خاصة لدى مرضى السكري الذين يحتاجون الدخول على الحمامات في فترات متقاربة ،وعلينا الانتظار والمكوث في السيارة حتى نصل لبلدتنا يستمر في غالب الأحيان إلى أربع ساعات دون انقطاع أو توقف ،وكثيرا ما كان يغمى على بعض العمال بسبب ضيق مجرى التنفس لديهم ،وعدم توفر المكيف داخل السيارة".

وأردف يتحدث عن معانات أخرى تضاف للائحة المعاناة:"كل ما ذكرته سابقا لا يعد معاناة جدية لما ينتظرنا خلال رحلة السفر ابتداء من الوصول على الحواجز الإسرائيلية ،ففي بعض الأحيان تقوم هذه السيارات بالمرور عبر هذه الحواجز،الفاصلة بين الضفة وإسرائيل وكثيرا ما يطلب الجنود من السائق التوقف للتفتيش ،وفي هذه الأثناء لا يبقى للسائق سوى التوقف أو اللوذ بالفرار وكلا الأمرين مر،ففي حالة توقف السائق سيتم الكشف عنا لأننا نعمل دون تأشيرة دخول ،وفي هذه الحالة سنتعرض للضرب والاهانة ،والتعرض لأسوا معاملة،والسجن في كثير من الأحيان ،مع حكم وقف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات في حالة القبض عليك مرة أخرى داخل مناطق الخط الأخضر ،أما إذا حاول السائق الفرار وهذا ما يحدث غالبا فإننا نتعرض لإطلاق النار من قبل جنود الحاجز ولكم أن تتخيلونا كم نرتعب ونخاف من أن يتعرض أحدنا للإصابة أو حتى نتعرض لانقلاب السيارة التي تقودنا بسبب السرعة الجنونية وهذا ما حدث في كثير من الأحيان مع أصدقاء لنا هم الآن في عداد الموتى أو المصابين أو المعاقين الذين انقلبت بهم السيارة ،وأذكر أنه في إحدى المرات تعذر على أحد السائقين المرور عن الحاجز فطلب منا التسلق عن الجدار حتى يتسنى له المرور عن الحاجز وينتظرنا على الطرف الآخر وفي هذه الأثناء انكشف أمرنا فقامت إحدى الدوريات بإطلاق النار على العمال الذين حاولوا التسلق ،مما أدى إلى إصابة اثنين من العمال أمام أعيننا ،ولذنا بالفرار إلى إحدى المدن التابعة للقدس،والجميل في الأمر أن المعاناة لم تنته ،حيث أن أغلب العمال كانوا لا يملكون أجرة العودة إلى بيوتهم ،لأننا ندفع للسائق أجرته مسبقا ،والمبلغ هو 200 شيكل ،ولو ينقص شيكلا يرفض السائق أن ينقلنا إلى بلداتنا".

ويلخص الشاب العامل حديثه شاعرا بالاستياء لأن الأمل في انتهاء هذه المعاناة استحالة، إذ أن الأوضاع تزداد من سيء إلى أسوأ ،مؤكدا أنه سيبقى يحمل روحه على كفه من أجل لقمة الخبز والعيش بكرامة .

التعليقات