ملوك المستقبل في السعودية هم شعراء وفنانون ورجال رياضة واقتصاد

ملوك المستقبل في السعودية هم شعراء وفنانون ورجال رياضة واقتصاد
غزة-دنيا الوطن

سيكون خالد الفيصل بن عبد العزيز ملكاً على بلاده النفطية المترامية الأطراف يوماً ما؛ فهذا الأمير السعودي البالغ من العمر سبعة وستين عاماً ضَمِن أن يكون أحد المرشحين لاعتلاء عرش الحكم بعد أن حصل على عضوية "هيئة البيعة" التي ستكون مجلس صناعة ملوك المستقبل خلال السنوات القليلة المقبلة. وقطعاً لن يكون المرشح الوحيد للملوكية السعودية، إذ هنالك 18 أميراً آخر من أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، الذين ظهروا في التشكيلة الأخيرة لأعضاء هيئة البيعة، يحق لهم الكرسي ذاته ما لم يقرر أخوتهم عدم التمديد لهم فترة أخرى في كرسي البيعة البالغة مدة عضويته أربع سنوات للدورة الواحدة.

كما أن أمراء آخرين من خارج هذه الهيئة يحق لهم الترشح للحكم حسب آلية معينة يتم بموجبها تحول أعضاء هيئة البيعة إلى أمراء مرجحين لكفة ملك المستقبل وولي عهده. وهم يستطيعون أن ينافسوا رغبة الملك أيضاً في ما يتعلق بمنصب ولاية العهد رغم أن استخدام هذه الصلاحية أمر مستبعد، إذ إن مرشح الملك لولاية العهد سوف يكون هو من يحصل على هذا المنصب، وذلك لاعتبارات أخلاقية داخل الأسرة الملكية.

ويعتبر نظام هيئة البيعة، الذي أقره الملك المصلح عبد الله بن عبد العزيز، صمام أمان في هذه المملكة التي تختلف عن جميع الممالك العربية من جهة أن نظام انتقال الحكم فيها أفقي وليس عمودياً، ما يجعل الباب مفتوحاً باستمرار أمام سيناريوهات عدم الاستقرار في المستقبل.

وبالعودة إلى الفيصل المشهور بكونه أبرز الشعراء في المملكة فهو مثال حي على التحولات الطارئة على بيت الحكم السعودي وخصوصاً أمراء الجيل الثاني – الأحفاد - الذين جاءوا معبرين عن زمن ملكي جديد، إذ بينما كان أغلب الجيل الأول قادماً من المؤسسات العسكرية وتفرعاتها فإن الشبان الجدد، ملوك المستقبل، هم نتاج مؤسسات أخرى أكثر مدنية.

في قراءة لخريطة ملوك المستقبل المحتملين في العربية السعودية نجد أن هنالك شعراء وفنانين ورجال رياضة واقتصاد: خالد الفيصل عُرف بكونه شاعراً وفناناً تشكيلياً منذ عقود طويلة، وخالد بن عبد الله هو رجل رياضة بارز، وعبد الله بن مساعد أضاف إلى الرياضة إمبراطورية صناعة الورق في الشرق الأوسط، وفيصل بن خالد عاشق الخيل وداعم مهرجاناته، ومشعل بن ماجد داعم لرياضة سباق السيارات، ومحمد بن ناصر مهتم بشؤون البيئة ومشاريع الثروة السمكية، وآخرون.

ويظل خالد بن سلطان، وهو أكبر أنجال ولي العهد السعودي، هو العسكري الوحيد حالياً (المعروف) من الأمراء الأحفاد، أعضاء هيئة البيعة، كونه لا يزال يشغل منصباً هو مساعد وزير الدفاع والطيران وسبق له أن قاد قوات التحالف الدولية التي شاركت في عملية تحرير الكويت من الاحتلال العراقي في التسعينات الميلادية من القرن المنصرم.

غير أنها ليست البزة الوحيدة التي يرتديها الأمير المولع بالخيل، إذ هو من ناحية رجل أعمال بارز تقدر ثروته بمليارات الدولارات تدور بأرباحها في ماكينة أكثر من 35 شركة على مستوى العالم، ومن ناحية أخرى فهو رجل إعلام من خلال ملكيته لصحيفة الحياة اللندنية، ومساهماته في عدد آخر من الوسائل الإعلامية الدولية.

ومن بين هؤلاء الأمراء الأحفاد المقدر عددهم تسعة عشر أميراً يوجد عشرة فقط منهم معروفون على الساحة الداخلية في المملكة، أما البقية فأمامهم الفرصة للكشف عن أنفسهم والتأثير في الداخل خلال السنوات المقبلة بعد أن أصبحوا أحد أركان الحكم المستقبلي.

وفي قاعدة معروفة وغير مكتوبة فإن الأمير المتصل بالشعب والواهب للعطايا المستمرة هو الأكثر تأثيراً من سواه مهما علا المنصب، دون أن تكفي إحدى هذه الثنائية عن الأخرى، وهكذا بدأت المملكة السعودية واستمرت في ظل رياح سياسية عاتية غيرت خريطة العالم العربي.

المال والاتصال الشعبي مهمان جداً بالنسبة إلى أكثر من 20 مليوناً أكثر من نصفهم نتاج القبائل التي ساهمت في تأسيس الدولة الثالثة قبل أكثر من سبعين عاماً.

نجوم غائبة وشرايين خضراء

في عضوية هيئة البيعة لوحظ غياب أسماء لامعة من نجوم الأسرة الملكية المعروفين.

الأولان هما ركنان أساسيان في جناح "آل فيصل" داخل الأسرة الحاكمة. سعود الفيصل وزير الخارجية منذ عقود طويلة، وهو أقدم وزير شغل هذا المنصب في العالم، وتركي بن فيصل الموصوف بأنه "السفيران السابق" في كل من لندن وواشنطن، وسبق له أن تولى رئاسة الاستخبارات لفترة طويلة، وكان قائداً للقوة العسكرية أثناء مقاومة احتلال الحرم المكي من قبل مجموعة من المتطرفين.

كذلك غاب الأمير بندر بن سلطان السياسي المحنك الذي كان وثيق الصلة بدوائر صنع القرار الكبرى في العالم، ولم يحصل على كرسي العضوية لوجود أخيه الأكبر الأمير خالد.

وبندر الملياردير سياسياً ومالياً، ليس مليارديراً شعبياً في الداخل السعودي نتيجة بعده منذ أكثر من ربع قرن عن بلاده، وذلك بسبب مسؤولياته الدبلوماسية في السفارة لدى أميركا وما عداه من أنشطة أخرى يُكشف عنها النقاب يوماً إثر آخر في صحف الغرب وكتبه المنشورة وتلك التي لا تزال تدور بها مكائن الطباعة.

أما الرابع فهو الأمير متعب بن عبد الله رجل الحرس الوطني القوي ونائب والده عاهل المملكة منذ منتصف الثمانينات الميلادية، وكان قريباً من الشيخ الراحل عبد العزيز التويجري الذي كان نائباً للملك في هذا الجهاز الحيوي منذ عقود طويلة، ما مكنه أن يحصد خبرة مضاعفة تضاف إلى سنواته في الكلية العسكرية الإنكليزية "ساند هيرست" مفرخة نخبة النخبة من الملوك والأمراء في العالم.

خامس هذه الأسماء هو الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية برتبة وزير؛ فهذا الوزير الابن ساعد أباه الوزير الأب في تقليم أظفار تنظيم القاعدة وفروعها المحلية مدعوماً بميزانية ضخمة بلغت قيمتها ملايين الدولارات تم بمقتضاها إنشاء العديد من الحملات الرامية إلى كبح لجام التطرف الديني منذ البداية : من المدرسة مروراً بالبيت وغير انتهاء بالمسجد.

وفي كل أسبوع تنشر الصحف السعودية الرسمية أخباراً عن النجاحات الأمنية التي قامت بها هذه الوزارة التي تعتبر أم الوزارات في محاربة "الفئة الضالة" حسب التوصيف السعودي للمتشددين الإسلاميين. ولم يحصل على عضوية المجلس كون أن أباه الأمير نايف لا يزال عضواً فيها.

السادس وهو الأكثر تأثيراً من الناحية الشعبية، الأمير الثلاثيني عبد العزيز بن فهد الذي كان ظل والده لسنوات طويلة.

وكونه كان محبوباً من قبل والده وآخر عنقوده فقد حصل على نسبة كبيرة من الخبرة تحت الظلال الكبير الذي كان يمثله الملك فهد بن عبد العزيز صانع التنظيم الحداثي السياسي في المملكة، بعد أن قطع شوطه الأول من خلال إقراره نظام الحكم والمناطق.

كما أنه جذاب ورجل ٌ ذكي يمعن في التفكير دوماً. وقد كرس ذكاءه المثير للإعجاب لرؤية آليات أكثر حداثة في مجلس الوزراء الذي يشغل فيه منصب رئاسة الديوان برتبة وزير.

لم يحصل على العضوية لوجود أخ أكبر منه سناً هو الأمير محمد بن فهد حاكم منطقة النفط شرق البلاد.

ويضاف إليهم الأمير الوليد بن طلال إمبراطور المال والجدل الذي لم ينضم إلى العضوية بسبب وجود والده. ونظراً لأنه يدير أكبر شبكة تلفزيونية للترفيه في العالم العربي، تنقل بعضاً من الحفلات الغنائية من وسط مخيمه الصحراوي الفاخر، فإن من الصعوبة تصور أنه يوماً ما سوف يحمل لقب "خادم الحرمين الشريفين" الذي يعتبر اللقب الرسمي لملوك العربية السعودية.

كما يوجد أمراء آخرون من ذوي النجومية مثل الأمير سلطان بن سلمان أول رائد فضاء مسلم، والنشط في مجال التراث وذوي الاحتياجات الخاصة، والأمير فهد بن سلطان حاكم منطقة تبوك الشمالية الحيوية كونها تحوي أهم قاعدة عسكرية سعودية، والأمير عبد الرحمن بن مساعد الشاعر المعروف بأنه صاحب مدرسة شعرية خاصة.

وهناك آخرون من النجوم الأمراء الجدد لا يزالون في الطريق وهم الأصغر سناً من الأمراء التسعة عشر مثل الأمير سلمان بن سلطان الذي يمكن أن يوصف باختصار بأنه "تلميذ بندر ورفيق مقرن"، فهو لصيق منذ سنوات طويلة بأخيه الأمير بندر بن سلطان منذ أن كان سفيراً في واشنطن، ومن ثم استقطبه معه إلى مجلس الأمن الوطني الذي تولاه بندر مؤخراً.

وفي هذا المجلس المرتبط مباشرة بملك البلاد فإن الأمير الشاب سلمان يقوم بدور رابط بين جهاز الاستخبارات العامة الذي يتولاه الأمير مقرن بن عبد العزيز المحبوب في إطاري الأسرة والشعب، وبين جهاز الأمن الوطني، إذ هو الرابط بين ثنائية "بندر ومقرن" الطيارين الحربيين السابقين، والصديقين المزمنين.

كما أنه رفيق لصيق لعمه الأمير مقرن حسبما لاحظه مراقبون خلال الزيارات الأخيرة للكويت، التي قام بها أكثر من أربعة مسؤولين كبار في الحكومة السعودية، إذ شوهد برفقته خلال زياراته الخاصة لبعض الدواوين المحلية.

ويحاول الملك عبد الله بن عبد العزيز من خلال إقراره هيئة البيعة، أن يستلهم نهج والده المحارب المحنك الذي أسس واحدة من أكبر الدول في المنطقة، وذلك من خلال محاولة تسكين الصراعات المكبوتة داخل الأسرة الحاكمة خشية أن تؤثر في استقرار بيت الحكم في المستقبل.

ويعلم المصلح السعودي الكبير، كما تصفه دوائر غربية، أن طريقة انتقال الحكم ذات الصيغة التي يتم بمقتضاها انتقال الحكم من أخ لأخيه، مثيرة لعوامل عدم الاستقرار في المستقبل ما لم يتم إحكامها بطريقة تضمن تسلسلها، وهو ما أدى إلى إصدار هيئة البيعة ومن ثم إلحاقه بلائحة تنفيذية صدرت في السابع من أكتوبر الماضي كي تسد ثغرات النظام السابق.

وحسب محللين سياسيين فإن طريقة التسلسل الحاكم من خلال انتقال الحكم من أخ لأخيه يجعل من وصول الأمراء الأصغر سنا إلى الحكم أمرا مؤجلاً إلى وقت بعيد، ما يجعلهم هم ذاتهم أمراء كبارا في السن حين يتولون الحكم أو يصلون إلى الكراسي القريبة منه.

وفي بلد تبلغ نسبة الشبان فيه أكثر من ستين بالمئة فإن دخول الأمراء الشبان إلى ماكينة الحكم أمر لا مفر منه كي يمنع هوة عميقة بين الحكومة الحاكمة والشعب الشاب حسبما يراه خبراء مطلعون.

ويطرح خبراء صيغاً ممكن أن تكون أكثر توافقية بالنسبة إلى الأمراء الكبار في الأسرة وهي تتمحور حول نقطة رئيسة هي أن يخلوا مناصبهم لأبنائهم الكبار وهم بذلك يستطيعون أن يسيروا مملكتهم بحنكة الكبار وحكمتهم، وبحماس الشبان وتحديثهم.



وبحسب اللائحة، يتمتع أعضاء الهيئة بعضوية مدتها أربع سنوات غير قابلة للتجديد، إلا إذا اتفق إخوة العضو المنتهية ولايته على ذلك، وبموافقة الملك. وبحسب نظام هيئة البيعة الذي صدر في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، توكل الهيئة إلى لجنة طبية مهمة التأكد من أهلية الملك وولي عهده في إدارة الحكم.

وبحسب اللائحة أيضا، يقترح الملك على "هيئة البيعة" اسما أو اسمين أو ثلاثة أسماء لمنصب ولي العهد.

ويمكن للجنة أن ترفض هذه الأسماء وتعين مرشحا لم يقترحه الملك. وفي حال لم يحظ مرشح الهيئة بموافقة الملك فان "هيئة البيعة" تحسم الأمر بغالبية الأصوات من خلال عملية تصويت يشارك فيها مرشحها ومرشح يعينه الملك في غضون شهر.

ويترك تعيين ولي عهد السعودية، التي تعتبر الدولة الأكبر من حيث إنتاج النفط في العالم، إلى العائلة المالكة التي تقرر تولي المنصب بالتوافق بعد أن كان هذا التعيين مناطاً بالملك وحده استنادا إلى نظام الحاكم الصادر عام 1992.

وهذا يعني أن النظام الجديد نقل المملكة العربية السعودية التي طالما اتهمت بأنها ذات نظام تقليدي إلى عصر جديد تبدأ فيه الديمقراطية من الهرم الأعلى وهو الأسرة الحاكمة. وبالتأكيد فإن نسائم التحديث سوف تصل إلى بقية الطبقات قريباً.

*ايلاف

التعليقات