عدنان أبو عودة: مقتل الدولة العبرية في طلب فلسطينيي الضفة والقطاع للجنسية الإسرائيلية

عدنان أبو عودة: مقتل الدولة العبرية في طلب 
فلسطينيي الضفة والقطاع للجنسية الإسرائيلية
عمان ـ دنيا الوطن-شاكر الجوهري

ختم عدنان أبو عودة محاضرته التحليلية قائلا إن نقطة ضعف اليهود كشفها مؤخرا ايهود اولمرت رئيس وزراء اسرائيل، بقوله إن مصير الحكم العنصري للبيض في جنوب افريقيا ينتظر اسرائيل، إن لم تقبل بحل الدولتين لليهود وللفلسطينيين، ولذا عليها، بعد أن انكشف سرها، أن تقبل بحل الدولة الفلسطينية، وعلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يلوح بحل السلطة الفلسطينية، لأن هذا يعني التلويح بإنهاء دولة اليهود، لصالح دولة ثنائية القومية تنهي يهودية الدولة العبرية.

هل أوصل أبو عودة هذه الفكرة للسلطة الفلسطينية كي تستفيد من هذا الفهم للأحداث..كان هذا أول الأسئلة التي وجهت له في إطار الحوار الذي أعقب المحاضرة، فقال إنه يفترض وصول الفكرة للسلطة، وكذلك للدولة الأردنية، لأنه سبق له أن قال شيئا من هذا القبيل في محاضرة له في منتدى الفكر العربي بعمان، فلم يسمح بنشره في جريدة "الرأي" شبه الرسمية..! أما السلطة الفلسطينية فقد وصلتها فكرته، لكنها لم تبد اهتماما بها.

وأضاف في معرض رده على سؤال آخر إن اميركا دعت دولا عربية للمشاركة في مؤتمر أنا بوليس بهدف توظيفهم في توفير غطاء لمحمود عباس، والضغط عليه في ذات الآن، مبديا أن القمة الخماسية التي عقدت مؤخرا هدفت إلى توفير دعم سياسي ودبلوماسي للرئيس الفلسطيني، عند الضرورة.

وقال إنه حينما تحدث قبل سنتين عن فكرة حوصلة اسرائيل للفلسطينيين داخل الدولة العبرية تهيئة لإخراجهم، لم يسأله أحد في الأردن عما يعنيه بذلك، مع أن الأردن هو وجهة عملية الإخراج المفترضة، في حين أن الكلية الحربية المصرية بدأت بتدريس هذه الفكرة لطلبتها. أما اسرائيل فقد أصبحت المشكلة الفلسطينية مشكلتها هي.

وأشار أبو عودة إلى أن اسرائيل عملت بذكاء على تحويل رجال السلطة الفلسطينية إلى رجال اعمال، وهذا أنهى الموضوع من وجهة نظر اسرائيل، لأن رجل الأعمال يبحث عن مصالحه الشخصية، لا عن قضايا وطنية، بعد أن يصابوا بالتحلل المعياري، وفقا لنظريات علماء الإجتماع.

واعتبر أبو عودة في معرض رده على سؤال آخر، أن مؤتمر أنا بوليس كان مقدمة لمفاوضات اميركية ـ ايرانية على مستوى أعلى، مشيرا إلى أن عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، صرح مؤخرا في واشنطن قبيل انعقاد أنابوليس، أنه يتوقع جولة رابعة من المحادثات بين الأميركان والإيرانيين بعد عدة أيام في بغداد. وهذا يعني أنه بحث الأمر مع الإدارة الأميركية، بصفته مبعوثا ايرانيا. وعلى ذلك، فإن أنا بوليس كان أحد مقدمات مفاوضات اميركية ايرانية على مستوى أعلى..بين الدولة الحاكمة في العالم، وبين الدولة الأقوى في الإقليم، التي تتصرف على هذا الأساس. وهي أصبحت الدولة الأقوى في الإقليم بعد أن ساعدتها اميركا على ذلك بتدميرها للعراق..مبديا اعتقاده بعدم وجود ضربة اميركية لإيران في الطريق.

هذا أهم ما جرى خلال الحوار، أما نص المحاضرة التي سبقته، وقدمه فيها الدكتور حازم نسيبة وزير الخارجية الأسبق، وأدار الحوار الذي اعقبها عدنان الحسيني نائب رئيس منتدى بيت المقدس، وهي بعنوان "أنا بوليس..محطة للسلام أم محطة للمداورة"، فهو كما يلي:

سألني أحد الذين شاركوا في مؤتمر أنا بوليس (الدكتور صلاح البشير وزير خارجية الأردن) إن كنت متفائلا أم متشائما من نتائج المؤتمر، وكان الموقف لا يسمح بالتوقف والتفكير، حيث كان كلانا على عجل..قلت، كي أكون دقيقا ـ لست متفائلا، ومضى كل منا في طريقه.

بعد أن خلوت لنفسي، عاد إلى سؤال السائل، وناقشت نفسي إن كان جوابي كان دقيقا..؟أي لماذا اخترت الوقوف في منطقة الأعراف، أو ما يسميها دانتي "اللمبو"..؟وتبين لي بعد تأمل أنني كنت مصيبا، لأنني لا أستطيع اعطاء جواب قطعي، إن لصالح التفاؤل أو لصالح التشاؤم..حيث أن هناك الكثير من الأسباب التي تدعوا إلى التشاؤم، ومقابلها اسباب أكثر تدعوا إلى التفاؤل، والعكس صحيح، ومن هنا كان عنوان هذا الحديث. لكن الحكم على أنا بوليس، نجاحا أو فشلا يمكن أن يصدر نيابة عن واحد أو ثلاثة لاعبين اساسيين.

أهداف أنا بوليس

ما هو معيار النجاح..؟هل هو واحد بالنسبة للأطراف الثلاثة..اميركا واسرائيل والسلطة الفلسطينية..؟أم مختلف..؟هل هو مرتبط بالمقصد المعلن، أم أن هناك مقاصد خفية لكل واحد منهم..؟

الهدف المعلن الذي ورد في البيان المشترك بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي، والذي تلاه الرئيس جورج بوش، في مؤتمر أنا بوليس، بتاريخ 24 تشرين ثاني/نوفمبر، هو أن هدفنا هنا ليس التوصل إلى اتفاق، بل إطلاق المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين..اما بالنسبة لنا نحن الآخرون، وهنا يتحدث عن نفسه، وعن الحضور من العرب وغيرهم، فوظيفتنا هي أن نشجع الفريقين في جهدهما هذا، وإعطائهما الدعم اللازم لتحقيق النجاح.

هذا هو الغرض المعلن الأول، وبرأي أنه قد تحقق. اجتمعوا وأطلقوا المفاوضات. لكن هل ستستمر المفاوضات حتى النهاية، وحتى تصل إلى النتيجة المتوخاة منها، أم أنها ستتوقف كما حصل في تجارب سابقة مماثلة..؟

ثم نأتي إلى السؤال الثاني لماذا المفاوضات..؟ يمكن تلخيص الإجابة مما جاء في البيان المشترك على النحو التالي:

1. وضع حد لنزيف الدم والمعاناة، وعقود من النزاع بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.

2. تدشين حقبة جديدة تتسم بالسلام القائم على الحرية والأمن والعدل والكرامة والإعتراف المتبادل. وإشاعة ثقافة السلام ونبذ العنف ومحاربة الإرهاب والتحريض عليه. وهذه هي الكلمات التي تستخدمها اسرائيل واميركا بحق العرب والمنظمات التي تقاوم الإحتلال.

3. لتحقيق غاية وجود دولتين اسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن، نوافق على اطلاق مفاوضات ثنائية بنوايا حسنة..وصولا إلى معاهدة سلام تؤدي إلى حل كل المشكلات، بما فيها المشكلات الجوهرية، دون استثناء، كما ستنص عليها الإتفاقية.

هذا هما المقصدان المعلنان: المؤتمر والمفاوضات.

مرجعية المفاوضات

غير أنه اضافة إلى ذلك، نص البيان على مرجعية المفاوضات، وهي خارطة الطريق، كما نص على التحسين الذي أضيف بجعل العمل وفق خارطة الطريق أكثر نجاعة، وذلك بتشكيل لجنة مشرفة برئاسة الولايات المتحدة، لتقرر ما إذا كان أحد الفريقين المتفاوضين ملتزم بالتزاماته أم لا..؟ وهذا تم ادخاله مؤخرا على خارطة الطريق.

والأهم من كل ذلك هو تأكيد الرئيس بوش أن الولايات المتحدة "ستبذل أقصى طاقاتها لدعم مسعى السلام بين الطرفين، ولكن دون أن تصنعه لهما"..أي دون فرض شروط على الجانبين.

النتيجة، كما قال الرئيس بوش، تعتمد على ما يقرره الإسرائيليون والفلسطينيون. أي أن اميركا تجمع الطرفين، اللذان يأخذان بالتفاوض والكلام، ونحن نراقب ما يجري..إن أخل أحد الطرفين بالإلتزامات نقول له أنه أخل. كل هذه ألغام.

الجديد الذي أضاف الرئيس بوش توضيحه لموقف الولايات المتحدة المنصوص عليه في رسالة التطمينات التي سبق أن وجهها لشارون، رئيس وزراء اسرائيل السابق في نيسان/ابريل 2004، وفي سياق عرضه لالتزامات اسرائيل، والتزامات الفلسطينيين هو أن تؤدي هذه التسوية المنشودة إلى جعل فلسطين وطنا للفلسطينيين، مثلما هي اسرائيل وطن للشعب اليهودي. هنا تعرض بوش ليهودية الدولة الإسرائيلية.

واضح من هذه العبارة الإيحاء بيهودية دولة اسرائيل، وصلة المفهوم بالتالي بقضية حق اللاجئين بالعودة. الفكرة واضحة جدا: إذا كانت اسرئيل ستكون دولة يهودية، وفلسطين دولة فلسطينية، فالعودة إلى الوطن ستكون عودة إلى فلسطين الدولة، وليس إلى الوطن، بمعنى القرية والمنزل الأصلي..!

نعود الآن لمسألة التفاؤل والتشاؤم والنجاح والفشل لنرى إن كان بالإمكان أن نصدر حكما على أنا بوليس على ضوء ما سبق.

نجاح بوش

أعتقد أنه يحق للرئيس بوش أن يعتبر أن المؤتمر قد نجح من منظور اميركي، وذلك للأسباب التالية:

1. لأنه عقد بمن انعقد بهم، أي بحضور دول عربية مهمة، ومجموعة الثمانية، وسكرتير الأمم المتحدة، والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، واعضاء اللجنة الرباعية، الأمر الذي جعل منه مؤتمرا دوليا ينعقد بالدرجة الأولى ويعمل وفق خارطة الطريق.

2. أعفى الولايات المتحدة، التي هي رئيس المؤتمر، والعضو الفاعل في اللجنة الرباعية، والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، وعضو مجموعة الثمانية، والمشرف على عملية المفاوضات، والمرجع الذي سيحكم على سلوك المتفاوضين، من مسؤولية الفشل، حيث تقع مسؤولية الفشل على الفريقين المتفاوضين، أو على احدهما. اميركا لا تضمن النجاح.

3. أن الغرض المعلن للمؤتمر هو اطلاق المفاوضات. وإذا كان المقصد الخفي لبوش هو تحسين صورة اميركا في الشرق الأوسط، فقد تحقق جزء من ذلك، بمشاركة الدول المعتدلة العربية، والرئيس بوش هو من أطلق عليها هذا الإسم. وهذا من أغرب الأمور في التاريخ السياسي أن يطلق اسم على دول من خارجها، وتقبل هي التسمية.

لم تحسنت صورة اميركا..؟لأنه تبين أن الدول العربية المعتدلة تدعم نهج الرئيس بوش في مواجهة ايران، وحزب الله و"حماس" باعتبارهما، حسب رأيه منظمتين ارهابيتين تنبغي هزيمتهما كجزء من استراتيجية مكافحة الإرهاب.

وكل ذلك دليل نجاح لبوش أمام الشعب الأميركي، الذي ينجح في عقد مؤتمر دولي وفقا لرؤيته وأجندته، ويتجاوب اصحاب العلاقة ومراكز القوى العالمية معه. كما يرى استجابته لتقرير بيكر هاملتون، الذي دعاه لتناول القضية الفلسطينية والتعامل مع سوريا التي حضرت، وايران التي سيعقد محادثات معها خلال الأيام المقبلة من أجل تحسين وضعه في العراق.

إلى ذلك، وهذا هو الأهم، أكد بوش على استمرار سيرورة السلام.."البروسس". لقد أحل فكرة "سيرورة السلام" محل السلام نفسه..!

وهذا ما روج له مارتن انديك، ودينيس روس، وكلاهما يهودي. وهذا يعني أن اسرائيل في حاجة إلى وقت، وهما يساعدانها على شراء الوقت. وهذا صلب فهم الموضوع الإسرائيلي. اسرائيل تريد الوقت.

نجاحات اسرائيل

بوش حقق كل ما يريده من المؤتمر، فما الذي حققته اسرائيل..؟

من حيث المبدأ لم تكن اسرائيل راغبة بعقد المؤتمر، لأنه سيحرك ما عملت دوما على اسكاته، وهو صوت المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة. منذ 1967 عملت اسرائيل ونجحت، "وببصم لها بالعشرة"، على تعطيل دور الأمم المتحدة. الأمم المتحدة ممثلة بشخص واحد ضمن اللجنة الرباعية، يكرر ما يلقنه اياه "معلمه" في نيويورك، بناء على ما تقوله له وزارة الخارجية الأميركية. وقد فضح ذلك "تقرير ديسوتو"، الذي استقال من منصب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في فلسطين، وهو رجل ذو ضمير من اميركا اللاتينية، شرح في تقريره ما كان يقوم به كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة. ويعتبر هذا التقرير الآن وثيقة سرية ذات أهمية كبرى، نشرت الصحف اجزاء منه.

اميركا عطلت الأمم المتحدة من خلال حجم ما تدفعه من اموال لقوات حفظ السلام في العالم. بطرس غالي فقط تمرد على التعليمات الأميركية، فطردوه ولم يجددوا له فترة ولاية ثانية.

اسرائيل لم تكن تريد المؤتمر منذ البداية، لكنها ادركت أن اميركا تريد المؤتمر لمصالح استراتيجية تخصها، فوافقت بطريقتها الذكية.

اولمرت قال اشياء مهمة في أنا بوليس. في مطلع كلمته أكد اولمرت أن هناك الكثير من الأسباب التي تدعوه إلى الإحجام عن حضور المؤتمر، لكنه جاء بناء تلبية لدعوة الرئيس بوش، واحتراما له. قدم نفسه باعتباره ضحية ومسكين..! وحين استعرض الأسباب، استعرض فقط كل مادة الماكينة الإعلامية واليهودية في العالم عن الفلسطينيين والعرب، كالقول أنهم ارهابيين.

ومما قاله، كي يظهر بمظهر المتسامح، ذو الأخلاق النبيلة العليا..كرر ما اعتدنا واعتاد العالم على سماعه، وهو استعداد اسرائيل لتقديم تنازلات مؤلمة. وقال "نلتزم في المفاوضات بالتصدي لكل القضايا التي سبق وأن تجنبنا التصدي لها حتى الآن، وهي المسائل الجوهرية..القدس، اللاجئين، الحدود، التي لم تكن اسرائيل تتعرض لها من قبل.

لم وافقت اسرائيل الآن على التعرض لها..؟لأن اميركا، كي تقنع الدول العربية بالحضور، بعد أن تدللت قليلا في هذه المرة.. والعربي لا يتدلل للدلال ذاته، وإنما لسبب آخر تم تحديده بعدم معقولية الحضور دون حديث عن القدس وقضايا الحل النهائي، فوعدتهم اميركا بالحديث عن هذه القضايا، وجاء حديث اولمرت ليظهر في مظهر المتجاوب مع الولايات المتحدة.

وأضاف اولمرت ستنطلق المفاوضات من الإتفاقات السابقة، وقراري مجلس الأمن الدولي 242، 337، وخارطة الطريق، ورسالة بوش لرئيس وزراء اسرائيل بتاريخ 14 نيسان/ابريل 2004..! أي أن اولمرت "زرّق" في نص الكلام اشارة إلى رسالة ثنائية، ضمن القرارات الدولية..! وهي الرسالة التي ترفض عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم التي خرجوا منها. وتكمن خطورة هذه الرسالة في أن الدولة الأعظم في العالم تستخدم الزمن كمعيار لإلغاء الحق، الذي لا يسقطه القانون بالتقادم..! واولمرت من خلال هذه "التزريقة" جعل الرسالة الثنائية الموجهة من بوش لشارون في مستوى القرار 242..!وقد فعل ذلك بحضور الأطراف الدولية المعنية.

وقال اولمرت في نهاية المفاوضات سنحقق رؤية الرئيس بوش..دولتان لشعبين..فلسطينية للفلسطينيين، ويهودية للإسرائيليين..!مؤكدا بذلك مفهوم يهودية الدولة.

لكنه حين ذكر الدولة الفلسطينية اعطاها اوصافا هي: تسعى للسلام، قابلة للحياة، قوية، ديمقراطية، وخالية من الإرهاب.

حين يتم الإعتراف بدولة من الدول وتقبل في عضوية الأمم المتحدة، يصبح موضوع السلام مضمونا، لأنها دولة ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة. لكن اولمرت أعطى الدولة الفلسطينية صفة أنها دولة ساعية للسلام. أنا لا أعرف ما الذي قصده أن تسعى الدولة الفلسطينية بعد أن تنشأ للسلام، ذلك أن كل الدول ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة، وهذا يكفي. ثم أنه لم يعط ذات الصفة لدولته. هل أراد أن يحفظ لنفسه خط الرجعة، ويعطي لنفسه الحق في اجتياح هذه الدويلة إذا زعم يوما أن شيئا ما يهدد اسرائيل آت منها. يريد أن يوفر الحجج من الآن لمهاجمة الدولة الفلسطينية في حالة قيامها. وهذا هو ذات الموقف الأميركي من ايران التي تريد أن تهاجم ايران استنادا إلى ما تراه اميركا نية ايران في تصنيع قنبلة نووية.

وما هو أكثر "لعانة" من كلمة اولمرت هو سلوك حكومته بعد أنا بوليس مباشرة، حين نشرت عطاءات لتوسعة مستوطنة جبل أبو غنيم، واجتاحت غزة، والقتل "شغال"..! وصرحت أن القدس ليست محل تفاوض.

أما رد الفعل الأميركي فكان على لسان كوندليزا رايس، فكان أنها تعرب عن القلق. وهو ما اعتبرته الصحافة العربية توبيخا من رايس لإسرائيل، متجاهلة الفرق الكبير بين القلق والتوبيخ..!

التعبير عن القلق لا يعني اسرائيل بالضرورة، وإنما قد يكون ناجما عن سلوك الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

رد الفعل البريطاني يكمله رد الفعل الأميركي، حيث قالت بريطانيا أنها مستعدة لدفع 500 مليون دولار للفلسطينيين إذا لم تتوقف المفاوضات. فكأنما بريطانيا تبلغ عباس أنه يقف أمام خيارين: إما الحرد بدون معونات، وإما الحصول على 500 مليون دولار مقابل الإستمرار بالمفاوضات بالرغم من كل شيئ..!

في ضوء ذلك فإن السلطة الفلسطينية لن تختار الحرد..!!

هل حققت اسرائيل هدفها من ذهابها للمؤتمر..؟

الجواب نعم حتى الآن، حيث أنها وقفت في طريق اصدار بيان مشترك عن المؤتمر يؤكد اطار الحل العادل كما ارادته السلطة، والخطوات المتقابلة، وهذا نجاح لإسرائيل، وربحت من اميركا والفلسطينيين شيئين رئيسين، اضافة إلى ارباح كثيرة أخرى.

ربحت من بوش يهودية الدولة، أي لا عودة للفلسطينيين إلى فلسطين. وأصبحت تملك حق المستقبل بالنسبة للفلسطينيين الموجودين داخلها.

أخطاء عباس

وربحت من عباس شيئا مهما. في النص الإنجليزي لخطاب عباس، يقول "أتوجه لشعبي الفلسطيني في كل مكان..في غزة والقدس والضفة الغربية وفي كل مكان"..وقال لا فض فوه "إن العالم يحاول مساعدتنا على رفع الظلم التاريخي الذي وقع على شعبينا الفلسطيني واليهودي". لقد ساوى الشعب "اليهودي" بالشعب الفلسطيني لجهة الظلم التاريخي الذي وقع عليه..!

هذا مكسب لإسرائيل ليس كمثله مكسب. حطم ومسح ما تبقى لنا أو للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية من مخزون انساني اخلاقي عطفا على قضيته. سألت من كتب هذا الخطاب، فعلمت أنه ياسر عبد ربه.

إلى ذلك، رأى عباس في المؤتمر تعبيرا عن الإرادة الدولية لتحقيق السلام العادل، واعتبر المشاركة الواسعة فيه قوة دافعة تضفي الشرعية على المؤتمر ـ وهذا يهمه شخصيا ـ وينم عن دعم قوي للمفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين كي يواصلوا سعيهم نحو حل الدولتين. وأشاد بالمشاركة العربية واعتبرها مصادقة على المقاربة التي اختارها المؤتمر والتي تدعو إلى تسوية سلمية متوازنة من شأنها توطيد دعائم السلام والأمن لدولة فلسطين، واسرائيل، وسائر الإقليم، وأن الحضور العربي والإسلامي يدل على أن مبادرة السلام العربية لم تكن تحركا بلا هدف، بل خيارا استراتيجيا شجاعا لتغيير طريقة العلاقات القائمة وتدشن علاقات جديدة، أي أنه يلمح إلى التطبيع..!

ولدى قراءة الخطاب، يشعر الخبير أن كل هذه الأفكار مطلوب ادراجها في الخطاب من قبل الإدارة الأميركية. أنا أتحدث انطلاقا من خبرتي..لقد مررنا بمثل هذه التجربة.

ثم يقول "ما نواجهه اليوم ليس تحدي السلام فقط، بل امتحان صدقية سائر اللاعبين، بمن فيهم اسرائيل ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وكذلك المجموعة العربية والإسلامية. أدخل الدول العربية في امتحان الصدقية..! وهذا يعني أنه إذا اعتبرهم الطرف المسؤول عن الصدقية (اميركا) مقصرون، فهذا يعني أنهم مقصرين، عليهم أن يعوضوا ما قصروا فيه..! لقد ساوى بين العرب واسرائيل التي ترفض الإنسحاب من الأراضي التي احتلتها قبل اربعين سنة..!

وأشار إلى أن قضايا مفاوضات الوضع النهائي ستكون على أجندة المتفاوضين منذ اليوم الأول للمفاوضات، وذكر هذه القضايا وهي القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات، الأمن، المياه، وقضايا أخرى. وأشار أيضا إلى مشكلات تتعلق بالحياة اليومية مثل الحواجز، الإجتياحات اليومية، السجون.

تتبين أهمية الإشارة إلى هذه القضايا حين يقال أن تقدما قد حدث في المفاوضات، حيث علينا أن نفحص أين حدث التقدم، في القضايا اليومية، أم في القضايا الحقيقية..؟

أنا أقرأ الأمر من زاوية أن عباس يريد أن يخلط بين القضايا الحقيقية والقضايا اليومية من أجل أن يتحدث لاحقا عن انجازات ليست ذات بال، من قبيل رفع عدد من الحواجز الإسرائيلية دون رفع الإحتلال ذاته..!

لقد تماهى عباس مع بوش في مكافحة الإرهاب في كل زمان، "ليس لأنه متطلب سياسي مفروض علينا كمصدر تهديد، بل لأنه مصدر تهديد لمستقبل كل الشعوب". يتبنى الموقف الأميركي الإستراتيجي. واضاف "لقد أظهر اولمرت رغبته في تحقيق السلام، وسنعمل على جسر الهوة بين موقفينا". وأنا أقرا من ذلك ايحاء من عباس بقبوله لمبدأ التنازل..!هكذا يمكن أن تستخدمه اسرائيل.

أبسط ما يمكن وصف خطاب أبو مازن به هو أنه نهج "إلحق العيار لباب الدار"، لنرى ما الذي يمكن أن يعطينا العيار إياه. وهذا حكم لطيف.

حينما يتماهى كاملا مع بوش، ويضع نفسه مع الشعب اليهودي في خانة ظلم تاريخي واحدة، "وحدة المصاب"، كما اسميها، هذا يعني أنه اعطاهم كل ما يريدونه.

ثلاثة رزم وثلاث سيرورات

لكن، علينا قبل أن نحكم، وبعد أن "نلحق العيار لباب الدار"، أن نستخلص من البيان المشترك، وكلمات اللاعبين، أية مفاهيم عكستها هذه الكلمات. لدى التدقيق، نلاحظ الأمور التالية:

1. رزمة الحل العادل، المشار لمفرداتها في أماكن متفرقة من الخطابات.

2. رزمة أخرى تركز على الأمن والإستقرار ومكافحة الإرهاب.

3. رزمة ثالثة تركز على اشاعة ثقافة السلام وأمن الإقليم.

وحين تدقق أكثر تجد أن رزمة الحل العادل المتمثلة في حل الدولتين، وبقية الرزم، أدخل في كل رزمة منها صاعق تفجير. صاعق رزمة الحل العادل هو يهودية الدولة..أي أن الفلسطينيين الموجودين في اسرائيل عليهم أن يخرجوا منها في يوم ما، وأن لا يعود لها اللاجئون.

رزمة الأمن والإستقرار أدخل فيها صاعق هو اعتبار المقاومة ارهابا، وتفكيك بنيتها التحتية، دون اشراكها بالعملية السياسية..هذا أكبر صاعق تفجير مدمر. يريدون نزع سلاح المقاومة بالقوة، دون اشراكهم بالحل السياسي..!

هذا صاعق من شأنه أن يفجر الوضع.

الصاعق الثالث هو القدس الواحدة الموحدة عاصمة اسرائيل للأبد.

كيف يمكن صنع سلام اقليمي وتطبيع عربي واسرائيل جالسة على رقبة القدس..؟أنا لا أستطيع تخيل امكانية ذلك. لا امكانية لتطبيع العلاقات الإقليمية دون حل قضية القدس. هذه قضية مؤهلة لتجديد النزاع في أي لحظة من الزمن. إذا كان الناس صامتون اليوم، فلن يظلوا صامتين غدا. القضايا التي تتعلق بالوجدان الداخلي للبشر، لا تنسى بهذه البساطة.

قيل أن المؤتمر أطلق ثلاث سيرورات في وقت واحد:

الأولى: الربط بين تقديم الدعم الإقتصادي للشعب الفلسطيني واستمرار المفاوضات، ولو أنها لا تتقدم خطوة للأمام. على هذه القاعدة تمت الدعوة إلى مؤتمر باريس, على نحو يجعل من المساعدات عاملا على استمرار المفاوضات دون تحقيق أي تقدم.

الثانية: المتعلقة بالوصول إلى حل لقضايا الحل النهائي، وهذه يدافع عباس عن نفسه فيها، واميركا "تحملنا جميلة" فيها، وهي أن بحث قضايا الحل النهائي كان يفترض أن يأتي في المرحلة الأخيرة من خارطة الطريق، بعد تفكيك منظمات الإرهاب، ونزع اسلحتها، وكامل نقاط المرحلة الأولى، فقبلنا أن تتحدثوا في قضايا الحل النهائي منذ البداية.

لكن هذا التقديم من شأنه أن يفجر المشاكل مبكرا، ويوقف التفاوض.

الثالثة: وهي لعينة ولئيمة، سيرورة تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية بشكل تدريجي..أي أنه ينبغي حدوث تطبيع في العلاقات بين الدول العربية واسرائيل عند حدوث أي تقدم في المسارين الآخرين، كأن يسمحوا لأهل نابلس بالسفر عبر الطريق العادية إلى طولكرم، وهي مغلقة أغلب الأوقات، بدلا من استخدام طريق وادي البادان الذي يمتد لمسافة 150 كيلو مترا، بدلا من 25 كيلو مترا. وهذا يعني عدم ربط التطبيع التدريجي بحدوث تقدم على مسار الأمور الجوهرية، كموافقة اسرائيل على الإنسحاب من القدس الشرقية. وهذا أكثر ما يجب أن يثير الخوف لدينا، وعلى المراقب المتابع أن ينتبه لهذا.

ولكن، حتى لا نرجع للتجربة التاريخية، ما الذي يجعلني أعتقد أن أنا بوليس سوف ينجح..؟التجربة التاريخية تجيب بلا. سبق أنا بوليس قرار مجلس الأمن 242 سنة 1967، مشروع روجرز سنة 1970، القرار 337 سنة 1973، مؤتمر جنيف سنة 1979 ، البيان المشترك السوفياتي الأميركي سنة 1978، بيان البندقية سنة 1979، كامب ديفيد الأولى سنة 1979، مشروع ريغان 1982، ، كامب ديفيد الثانية سنة 2000..وكل هذا كانت حصيلته العملية لا شيئ. الإحتلال قائم منذ اربعين سنة. المعيار هو الإحتلال. هل تحرك الإحتلال..؟هل تزحزح..؟لم يتزحزح. هذا ما تقوله التجربة التاريخية. وهذا يدعو للتساؤل: لم علينا أن نتفاءل..؟

المعادلة الديموغرافية

على كل حال، لدي شيئ واحد يجعلني اتفاءل قليلا هو المعادلة الديمغرافية.

علينا أن لا ننسى أبدا أن لدى اليهود مشكلة تتمثل في عدم قدرتهم على الإنتقال من تفكير الحركة إلى تفكير الدولة. لديهم أزمة في هذا الخصوص. التفكير السائد لدى قادة اسرائيل هو تفكير الحركة الصهيونية، وليس تفكير دولة اسرائيل. هناك فرق كبير بين تفكير الحزب وتفكير الدولة. هذه الأزمة هي في ذات الوقت نقطة ضعف اسرائيل.

اسرائيل سنة 1967، حين احتلت الضفة الغربية، اعتبرت وصول قواتها إلى نهر الأردن تحرير لأرض اسرائيل. تحدثوا عن استكمال تحرير أرض اسرائيل.

الصهيونية تقوم على قائمين..الأول الأرض الفلسطينية والثاني السكان. وقد اعتبرت اسرائيل سنة 1967 أنها قد انتهت من "تحرير" الأرض، وهي منذ ذلك الوقت وحتى الآن تعمل على العنصر الثاني الديموغرافي..وهو عامل من شعبتين:

الأولى: سكان فلسطينيون ينبغي خروج أكبر عدد منهم من الأرض.

الثانية: سكان يهود يجب الإتيان بأكبر عدد منهم من الخارج.

في التسعينيات، بعد الإنتفاضة واوسلو، بدأوا يدققوا في هذه الأمور، فأصيبوا بإحباطين، يشير ديسوتو لواحد منهما:

الأول: أن الفلسطينيين بالرغم من التهجير وسياسات الخنق، ما زالوا يتكاثرون. والإحصاءات التي يصدرها الإسرائيليون كل عدة أشهر عن أعداد السكان نابعة في حقيقة الأمر من الخوف. هذا تعبير سياسي خائف من تكاثر الفلسطينيين، أكثر منه تنظيمي وتخطيطي.

الثاني: حين عمل شارون وزيرا للبنية التحتية في حكومة نتنياهو، كانت مهمته تحضير البنية التحتية للمهاجرين اليهود القادمين من الإتحاد السوفياتي بعد سقوطه. وقد احبطوا حين لم يأت العدد المطلوب، بل أقل منه بكثير جدا، وأن معظم اليهود الذين غادروا الإتحاد السوفياتي، فضلوا الذهاب إلى اميركا أو كندا، أو استراليا، على أن يأتوا إلى اسرائيل.

الآن، لدى اليهود مشكلة، وهدف وحلم. فخرج شارون بنظرية تقول: ما دام الأمر كذلك، وأننا لا نستطيع أن ننهي الوجود الفلسطيني إلى الأبد، فعلينا أن نحوصلهم داخل جسم اسرائيل. وهذا التفكير ينطلق من اعتقاد بأن أرض فلسطين كاملة هي اسرائيل. هم ينظرون إلى الفلسطينيين باعتبارهم جالية عربية غريبة اسمها جالية الفلسطينيين في أرض اسرائيل..ليس شعب فلسطيني له حق تقرير المصير شأنه شأن الشعوب الأخرى كافة. وهم يخشون من أن تتكاثر هذه الجالية، "ويكبر راسها" وتصبح تطالب بحقوق الشعوب في تقرير المصير، ولذلك يتوجب حوصلتها، كما يحوصل الجسم الجرثومة داخله. وهذا آخر سلاح لدى اسرائيل. وقد بدأوا بعملية الحوصلة.

الظاهرة المادية للحوصلة، أو التمظهر المادي للحوصلة هو بناء السور العازل، الذي يغطي الشمال والجنوب والغرب، وتكثيف الإستيطان في غور الأردن، والقول إن حدود اسرائيل الشرقية هي غور الأردن. فأصبح الفلسطينيون محوصلين داخل الجسم الإسرائيلي. والحوصلة بطبيعتها يجب أن تجد لها مخرجا، هو في هذه الحالة الجسر الذي هو تحت سيطرتهم. حوصلهم وسيطر عليهم واخنقهم، وادفعهم للخروج..!

لقد استخدمت هذا التعبير سنة 2005 على قناة الجزيرة، وقد سررت حين وجدت جيمي كارتر يستخدم ذات التعبير في كتابه الأخير، دون أن يكون مطلعا بالضرورة على ما قلته عبر الجزيرة.

مثال جنوب افريقيا

الآن "طلع لنا إشي جديد"..بعد عودة اولمرت بثلاثة اربعة أيام، بدأ اليمن الإسرائيلي يتدلل، فاضطر اولمرت للدفاع عن نفسه قائلا "لا فض فوه"، فاضحا السر اليهودي، وهو أن الفلسطينيين إذا واصلوا تكاثرهم، وبقينا نحن على ما نحن عليه، فإن كل الوضع سيتغير يوما. سيأتي يوم يقول لنا فيه الفلسطينيون العرب "نحن اسرائيليون نريد حقوقنا..!". وحينئذ تلفظ الصهيونية انفاسها، لأن الصهيونية هي اقامة دولة يهودية في فلسطين.

يبلغ عدد الفلسطينيين داخل اسرائيل اليوم مليون وربع المليون نسمة، فما الذي سيحدث إن طالب الأربعة ملايين فلسطيني الآخرون المقيمون في الضفة الغربية وقطاع غزة بذات الشيئ، وقالوا إنهم يريدوا أن يكونوا مواطنين في دولة اسرائيل..؟في هذه الحالة سيصبح عددهم مساويا لعددنا، وهم يواصلون التزايد بمعدلات تفوق نسبة تزايد اليهود. وهذا يعني ذهاب دولة اسرائيل، وانتهاء الصهيونية.

هذا ما قاله اولمرت بطريقته في معرض الدفاع عن نفسه، محذرا من أن مصير اسرائيل كدولة يهودية قد ينتهي إلى العدم إذا لم تقم دولتان، لأن سابقة جنوب افريقيا قد تتكرر في اسرائيل. في حال الوصول إلى اليوم الذي يختفي معه حل الدولتين، سنجد انفسنا أمام نوع من النضال (الفلسطيني)، عرفته حكومة جنوب افريقيا (البيضاء)..وهو النضال من أجل حقوق متساوية في التصويت في دولة واحدة. وستجد اسرائيل نفسها معزولة بالكامل، فالمنظمات اليهودية الناشطة في الولايات المتحدة سوف تكون السباقة إلى تبني مواقف مناهضة لنا، حيث ستعرب عن عدم قدرتها على تقديم الدعم لدولة لا تتبع نهج الديمقراطية في الحقوق المتساوية في التصويت للجميع"..أي أن اسرائيل تجد نفسها أمام خيارين، إما خيار دولة فلسطينية وأخرى اسرائيلية، على أرض فلسطين الإنتدابية، أو خيار دولة اسرائيل ثنائية القومية. والخيار الأول هو أهون الشرين.

وهنا أريد أن اتساءل:

هل يعي عباس والسلطة معنى هذا الكلام..؟

وإذا وعوه، هل يعتبرونه خط الرجعة الأخير..؟

ولم لم يوظفوا هذا الخوف الإسرائيلي ـ إذا وعوه ـ حتى الآن..؟

هل لأنهم ما زالوا يعتقدون أن السلطة هي مقدمة للدولة..؟

أنا ارى أن السلطة مصيبة من المصائب التي وقعت على الفلسطينيين وقضيتهم. حين أنشئت السلطة في التسعينيات، اعتقدوا، بما في ذلك أنا، أن السلطة مقدمة لإقامة الدولة، فتبين أنها غير ذلك. تبين أنها مجرد قناع استخدمته اسرائيل كي تظن أنت أنه مقدمة للدولة الفلسطينية، في حين أن حقيقته أنه قناع تختفي وراءه اسرائيل، وأداة تحكم اسرائيل الفلسطينيين بواسطتها، فيما تقوم هي بتنفيذ التحويل الديمغرافي على الأرض، وهذا ما فعلته خلال هذه الفترة.

لم يقولوا بعد اوسلو أن عدد المستوطنات قد ازداد..؟ بسبب ذلك. اسرائيل اعتبرت السلطة قناعا تختفي من ورائه لتأكيد وجودها المادي سكانيا، وترابيا على الضفة الغربية، بما في ذلك تسميات أصحاب المعالي، وصاحب الدولة، وسيادة الرئيس..إلخ..وها قد مضت 14 سنة دون تحقق الدولة.

هل يدرك أبو مازن أنه وسلطته يستخدمان كمجرد قناع من قبل اسرائيل..؟

إذا كان يعي ذلك، عليه أن يوقف هذه الحكاية..!

أنا أرى أن على أبو مازن أن يفعل شيئا..أن يبين لإسرائيل أنه واع لما يدور، لجهة امكانية تخييرها بين أهون الشرين..الدولة الفلسطينية أو القناع الفلسطيني للسيادة الإسرائيلية. وعليه أن يرسل لإسرائيل رسالة واضحة، أن يلوح لها بإمكانية اقدامه على تمزيق هذا القناع. أن ينهي السلطة، وفي هذه الحالة تعود اسرائيل، وفقا للقانون الدولي، مسؤولة عن الشعب الفلسطيني، والإنفاق على الفلسطينيين..صحة وتعليم..إلخ. وبعد ذلك ينشط الفلسطينيون من خلال مؤسسات المجتمع المدني في المطالبة بحقوقهم. هذا ما يخاف منه اولمرت. ويصبح النضال الفلسطيني مثل نضال السود في جنوب افريقيا للحصول على حقوق متساوية، وحينئذ تنتهي الدولة اليهودية.

هذا يعني أن انهاء السلطة هو إنهاء للدولة اليهودية..؟ قاطع أحد الحضور أبو عودة متسائلا، فرد عليه: اليهود لن يقبلوا ذلك، حتى لو احتلوا دولا عربية أخرى. لا أحد في اسرائيل يقبل أن تمسح الفكرة الصهيونية التي "يناضلون" من أجلها منذ عدة عقود. نحن سنفرض عليهم أهون الشرين، وهو قيام دولة فلسطينية.

لقد فضح اولمرت السر اليهودي الذي مضى على حملهم له خمسين سنة. الجديد في هذا الأمر أن أناسا من خارج الدائرة الصهيونية اصبحوا يذكرون لهم ذلك، وقد كنت أنا واحد من هؤلاء..! تم الكشف عن كعب اخيلهم..!

حين قلت هذا الكلام في مؤتمر شارك فيها يهود، انتفضوا، وقالوا إن هذا غير ممكن. وقالوا في معرض الرد علي إن عدم تحقيق السلام يعني نشوب حروب جديدة، فرددت عليهم نافيا، متسائلا من قال لكم ذلك..؟لا أحد يحارب في الشرق الأوسط. لا تضحكوا على أنفسكم. العرب لن يحاربوا، والفلسطينيين منهكين. من سيحارب. لكن ما سيحدث هو أخطر من الحروب، وبينت لهم أن ما سيحدث هو دولة ثنائية القومية، التي دعا لها المرحوم الدكتور ادوارد سعيد، وعدد من المثقفين الفلسطينيين.

هذه هي نقطة ضعف اسرائيل. وستكون اسرائيل في هذه الحالة مضطرة لاحتلال نصف سوريا والأردن والضفة الغربية..إلخ. ستتصرف كالمجنون، لكن يمكن الضغط عليها بمطالبتها بأهون الشرين..دولة فلسطينية إلى جانب اسرائيل.

الأمر يستدعي تشكيل خلية فكرية تقف خلف السلطة الفلسطينية تشرح لها ما يجري، وتقدم لها النصح بشأن ما يتوجب عليها فعله. من يكتب عن ظلم تاريخي مشترك لحق بالشعبين الفلسطيني والإسرائيلي "ما بطلعله يكون ضمن هذه الخلية".

التعليقات