الأغوار: فلسطينيون غارقون في حياة بدائية تشبه حياة أجدادهم قبل العام 1920

غزة-دنيا الوطن

يفصح ضوء ينبعث من ذبالة مشتعلة لقنديل يعمل بوقود الكيروسين في منزل عبد الرحيم بشارات الخيشي في مضرب رعوي شمال غور الأردن عن مدى الحياة القاسية التي تعيشها هذه الفئة من الفلسطينيين.

في مساكن أخرى قرميدية الأسطح قريبة تقع في مستوطنة "روعي" المجاورة، تظهر الأضواء أكثر سطوعاً وتنير الهضاب المجاورة للمضرب الذي يسكنه بشارات وجيرانه من الرعاة.

ويعيش السكان في عشرات التجمعات الرعوية والخرب في الجزء الشرقي من الضفة الغربية دون أن يتمتعوا بمظاهر البنية التحتية كالماء والكهرباء والطرق المعبدة، سوى الموجود في بعض القرى الزراعية التي أخذت تتطور بموافقة إسرائيلية، لكن بحدود ضيقة.

وقال بشارات المتزوج من امرأتين أنجبتا على مدار أكثر من عشرين عاماً، أربعة وعشرين ابنا وابنة فيما كانت نار الحطب مشتعلة أمام مسكنه تشيع نورا إضافيا إلى نور ذبالة القنديل، إن مضاربهم الرعوية الثابتة منذ عشرات السنين تخلو من الكهرباء والبنية التحتية.

"وجود الكهرباء يعني الحاجة للبناء والتعمير، وهذا ما لا تسمح به الحكومة الإسرائيلية التي تسعى لطردنا من أراضينا"، أضاف الرجل الحانق على حالة وهو ينفث دخان سيجارته بأقصى درجات الزفير.

وقال "هذه الحياة تشبه حياة أجدادنا قبل العام 1920". وهو بذلك يشير إلى بدايات القرن الماضي حيث لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى المدن الفلسطينية ولم تكن الشوارع المعبدة التي تسير عليها المركبات.

وقد أنذر جيش الاحتلال الإسرائيلي بشارات وجيرانه هذا العام، الرحيل كي يتجنب هدم منزله المبني من أعمدة حديد تغطيها قطع من الخيش المرتوق مرات عديدة جراء الشمس والمطر.

وفي منطقة البقيعة التي يقع عند أقدام أحد جبالها مسكن بشارات، تبدو مساكن خيشية عرضة لرياح الشتاء وحر الصيف مشدودة بحبال مربوطة بأوتاد زرعت في أرضٍ ترابها لين.

لكن الرجل يقول إن وجود كهرباء في هذه المنازل يخفف إلى حد كبير من معاناة السكان.

وعلى امتداد منطقة غور الأردن شرق الضفة الغربية، تمنع الحكومة الإسرائيلية سكان المضارب من بناء حتى منازل من الصفائح الحديدية أو الاسمنت. لكن البناء في المستعمرات الزراعية مستمر على قدم وساق.

ومرات عديدة هدم جيش الاحتلال مساكن متنقلة في المضارب مازال ركامها على حاله حتى الآن ظاهراً للعيان.

وتخلو المضارب من المدارس والعيادات الصحية والطرق. ووجود أي مظهر من مظاهر الحياة المدنية البسيطة محكوم بقرارات عسكرية من الجيش الإسرائيلي الذي تخضع المنطقة لسيطرته منذ احتلالها في العام 1967.

وقال بشارات إنه ترك عدد من أبنائه في بلدة طمون البعيدة عدة كيلو مترات عن المضارب كي يتسنى لهم الالتحاق بالمدارس في تلك البلدة.

على بعد أقل من عشرة كيلو مترات شمالاً تقع مضارب وادي المالح التي تترامي مساكنها على ضفاف وديان وعلى سفوح جبلية قريبة كثيراً من نهر الأردن.

ويمضى الطلاب القادمين من هذه المضارب إلى مدارسهم في أوقات مبكرة جداً كي يتسنى لهم الوصول في وقت بدء الدوام. لكن عارف دراغمة رئيس المجلس المحلي يقول إن الطلاب لا يصلون في معظم الأيام إلى صفوفهم في الوقت المحدد. فلا مواصلات ثابتة في المنطقة إلا وسائط النقل الإسرائيلية التي تنقل المستوطنين.

ويسير الطلبة في ذهابهم الى المدارس الواقعة على بعد أكثر من خمسة كيلومترات من مضاربهم في مجموعات. ويؤكد بعضهم أنه يخشى السير بمفرده في أرضٍ موحشة لا أثر للبشر فيها إلا ما ندر.

وقال دراغمة إن هؤلاء الطلبة يضطرون لقطع نصف المسافة مشياً على الأقدام حتى تمر مركبة وتنقلهم. وفي بعض الأوقات يقول السكان إنهم اضطروا لنقل أبنائهم على البهائم أو على الجرارات الزراعية كي يجنبوهم الغوص في الأوحال.

وأضاف "سيبقى هؤلاء يعيشون على هذا النحو دون كهرباء ومياه وصحة حتى يتغير الظرف السياسي الحالي ويسمح لهم بالبناء والتعمير".

*وفا-جميل ضبابات

التعليقات