بوش يعقد اجتماعات مع مستشاريه لتقييم معلومات الاستخبارات عن إيران

واشنطن: دافيد بيكر ودفينا لينزر *

يطلقون عليها «الغوص العميق»، وهي عبارة عن اجتماعات خاصة للرئيس الاميركي جورج بوش، ليس فقط مع مستشاريه، ولكن ايضا مع المحللين الذين يدرسون ايران في قطاع الاستخبارات. وبداية من العام الماضي، رتب المساعدون سلسلة من الجلسات لبوش للاطلاع على معلومات استخبارية، لفهم ما هو معروف وما هو غير معروف.

وقد واجه بوش وهو يستعد لما هو اهم، تحديات السياسة الخارجية لعامه الأخير في السلطة، محدودية المعلومات الاستخبارية عن برنامج طهران النووية وطالب بالمزيد، طبقا لما ذكره مسؤولون على معرفة بالجلسات. ولكن اذا كان بوش يأمل في معلومات محددة، بأن ايران تحاول بناء قنابل نووية، فما حصل عليه اثبت كان مفاجأة ـ لدى ايران برنامج تسليح نووي، ولكنها أوقفته منذ اربع سنوات.

والتقرير الجديد عن ايران، الذي كشف عنه هذا الاسبوع يؤكد الطبيعة المتقبلة للاستخبارات الاميركية، وعلاقتها غير المريحة مع السياسة الخارجية الأميركية. فبعد خمس سنوات من التقييم الفاشل لبرنامج التسليح الأميركي، فإن المعلومات الجديدة تمثل تحديا عميقا لإدارة بوش، كيف يمكن للمسؤولين التأكد من ان هذه المعلومات صحيحة هذه المرة؟ ما يعني بالنسبة لسياسة بوش المتعلقة بالمواجهة الدولية مع طهران؟ وهل يمكن كشفها للكونغرس أو حلفاء أميركا او الرأي العام؟

وفي الوقت الذي يشعر فيه البيت الأبيض بحساسية عميقة تجاه أية تلميحات على التأثير بطريقة غير مناسبة على الاستخبارات، فإنه تشكك في المعلومات الجديدة. وقال بوش في مؤتمر صحافي «تريد التأكد من انها ليست معلومات مضللة». وقد أسست أجهزة الاستخبارات «فريق أحمر» خاص من المحللين الذين اجتمعوا لتقرير ما اذا كانت المعلومات يمكن ان تكون مزيفة. وتوصلوا الى انها غير مزيفة.

ومع استيعاب المعلومات الجديدة، اختار بوش ومساعدوه التركيز على الجزء الذي يؤكد شكوكهم ـ ان ايران كان لديها في الماضي برنامج تسليح سري، وربما تعيد تشغيله من جديد. وفي مناقشات البيت الابيض لم يقترح احد على الرئيس بوش تخفيف حدة خطابه او تغيير سياسته.

وبالرغم من ذلك فقد فهموا حساسية النتائج. وفي البداية قرر مايك ماكونل مدير الاستخبارات الوطنية، الاحتفاظ بالمعلومات سرية، ولكنه تراجع عن قراره مضطرا بعد منافشات متعددة في الاسبوع الماضي، خوفا من تسربها واتهامه بالتغطية. وفي تلك المرحلة كان الاسرائيليون على علم. ولم تقدم للكونغرس ولا الأوروبيون ولا وكالة الطاقة النووية النتائج الكاملة بخصوص التقرير الى قبل ساعات من الكشف عنه.

وقد اثار ذلك ضيق الحلفاء الاوروبيين. وقال روبرت اينهورن وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية، متخصص في الانتشار النووي ان «الادارة ستدفع ثمنا غاليا لعدم السماح للحلفاء بمعرفة الامر قبل ذلك». تجدر الإشارة الى ان اصل تلك المعلومات الاستخبارية، يكن متابعتها الى عام 2004، عندما ظهر رجل ايراني في تركيا ومعه كومبيوتر محمول ورقم هاتف لضابط استخبارات الماني. واتصل بالرقم وخلال 24 ساعة كان المحللون في مقر «سي.اس.أي.ايه» في لانغلي يطلعون على آلاف من الصفحات والرسومات والمعلومات المخزنة في الجهاز تشير الى ان ايران تحاول اعادة تجهيز صاروخها طويل المدى شهاب 3، ليحمل رأسا نوويا. وأطلقت على المشروع 1 ـ 11 وهو ما يؤكد وجود برنامج نووي.

وشكلت تلك المعلومات العمود الفقري لتقرير الاستخباراتي لعام 2005 الذي أعلن «بثقة كبيرة» ان ايران تعمل على بناء قنبلة نووية. وقضت ادارة بوش عامين تاليين تضغط على الحلفاء الاوروبيين وروسيا والصين لفرض عقوبات على ايران، اذا لم تتخل عن برنامج تخصيب اليورانيوم، بالرغم من اصرار ايران على ان التخصيب يجري من اجل الاستخدامات المدنية.

ومع تزايد التوتر، طلب الكونغرس في العام الماضي، تقريرا استخباريا جديدة. وكان بوش يعمل من اجل مزيد من المعلومات خلال جلسات «الغوص العميق». وقال مسؤول إن بوش طالب بضرورة الحصول على مزيد من المعلومات حول ايران، بحيث يمكننا معرفة ما يسعون اليه. ومع تدافع المحللين على الانتهاء من التقرير بحلول شهر ابريل (نيسان)، كانوا يتوصلون الي نتيجة الى ان ايران بعيدة عدة عقبات من الاسلحة النووية، طبقا لما ذكره مسؤولون في الادارة. ولم تحصل اجهزة الاستخبارات على أية معلومات جديدة لمدة ثلاث سنوات حول مشروع 1 ـ 11.

وبحلول شهر يونيو (حزيران) استكمل المحللون تقريبا مسودة تقييم الاستخبارات الجديد. وادى الى جدل حاد. وقال مصدر على علم بالمفاوضات «كلما قلت المعلومات التي لديك، زاد الجدل». وضغط عدد من المسؤولين على قسم ايران في الوكالة بمتابعة المشروع. ورد كل من مايكل هايدن مدير وكالة الاستخبارات وكيث الكمسندر مدير وكالة الامن الوطني على ذلك، بتوجيه مجموعة كبيرة من العاملين والتقنية نحو التجسس على الايرانيين الذين ربما شاركوا في مشروع الرؤوس النووية.

ومع ضغط بوش للحصول على معلومات جديدة، توصل قطاع الاستخبارات الى معلومات جديدة ـ سلسلة من عمليات التنصت، بما في ذلك اجزاء من احاديث بين مسؤولين ايرانيين كبار، واحد منهم ضابط جيش ظهر اسمه في جهاز الكمبيوتر المحمول. وقال مصدران ان الايرانيين اشتكوا من ان برنامج الأسلحة النووية الذي اغلق قبل اربع سنوات، وتناقشوا فيما اذا كان سيعاد تشغيله ام لا. ويحمل التقرير الجديد طابع ماكونيل ونائبيه توماس فينغار ودونالد كير، وهما اصدقاء لديهما خبرة طويلة في مجال الامن الوطني. وبدأ فينغار في عام 2005 تغيير كيفية جمع المعلومات وترشيحها، واقر ماكونل القواعد الجديدة بعدما اصبح مديرا للاستخبارات الوطنية في شهر فبراير (شباط). ونتيجة لذلك، فإن الجدل الداخلي حول معنى المعلومات الاستخبارات الجديدة عن ايران كان حادا، مع تصادم العديد من الوكالات حول كل شيء من التفاصيل الدقيقة للنتائج الى النقاط العريضة.

ونقل ماكونل لبوش المعلومات الجديدة في شهر أغسطس (آب) خلال تقرير استخباري يومي، الا انه لم يقدم له الكثير من التفاصيل او أي شيء مكتوب، طبقا لما ذكره مسؤولون في البيت الابيض، وكان بوش يطلب بصفة دورية من ماكونل معلومات جديدة. كما ابلغ المسؤولون اعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، وعدد من الشخصيات الرئيسية في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في شهر سبتمبر (أيلول).

وقال واحد من المسؤولين الاستخباريين، ان فريق بوش عبر عن قلقه من ان التنصت، ربما يكون معلومات مضللة، ولذلك اختبر المحللون تلك النظرية. وذكر مسؤول «لقد حاولوا تحديد ما هو المطلوب لتسريب مثل هذه الخديعة، كم عدد الناس الذين سيشاركون فيها، كيف سينفذونها». وفحصوا وأعادوا فحص الف معلومة، وتوصلوا لنتيجة مؤداها ان برنامج ايران قد اغلق حقا.

وقد وصلت الأحداث الى ذروتها، عندما كان بوش يعقد مؤتمر السلام في الشرق الاوسط في انابوليس، وهو اجتماع مخصص على الاقل في جزء منه لحشد المنطقة ضد ايران. ولم يقل احد للمشاركين بخصوص المعلومات الجديدة، الان انه في نفس اليوم الذين التقوا فيه في انابوليس في 27 نوفمبر (تشرين الثاني)، التقى مجلس الاستخبارات الوطني لإعداد النسخة النهائية من تقرير الاستخبارات. واطلع ماكونل بوش وتشيني في اليوم التالي. وبالرغم من ان المسؤولين الاستخباريين كانوا ينوون عدم نشرها، لكن بوش بعث بها الى رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، وابلغ تشيني وزير الدفاع ايهود باراك.

وبحلول الاسبوع الماضي، انتشر جدل حاد بخصوص ما اذا كان يجب الاحتفاظ بها سرا. وقال مسؤول كبير في الاستخبارات «كنا نعلم انها ستتسرب، ولذا كانت الامانة تتطلب منها الكشف عنها. وفي يوم الاثنين، اتصلت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية بنظرائها في بريطانيا وفرنسا والمانيا وروسيا والصين، وهي الدول التي كانت تتفاوض على مجموعة جديدة من العقوبات ضد ايران. وتذمر وزراء الخارجية بخصوص كيفية التعامل مع الموضوع. فإذا كانوا يعرفون قبل المؤتمر، كما اوضح مسؤول اسرائيلي كبير «لما حضرنا».

* «واشنطن بوست»

التعليقات