التقرير الأمني الأميركي جزء من حملة تضليل تؤمن مباغتة ايران ودول الإقليم

عمان-دنيا الوطن-شاكر الجوهري

يصعب النظر إلى تقرير أجهزة الإستخبارات الأميركية المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني بمعزل عن بقية مفردات المشهد العام المتعلق بالعلاقات الأميركية الإيرانية، والسياسة الأميركية العامة في المنطقة.

هل يؤدي نشر التقرير إلى تأجيل توجيه ضربة عسكرية اميركية لإيران..؟

هذا ليس بالخيار الوحيد، لأنه كما قلنا يصعب، بل من الخطأ التعامل مع التقرير الأمني الأميركي بمعزل عن بقية مكونات المشهد العام.

ابتداء يجب التوقف عند محتويات التقرير، وطبيعة الجهة التي صدر عنها، لنتساءل عما إذا كانت الأجهزة الإستخبارية الأميركية تعمل بمعزل عن المخططات العدوانية الأميركية، وعما إذا كانت هذه الأجهزة ليست هي صاحبة هذه المخططات..؟!

تصديق أن تكون الأجهزة الأمنية الأميركية تريد تعطيل مخططات بوش العدوانية يعني من ضمن ما يعنيه أن هذه الأجهزة قد تخلت عن دورها العدواني، وأن القرار في الولايات المتحدة أصبح يتخذه رئيس فرد، وأن التخطيط المؤسسي قد انتهى عهده..!

هل حدث ذلك..؟

توقيع 16 جهازا امنيا اميركيا على التقرير يؤكد أن المؤسسة الأميركية لا تزال بخير، وأنها لا تزال هي صاحبة القرار.

والقرار الأميركي بكل تأكيد، يعبر عنه رئيس الولايات المتحدة الأميركية كونه رئيس الهرم القيادي، الذي أكد بعد اعلان تقرير الأجهزة الأمنية أن ايران لا تزال تمثل "مشكلة على المجتمع الدولي معالجتها". ولفت بوش في التصريح الذي أدلى به في مدينة نبراسا إلى أنه تحدث مع أعضاء فريقه، فأحاطوه "علماً بالمحادثات التي أجرتها وزيرة الخارجية، ومستشار الأمن القومي خلال اليومين الأخيرين مع نظرائهما في المملكة المتحدة والمانيا وفرنسا وروسيا، حيث تدرك هذه الدول أن القضية النووية الإيرانية تشكل مشكلة، وما زالت تشكل مشكلة يجب على المجتمع الدولي معالجتها. وقد صرح عدد منهم بذلك علانية، وأنا أقدر تعليقاتهم".

ولكن ما الذي قاله تقرير الأجهزة الأمنية..؟

يمكن تلخيص التقرير في:

أولا: أن ايران أوقفت برنامجها الخاص بالتسلح النووي منذ عام 2003.

ثانيا: أن ايران ما زالت مستمرة في تخصيب اليورانيوم.

وهذا يعني وجود خبرات لدى ايران في كيفية انتاج مواد تستخدم في صناعة القنبلة النووية، وهي من مدخلات هذه الصناعة، وأنها تواصل تخصيب اليورانيوم، وهو المادة الأساسية في صناعة القنبلة المطلوبة، حين تبلغ نسبة التخصيب الحد المطلوب لصناعة هكذا قنبلة.

وهذا ما يفهم من تصريحات بوش أن واشنطن مدركة لهذه الحقائق، لذا فهو يطالب ايران بأن تضعه في صورة البرنامج النووي، الذي لطالما نفت وجوده.

ما الذي يجعل 16 جهازا امنيا اميركيا تقرر في تقرير واحد إذا أن ايران توقفت عن العمل في برنامجها النووي منذ عام 2003..؟

بالتأكيد أن هذه الأجهزة لم تعلن التمرد على رئاسة جورج بوش للولايات المتحدة الأميركية..!

وبالتأكيد أن هذه الأجهزة لم تتفق على اصدار تقرير خطير من هذا الطراز دون موافقة الرئيس..!!

وبالتأكيد أن التقرير قدم مادة مفيدة جدا لسياسات الرئيس فسحت له في المجال، استنادا إلى ذات التقرير، لأن يطالب ايران بالكشف عن تفاصيل برنامجها النووي..!

التقرير أعفى بوش من الوقوع في ورطة مماثلة للورطة التي وضع نفسه فيها حين احتل العراق بحجة وجود برامج وتصنيع اسلحة دمار شامل كان العراق ينفي وجودها. فهو منذ الآن يعلن عبر جميع الأجهزة الأمنية الأميركية، أن ايران أوقفت برنامجها النووي العسكري، لكنه يريد فقط معرفة تفاصيل هذا البرنامج، فإن لم تفعل ايران طواعية، فإنه سيكون مضطرا لاتخاذ اجراءات عسكرية وغير عسكرية، من أجل تحقيق هذه المعرفة، لا أكثر..!!

بوش، عبر هذا التقرير، يريد أن يعفي نفسه مقدما من مواجهة اتهامات بالكذب والتضليل، بهدف تبرير مخططات مسبقة، كما فعل في العراق.

ثم إن هذا التقرير ليس منعزلا عن بقية مفردات المشهد العام، ومنها الإعلان بشكل شبه رسمي أن ادارة بوش قررت توجيه ضربة عسكرية لإيران في الربيع المقبل.

في اطار الإستعداد لتوجيه هذه الضربة، شنت اسرائيل حربا على حزب الله في تموز/يوليو من العام الماضي هدفت إلى تقليم أظافر الحزب، والحد من رد فعله العسكري قبل أن يبدأ العدوان الأميركي على ايران.

لا يعقل أن توجه ضربة اميركية لإيران لمصلحة اسرائيل، ثم يترك حزب الله طليقا بكامل قوته، القادرة على توجيه ضربات موجعة لذات الإسرائيل..!

مطلوب أيضا تقليم أظافر حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي قبيل بدء العدوان على ايران، حتى لا تباغتان اسرائيل بسلسلة عمليات عسكرية موجعة.

في اطار التضليل الأميركي أيضا، يأتي الإعلان عن الجولة الشرق اوسطية التي يعتزم بوش القيام بها الآن.

ما الذي يستطيع بوش أن يفعله، ويقدمه للسلام وهو ضيف، ولم يستطع تقديمه وهو مضيف..؟!

ما الذي يستطيع بوش أن يضغط به على الأطراف المعنية بالتسوية السياسية وهو في رام الله، أو في القدس، ولم يستطع أن يضغط به والأطراف المعنية كانت في ضيافته في أنا بوليس..؟!

ما الذي يستطيع بوش أن يفعله الآن، ولم يتمكن من فعله فقط قبل اسبوعين..؟!

المسألة لا تخرج عن نطاق العلاقات العامة، ومحاولة تأكيد بيع وهم السلام للعرب والمسلمين، الذين يرفضون توجيه ضربة اميركية لإيران، لحسابات اقليمية بالغة التعقيد، من أهم مفردات تعقيدها تفعيلات هذ الحرب على عموم دول الإقليم، التي عبر عنها العاهل السعودي بالقول إن مثل هذه الحرب تهدد باندلاع حرب مذهبية في عموم دول الإقليم تمتد لأكثر من مئة عام..!

أما الحديث عن أن تقرير الأجهزة الأمنية الأميركية يؤدي إلى تعطيل اتخاذ قرارات اضافية بمعاقبة ايران اقتصاديا في مجلس الأمن الدولي، فهذا لا يأخذ في الإعتبار حقائق هامة تتعلق بالمخطط الأميركي الذي يستهدف ايران.

الإدارة الأميركية لا تستهدف احتلال ايران، لعدم قدرتها على القاء نفسها في الوحل الإيراني، قبل أن تخرج نفسها من الوحل العراقي، والوحل الأفغاني..إن أقصى ما يمكن لواشنطن فعله هو توجيه ضربة جوية وصاروخية لإيران، تدمر بها المنشآت الإيرانية، بأمل اعطاء فرصة لمعارضة ايرانية تتخيل واشنطن أنها قادرة على اسقاط النظام، غير متعظة من تجربة عدوانين جويين واسعين على العراق لم يؤديا إلى اسقاط نظام الحكم في بغداد، قبل احتلالها سنة 2003.

ومن يخطط لضربات صاروخية وجوية، لا يهمه تأجيل اصدار قرارات بتشديد العقوبات الإقتصادية لعدة أشهر أخرى، ما دامت الحرب لن تقع غدا.

للتذكير ثانية، العدوان على ايران مخطط له أن يبدأ في آذار/مارس المقبل، وهذا معلن بشكل شبه رسمي في واشنطن.

التعليقات