المجمع الفقهي يقر بالإجماع تحريم التورق المعروف بـ«المنتج البديل عن الوديعة لأجل»

المجمع الفقهي يقر بالإجماع تحريم التورق المعروف بـ«المنتج البديل عن الوديعة لأجل»
غزة-دنيا الوطن

أقر المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي بالإجماع، تحريم التورق أو ما يعرف بـ«المنتج البديل عن الوديعة لأجل» والذي تجريه بعض البنوك المحلية والعالمية.

وجاء في قرار المجمع الفقهي أن المرابحة العكسية والتورق العكسي أو مقلوب التورق والاستثمار المباشر والاستثمار بالمرابحة ونحوها من الأسماء المحدثة، وأن الصورة الشائعة لهذا المنتج تقوم على توكيل العميل للمصرف لشراء سلعة محددة، وتسليمها للعميل حاضراً ومن ثم شراء المصرف للسلعة بثمن مؤجل، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه.

وتضمن قرار المجمع الفقهي أن «مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة من 22 ـ 27 (شوال) 1428هـ الذي يوافقه 3 ـ 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 قد نظر في موضوع: (المنتج البديل عن الوديعة لأجل)، والذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر وقدم المجمع عددا من الصور الشائعة التي تقوم على هذا المنتج كتوكيل العميل (المودع ) المصرف في شراء سلعة محددة، وتسليم العميل للمصرف الثمن حاضراً، ثم شراء المصرف للسلعة من العميل بثمن مؤجل، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه. وجاء في البيان أن المجمع الفقهي وبعد الاستماع إلى البحوث والمناقشات المستفيضة حول هذا الموضوع، قرر عدم جواز هذه المعاملة لأن هذه المعاملة مماثلة لمسألة العينة المحرمة شرعاً، من جهة كون السلعة المباعة ليست مقصودة لذاتها، فتأخذ حكمها، خصوصاً أن المصرف يلتزم للعميل بشراء هذه السلعة منه. وأن هذه المعاملة تدخل في مفهوم (التورق المنظم) وقد سبق للمجمع أن قرر تحريم التورق المنظم بقراره الثاني في دورته السابعة عشرة، وما علل به منع التورق المصرفي من علل يوجد في هذه المعاملة. وأن هذه المعاملة تنافي الهدف من التمويل الإسلامي القائم على ربط التمويل بالنشاط الحقيقي، بما يعزز النمو والرخاء الاقتصادي.

ويأتي قرار المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي، ليؤكد ما نشرته «الشرق الأوسط» في الخامس والعشرين من سبتمبر (ايلول) الماضي، على لسان الدكتور حسين حامد حسان رئيس الهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي وعضو العديد من المجالس والمجامع الاقتصادية الإسلامية، أن فقهاء العصر أقروا بالإجماع عدم مشروعية «التورق»، وأن تطبيقاته في البنوك لم تكن دقيقة، وشابها بعض الشبهات التي دفعت العلماء إلى الإجماع على تحريم «التورق المنظم».

وأضاف حسان في حينه أن سبب تحريم «التورق» يعود إلى أنه لا يحتمل الخسارة التي ينطلق منها الاقتصاد الإسلامي في تحمل نسب المخاطرة والخسارة، مؤكدا أن هذا الإجماع على التحريم يدعمه قرار من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وهو أحد أعضاء مجلسها الشرعي. غير أن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومقرها البحرين، نفت أن تكون قد أصدرت قرارا بتحريم التورق، أو أن يكون أحد من أعضاء مجلسها الشرعي أصدر مثل هذا الحكم على وجه الإطلاق، مؤكدة أن معيار «التورق» الذي أصدرته الهيئة كأحد معاييرها الشرعية ينظم عملية «التورق» ويجيزها بشروطها وضوابطها التي اتفق عليها أعضاء المجلس الشرعي الخاص بهيئة المحاسبة والمراجعة.

وعلى ضوء ذلك، أصدر الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء في السعودية وعضو الهيئة الشرعية في معظم البنوك المحلية والدولية، الدكتور حسان بتعريف التورق المصرفي المنظم الذي صدرت بمنعه القرارات الشرعية. وأشار الشيخ المنيع في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه ونشرته في وقته، إلى أن رؤيته بالتحريم، يقصد الدكتور حسان، أثارت الكثير من التساؤلات وغموض المفهوم وبلبلة الأفكار عن «التورق» وهل هو محرم مطلقا أو أن التحريم يتناول صورا من تطبيقه، متطرقا إلى أن الدكتور حسان أحد القائمين على توجيه المصرفية الإسلامية على ما يتفق على المقتضيات الشرعية. وقال المنيع: لا يخفى أن أصل «التورق» قد أجازه جمهور أهل العلم من المذاهب الفقهية المتعددة إذا كان مستكملا لشروط البيع وأركانه وكانت منتفية عنه موانع صحته، مبينا أنه صدرت بإجازة «التورق» قرارات المجامع الفقهية ومنها «مجمع الفقه الإسلامي» التابع لرابطة العالم الإسلامي وقرارات الهيئات الشرعية، جميعها معتمد على ما ذكره جمع من علماء المسلمين في القديم والحديث عن صحته وإجازة الأخذ به. وهنا يكون قرار المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة عشرة الأخيرة، قد نفذ كلام الشيخ المنيع، وأكد صحة ما ذهب إليه الدكتور حسين حامد حسان من صحة تحريم «التورق»، خاصة أن الجلسة الخامسة للمجمع الفقهي الإسلامي شهدت مناقشات ساخنة حول قضية الصور الحديثة البديلة للوديعة لأجل المعروفة بـ«التورق».

وأثار الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع خلال الجلسة حفيظة بعض الفقهاء عندما طرح ورقته وقال بالنص «لا يظهر لي مانع شرعي أن يوكل العميل البنك في شراء السلعة له ثم بعد ذلك يتولى العميل مباشرة بيعها على المصرف»، مضيفا «مما يؤكد جواز ذلك أن البنك له مزيد دراية وخبرة بالسلع التي يفضلها على غيرها باعتبارها أكثر إنفاقا وأقل خسارة في حال بيعها».

واعترض أكثر الفقهاء من الحضور على هذه الآراء واعتبرها البعض أنها زلة قدم قد يجر إلى صبغ بعض المعاملات الربوية بالصيغة الإسلامية أو الشرعية وهذا خطر عظيم.

غير أن الشيخ المنيع حاول إقناع بعض الفقهاء بآرائه لكن كان الرد عليه قويا ولم يترك له مجال، ما جعله يغضب ويخرج من القاعة قبل انتهاء طرح الأوراق والآراء الأخرى، وسرعان ما عاد للتأكيد في بيان وزعه على الصحف بأن خروجه من الجلسة غاضبا كان لظرف خاص لم يوضحه.

وشمل بيان التقدير لجهود المصارف الإسلامية في رفع بلوى الربا عن الأمة الإسلامية، وأنه يجب التأكيد على أهمية التطبيق الصحيح للمعاملات المشروعة والابتعاد عن المعاملات المشبوهة أو الصورية التي تؤدي إلى الربا المحرم.

وأوصى المجمع الفقهي بضرورة أن تحرص المصارف والمؤسسات المالية على تجنب الربا بكافة صوره وأشكاله، والتأكيد على دور المجامع الفقهية، والهيئات العلمية المستقلة، في ترشيد وتوجيه مسيرة المصارف الإسلامية، لتحقيق مقاصد وأهداف الاقتصادي الإسلامي. كما شملت التوصيات بإيجاد هيئة عليا في البنك المركزي في كل دولة إسلامية، مستقلة عن المصارف التجارية، تتكون من العلماء الشرعيين والخبراء الماليين، لتكون مرجعاً للمصارف الإسلامية، والتأكد من أعمالها وفق الشريعة الإسلامية.

وكان الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للسعودية قد تطرق في بحث قدمه أمام المجمع في دورته الأخيرة، إلى موضوع «المنتج البديل للوديعة لأجل».

وقال المفتي إن الوديعة لأجل معاملة عرفت في البنوك التجارية، وهي نوع من أنواع الودائع في البنوك، وأن الودائع المصرفية بأنواعها تعتبر موردا رئيسيا لتمويل البنوك، لهذا نجد أن البنوك تسعى بكل جهد لاستقطاب العملاء وتوسيع دائرتهم.

وأضاف المفتي أن الناظر في هذا العقد يجد أنه بعيدا عن الوديعة في الشريعة، لأنه يتضمن أمورا من أهمها: أن البنك وهو المودَع ضامن للمال بكل حال، وأنه لا يتعين عليه رد عين المال، بل المعروف أنه يرد مثله، وأن البنك له الحق في التصرف بالمال.

وبين آل الشيخ في بحثه أن هذا كله يخالف كونه وديعة، وأقرب ما يكون هذا العقد أنه «قرض»، وأن الفائدة المأخوذة عليه في الحقيقة ربا، وأن تسميتها وديعة لا يخرجها عن كونها قرضا، فإن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، مشيرا إلى أن هذه الودائع هي من جملة الموارد المهمة للبنوك، وأن هذا سبب اهتمام المصارف الإسلامية بهذا النوع من الودائع ومحاولة إيجاد بدائل شرعية له.

وقال إن ملاحظاته ما يتعارف على المصرفية الإسلامية العناية بضبط المصطلحات، واختيار الألفاظ الشرعية التي تنطبق عليها أحكامها، مثل تسمية البنوك بالمصارف الإسلامية وأن هذا فيه تحجير كبير لما وسعه الله.

وتضمنت ملاحظات المفتي أن المصرفية الإسلامية يلاحظ على مسيرتها أنها قامت ابتداءً لمحاربة الربا الذي فشا في الأمة من خلال البنوك التجارية ثم تطورت مسيرتها حتى دخلت في المعاملات البنكية التقليدية لتصحيح مسارها وتنقيتها من الربا وتوقفت عند هذا الحد.

التعليقات