العراق: سلطان هاشم المحكوم بالإعدام يفجّر صراعات الأجنحة
غزة-دنيا الوطن
على مسافة غامضة من مقصلة منصوبة منذ اشهر لإعدام وزير الدفاع العراقي الأسبق سلطان هاشم ومجموعة من زملائه، يتسمر المشهد العراقي في جدل يتخذ بعداً قانونياً ودستورياً ويبحث في الصلاحيات والأولويات وينحدر مضمونه من صراع سياسي مرير وخطير يتجاوز هاشم الى الأزمة العراقية المتأصلة.
ولم يعد التساؤل إن كان وزير الدفاع العراقي الأسبق، سيعدم بتهمة ارتكاب مجازر «الانفال» ام لا، رئيسياً في دلالة قضيته ونتائجها، بل ان التساؤل الأخطر اليوم يذهب الى الأسس السياسية التي تؤطر مثل هذا القرار.
ولعل مؤيدي تنفيذ حكم الإعدام يتفقون ضمناً مع معارضيهم على ان ما يجري اليوم في العراق من تهديدات واتهامات وتفسيرات حول القضية لايمت بصلة قريبة او بعيدة الى الحرص على تطبيق القانون ونزاهة القضاء، كما انه لايعبر واقعاً عن نظرية «الاقتصاص لضحايا النظام السابق» مثلما لاينتمي الى رفض قادة سياسيين مبدأ الإعدام عموماً او لتاريخ الرجل الناصع من جهة او»عمالته» للاستخبارات الاميركية كما يدعي الأميركيون من جهة اخرى.
اولاً: يجب توصيف النطاق السياسي الذي اتخذ من خلاله قرار الإعدام بحق كبار ضباط الجيش العراقي من خلال التأكيد على أن القرار بقياساته العراقية يفتح المجال لزمن طويل مقبل من التسويات السياسية بالاستناد الى سابقة اعدام ضباط الجيش العراقي السابق، لانه في مجمله يلغي امكانات التمييز بين اصحاب القرار ومنفذيه ويطرح مستويات مفضوحة للتصنيف على اسس سياسية وربما طائفية وعرقية بين مئات الحالات المشابهة عراقياً، ناهيك عن انه سيحدث سابقة تتسبب بزج مئات المسؤولين والمنفذين العسكريين لجرائم ارتكبت في مرحلة الاحتلال في نطاق انتقامات قانونية مقابلة لايتوقع ان تنتهي قبل زمن طويل.
وكان المفهوم الذي تأسست بالاستناد اليه المحاكم الجنائية بأمر من الحاكم المدني الأميركي بول بريمر عام 2003 تعرض لطعون قانونية وسياسية مسهبة كما تم الدفاع عنها في شكل قانوني وسياسي باسهاب ما يلغي اهمية اعادة التذكير بالخلاف حول اصل محاكمات النظام السابق وقانونيتها والترتيبات السياسية التي ستنشأ بالاستناد اليها.
لكن الدلالات السياسية التي تفجرت أخيراً على خلفية تنفيذ حكم الإعدام بحق سلطان هاشم تركز على جدلية تعكس ارتباكاً واضحاً في النسيج السياسي والقانوني العراقي عندما يتنازع مجلس رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء على احقية اي منهما في تنفيذ حكم الإعدام او الغائه.
ويقود نائب رئيس الجمهورية السني طارق الهاشمي معركة الصلاحيات امام رئيس الوزراء نوري المالكي فيستند الأول على قرار المحكمة الدستورية حول عدم امكان تنفيذ احكام الإعدام من دون صدور مرسوم جمهوري موقع من رئيس الجمهورية فيما يذهب الثاني تسانده مجموعة مستشارين قانونيين في مجلس الوزراء الى أن قرار الإعدام الصادر من السلطة القضائية واكتسب الدرجة القطعية لايمكن إيقافه بقرار من السلطة التنفيذية المسؤولة فقط عن تنفيذ هذا القرار.
والواقع أن كلا التفسيرين يحمل اسانيد في اشكال الحكم في المنطقة والعالم وان كان الثاني مغرق في مثالية سياسية تفصل تماماً بين السلطات الى حد لم تصل اليه اكثر التجارب الديمقراطية تطوراً خصوصاً في ظرف تاريخي كالذي تتعرض له البلاد.
والازمة تتخذ طابعاً معقداً على رغم محاولات احتوائها توافقيا وتداخل اطراف سياسية بل ودينية، ويكفي التأكيد القانوني على ان اعتماد رؤية المالكي لصلاحياته في تنفيذ احكام الإعدام بمعزل عن «فيتو» هيئة الرئاسة سيفقد هذه الأخيرة صلاحياتها وسيدخل العراق في دوامة جديدة من التنازع قبل أن يدق اسفيناً اخيراً في نعش المصالحة.
لكن الخيار الآخر ليس اقل خطورة خصوصاً انه سيفتح الباب للتشكيك في الاساس الدستوري الذي تم بالاستناد اليه تنفيذ عشرات من احكام الإعدام منذ بداية الاحتلال وخصوصاً احكام المحكمة الجنائية العليا في ما يتعلق بقضية الدجيل والتي اعدم استنادا الى قراراتها الرئيس العراقي السابق صدام حسين وعدد من مساعديه من دون الحاجة الى مرسوم جمهوري في ظل تلاسن حول الملابسات التي رافقتها.
وقبل كل ذلك يرتبط الجدل الأخير بخلل منهجي ترافق مع اولى القرارات المصيرية التي اتخذت أبان حقبة بريمر من دون نقاش مطول حول شكل الحكم ومرجعيات السلطة التنفيذية وكذلك حدود السلطات وابعادها وادوارها.
وهنا تجدر الإشارة الى ان شكل الحكم في العراق تم تحديده رسمياً بقرار اميركي عبر تشكيل حكومة رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي ورئيس الجمهورية السابق غازي عجيل الياور باسلوب النظام البرلماني المهجن بتوافقية طائفية، وقيل يومها ان شكل الحكم هذا هو الامثل لقيادة العراق بعد نصف قرن من النظام الرئاسي.
وعلى رغم تمرير القضية في الدستور العراقي فإن سياسيين عراقيين عايشوا مرحلة كتابة الدستور كانوا اقترحوا كتابة نصين دستوريين احدهما يستند الى فلسفة النظام الرئاسي والاخر برلماني، وطرحهما على الاستفتاء لضمان الاحتفاظ بثوابت المرحلة الجديدة، خصوصاً ان قرار تحديد شكل الحكم يعد مصيرياً ولا يمكن تمريره على الجماهير من دون طرح الخيارات الاخرى.
ويذكر مطلعون ان الموضوع كان يبدو وكأنه الوحيد من بين كل تدابير ما بعد الاحتلال قد حسم أميركياً قبل الشروع في الغزو.
ولا يعرف بالضبط ماهي التفسيرات الاميركية للتمسك بهذا الخيار سوى امكانية السيطرة على مفاصل الدولة، لكن دوافع جهات سياسية عراقية في قمة هرم السلطة اليوم وكانت قبيل الاحتلال جزءاً من المعارضة يمكن قراءتها استناداً الى تصريحات زعماء الاحزاب الرئيسية حول اقرارهم شكل الحكم منذ مطلع التسعينات قبل ان يقنعوا الاميركيين به.
ويرى البعض ان الطبقة السياسية العراقية الحالية القادمة من منافي الاوروبية عموما تأثرت بشكل الحكم هناك، فيما يعتقد اخرون ان هذا النظام يضمن تطبيقاً اكثر يسراً للنظام الفيدرالي على رغم ان هذه النظرية تبدو ساذجة لجهة تبني دول فيدرالية كالولايات المتحدة شكل الحكم الرئاسي.
ويبدو ان فكرتين أساسيتين تخللتا خيار النظام البرلماني فهو يمنع من جهة شخصنة السلطة لكنه يضمنها مفككة وضعيفة تمنح الاقاليم سلطة المركز وصولاً الى فتح منافذ للتقسيم، فيما تذهب الفكرة الأخرى الى ان شكل الحكم الحالي الوحيد الذي يقبل القسمة على الرقم 3 نسبة الى الطوائف العراقية الثلاث الرئيسة (السنة والشيعة والاكراد) كونه يطرح ثلاث مرجعيات سياسية هي رئيس البرلمان ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية تطورالى تقسيم كل جهة منها الى ثلاث نوافذ طائفية سنية وشيعية وكردية في توليفة سلطوية غير مسبوقة في من يحل معضلة قابلة للتفجر في الطرف الكردي.
لكن الجدل الأكثر غياباً عن ساحة النقاش كان جمع رئيس الجمهورية برئيس الوزراء في خيار انتخابي واحد وعبر التمثيل النيابي من دون الاقرار بأحد الشروط الجوهرية للنظام البرلماني التقليدي الذي يفصل انتخابات رئيس الجمهورية عن الانتخابات البرلمانية.
وكثيراً ما ذكر ان الطبخة السياسية التي انتجت شكل الحكم في العراق قد اغرقت بالنيات الطائفية المسبقة وتجاوزت شكل الحكم في لبنان الذي يحدد مسبقاً الهوية الطائفية والدينية لمنافذ السلطة.
وبالعودة الى تنازع الصلاحيات اليوم فإن الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني الذي كان توليه المنصب قد شكل حلاً لصراع سلطات داخل اقليم كردستان اتخذ احياناً طابعاً دموياً مع غريمه التقليدي مسعود برزاني سبق ورفض تجديد ولايته الا بإخراج منصب رئيس الجمهورية من طابعه «التشريفي» وزجه في صياغة القرار السياسي للدولة.
كما ان الأطراف السنية التي خسرت منصب رئاسة الجمهورية مع اولى الانتخابات التشريعية التي قاطعتها ادرجت قضية دعم صلاحيات رئيس الجمهورية امام رئيس الوزراء ضمن النقاط الأكثر سخونة في ملف التعديلات الدستورية المعلقة منذ اشهر.
وذكر تقرير رسمي عن لجنة تعديل الدستور ان قضية صلاحيات الرئيس تخضع لتجاذبات حادة بين الأطراف اسوة بموضوع صلاحيات الأقاليم والمحافظات وتقسيم الثروات.
وترتفع حدة الجدل حين تكشف تسريبات سياسية عن توافق سني اميركي يمنح نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي صلاحيات استثنائية في هيئة الرئاسة تمهيداً لإعادة منصب رئيس الجمهورية الى السنة في الجولة الانتخابية المقبلة.
والهاشمي وضع بالفعل حق النقض امام العديد من القوانين اقرت في البرلمان العراقي فيما احال قوانين اخرى الى اللجان القانونية لإعادة دراستها ما دفع سامي العسكري احد مستشاري المالكي الى اتهام الهاشمي أخيراً بـ «الدكتاتورية» في التعامل مع قرارات مجلس النواب وطلبت منه جبهة التوافق السنية في المقابل سحب اتهامه.
في اتجاه آخر تبدو معادلات مقصلة سلطان هاشم شديدة الغرابة، فيقف اكراد العراق يتقدمهم الطالباني والذين تعنيهم قضية «الانفال» اكثر من غيرهم في صف التسامح مع الرجل وزملائه من الضباط، فيما تدافع الأطراف الشيعية المؤثرة وفي مقدمتها «المجلس الأعلى» و «حزب الدعوة» عن الإعدام وتطالب بالإسراع في تنفيذه.
البعض يحاول تفسير تلك المواقف في ضوء رغبة أميركية صريحة في دعم الطروحات الأقل تشدداً تجاه القضية ورغبة ايرانية لاتقل صراحة للاقتصاص من رموز حرب السنوات الثماني القاسية والمهينة.
القائد العسكري الأميركي الأعلى في العراق ديفيد باتريوس اكثر حماسة من غيره لإطلاق سلطان هاشم، وعلى رغم تأكيده في تصريحات صحافية سابقة أنه لم يقدم الى وزير الدفاع العراقي اية وعود حول اطلاق سراحه مقابل تسليم نفسه طوعا عام 2003، وكان باتريوس حينها آمراً على القوات الاميركية المتمركزة في الموصل، الا ان عائلة هاشم تكشف نقيض ذلك.
وتنص رسالة عرضتها عائلة الرجل أخيراً أمام وسائل الإعلام عن وعود صريحة قدمها باتريوس مقابل التسليم الطوعي تخللتها جمل طويلة من التقدير لشخصية وزير الدفاع العراقي ومهنيته العسكرية وتاريخه المشرف.
في مقابل ذلك لايتردد كثيرون من العراقيين في تأكيد اجندة انتقامية ايرانية تقف ليس فقط خلف الإصرار على اعدام ضباط الجيش العراقي السابق ودفع الأطراف الموالية لها الى الدفاع عن هذا الخيار بل والدفع نحو حملة تصفيات خطيرة طاولت على امتداد الأعوام السابقة كبار الضباط حتى المتقاعدين منهم وخصت طياري القوة الجوية العراقية، فحملت فرق موت متنقلة قوائم طويلة بأسمائهم في شوارع بغداد ونجحت في اصطياد العشرات في ظروف ستظل غامضة الى أجل طويل.
قضية سلطان هاشم المعلقة منذ نحو شهرين ترتبط جدياً بأي تقدم مأمول في جهود المصالحة فالطيف الأكبر من ضباط الجيش العراقي السابق يشكلو عماد الجماعات المسلحة والتنظيمات السياسية بل والأمنية اليوم ويعتبرون هاشم رمزاً وطنياً وعسكرياً وخطاً احمر سيكون تجاوزه اكثر خطورة من اعدام صدام حسين.
كما ان حيزاً عشائرياً عراقياً واسعاً يدعم قبيلة طي ذات التنوع السني والشيعي والامتدادات الجغرافية من البصرة جنوباً الى الموصل شمالاً في مطالبتها بانقاذ وزير الدفاع السابق الذي يعد واجهة مهمة للقبيلة.
قوى ومرجعيات دينية مهمة، بينها هيئة علماء المسلمين ومرجعية السيستاني، وطلبت صراحة او عبر تسريبات من مقربين منها التريث في تنفيذ الحكم تمهيداً لإلغائه.
والأهم من ذلك ان مزاجاً شعبياً محلياً لم يعد يحتمل استعراضات انتقامية لأحزاب السلطة يجد صداه في ازمة أمنية وطائفية مستعصية ومتراكمة يدفع الأهالي العاديون لا الحزبيون ثمنها الحقيقي، ما يبرر نزوعاً شعبياً حادا نحو تبني نظرية التعايش.
والخلاصة أن قضية الإعدامات لضباط الجيش العراقي يتقدمهم سلطان هاشم ستكون باهظة في تداعياتها ويفترض التعامل معها بحذر بعيداً عن السياسات الانتقامية والاقصائية تجنباً لتحولها الى مرض جديد في جسد عراقي فاقد للمناعة.
على مسافة غامضة من مقصلة منصوبة منذ اشهر لإعدام وزير الدفاع العراقي الأسبق سلطان هاشم ومجموعة من زملائه، يتسمر المشهد العراقي في جدل يتخذ بعداً قانونياً ودستورياً ويبحث في الصلاحيات والأولويات وينحدر مضمونه من صراع سياسي مرير وخطير يتجاوز هاشم الى الأزمة العراقية المتأصلة.
ولم يعد التساؤل إن كان وزير الدفاع العراقي الأسبق، سيعدم بتهمة ارتكاب مجازر «الانفال» ام لا، رئيسياً في دلالة قضيته ونتائجها، بل ان التساؤل الأخطر اليوم يذهب الى الأسس السياسية التي تؤطر مثل هذا القرار.
ولعل مؤيدي تنفيذ حكم الإعدام يتفقون ضمناً مع معارضيهم على ان ما يجري اليوم في العراق من تهديدات واتهامات وتفسيرات حول القضية لايمت بصلة قريبة او بعيدة الى الحرص على تطبيق القانون ونزاهة القضاء، كما انه لايعبر واقعاً عن نظرية «الاقتصاص لضحايا النظام السابق» مثلما لاينتمي الى رفض قادة سياسيين مبدأ الإعدام عموماً او لتاريخ الرجل الناصع من جهة او»عمالته» للاستخبارات الاميركية كما يدعي الأميركيون من جهة اخرى.
اولاً: يجب توصيف النطاق السياسي الذي اتخذ من خلاله قرار الإعدام بحق كبار ضباط الجيش العراقي من خلال التأكيد على أن القرار بقياساته العراقية يفتح المجال لزمن طويل مقبل من التسويات السياسية بالاستناد الى سابقة اعدام ضباط الجيش العراقي السابق، لانه في مجمله يلغي امكانات التمييز بين اصحاب القرار ومنفذيه ويطرح مستويات مفضوحة للتصنيف على اسس سياسية وربما طائفية وعرقية بين مئات الحالات المشابهة عراقياً، ناهيك عن انه سيحدث سابقة تتسبب بزج مئات المسؤولين والمنفذين العسكريين لجرائم ارتكبت في مرحلة الاحتلال في نطاق انتقامات قانونية مقابلة لايتوقع ان تنتهي قبل زمن طويل.
وكان المفهوم الذي تأسست بالاستناد اليه المحاكم الجنائية بأمر من الحاكم المدني الأميركي بول بريمر عام 2003 تعرض لطعون قانونية وسياسية مسهبة كما تم الدفاع عنها في شكل قانوني وسياسي باسهاب ما يلغي اهمية اعادة التذكير بالخلاف حول اصل محاكمات النظام السابق وقانونيتها والترتيبات السياسية التي ستنشأ بالاستناد اليها.
لكن الدلالات السياسية التي تفجرت أخيراً على خلفية تنفيذ حكم الإعدام بحق سلطان هاشم تركز على جدلية تعكس ارتباكاً واضحاً في النسيج السياسي والقانوني العراقي عندما يتنازع مجلس رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء على احقية اي منهما في تنفيذ حكم الإعدام او الغائه.
ويقود نائب رئيس الجمهورية السني طارق الهاشمي معركة الصلاحيات امام رئيس الوزراء نوري المالكي فيستند الأول على قرار المحكمة الدستورية حول عدم امكان تنفيذ احكام الإعدام من دون صدور مرسوم جمهوري موقع من رئيس الجمهورية فيما يذهب الثاني تسانده مجموعة مستشارين قانونيين في مجلس الوزراء الى أن قرار الإعدام الصادر من السلطة القضائية واكتسب الدرجة القطعية لايمكن إيقافه بقرار من السلطة التنفيذية المسؤولة فقط عن تنفيذ هذا القرار.
والواقع أن كلا التفسيرين يحمل اسانيد في اشكال الحكم في المنطقة والعالم وان كان الثاني مغرق في مثالية سياسية تفصل تماماً بين السلطات الى حد لم تصل اليه اكثر التجارب الديمقراطية تطوراً خصوصاً في ظرف تاريخي كالذي تتعرض له البلاد.
والازمة تتخذ طابعاً معقداً على رغم محاولات احتوائها توافقيا وتداخل اطراف سياسية بل ودينية، ويكفي التأكيد القانوني على ان اعتماد رؤية المالكي لصلاحياته في تنفيذ احكام الإعدام بمعزل عن «فيتو» هيئة الرئاسة سيفقد هذه الأخيرة صلاحياتها وسيدخل العراق في دوامة جديدة من التنازع قبل أن يدق اسفيناً اخيراً في نعش المصالحة.
لكن الخيار الآخر ليس اقل خطورة خصوصاً انه سيفتح الباب للتشكيك في الاساس الدستوري الذي تم بالاستناد اليه تنفيذ عشرات من احكام الإعدام منذ بداية الاحتلال وخصوصاً احكام المحكمة الجنائية العليا في ما يتعلق بقضية الدجيل والتي اعدم استنادا الى قراراتها الرئيس العراقي السابق صدام حسين وعدد من مساعديه من دون الحاجة الى مرسوم جمهوري في ظل تلاسن حول الملابسات التي رافقتها.
وقبل كل ذلك يرتبط الجدل الأخير بخلل منهجي ترافق مع اولى القرارات المصيرية التي اتخذت أبان حقبة بريمر من دون نقاش مطول حول شكل الحكم ومرجعيات السلطة التنفيذية وكذلك حدود السلطات وابعادها وادوارها.
وهنا تجدر الإشارة الى ان شكل الحكم في العراق تم تحديده رسمياً بقرار اميركي عبر تشكيل حكومة رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي ورئيس الجمهورية السابق غازي عجيل الياور باسلوب النظام البرلماني المهجن بتوافقية طائفية، وقيل يومها ان شكل الحكم هذا هو الامثل لقيادة العراق بعد نصف قرن من النظام الرئاسي.
وعلى رغم تمرير القضية في الدستور العراقي فإن سياسيين عراقيين عايشوا مرحلة كتابة الدستور كانوا اقترحوا كتابة نصين دستوريين احدهما يستند الى فلسفة النظام الرئاسي والاخر برلماني، وطرحهما على الاستفتاء لضمان الاحتفاظ بثوابت المرحلة الجديدة، خصوصاً ان قرار تحديد شكل الحكم يعد مصيرياً ولا يمكن تمريره على الجماهير من دون طرح الخيارات الاخرى.
ويذكر مطلعون ان الموضوع كان يبدو وكأنه الوحيد من بين كل تدابير ما بعد الاحتلال قد حسم أميركياً قبل الشروع في الغزو.
ولا يعرف بالضبط ماهي التفسيرات الاميركية للتمسك بهذا الخيار سوى امكانية السيطرة على مفاصل الدولة، لكن دوافع جهات سياسية عراقية في قمة هرم السلطة اليوم وكانت قبيل الاحتلال جزءاً من المعارضة يمكن قراءتها استناداً الى تصريحات زعماء الاحزاب الرئيسية حول اقرارهم شكل الحكم منذ مطلع التسعينات قبل ان يقنعوا الاميركيين به.
ويرى البعض ان الطبقة السياسية العراقية الحالية القادمة من منافي الاوروبية عموما تأثرت بشكل الحكم هناك، فيما يعتقد اخرون ان هذا النظام يضمن تطبيقاً اكثر يسراً للنظام الفيدرالي على رغم ان هذه النظرية تبدو ساذجة لجهة تبني دول فيدرالية كالولايات المتحدة شكل الحكم الرئاسي.
ويبدو ان فكرتين أساسيتين تخللتا خيار النظام البرلماني فهو يمنع من جهة شخصنة السلطة لكنه يضمنها مفككة وضعيفة تمنح الاقاليم سلطة المركز وصولاً الى فتح منافذ للتقسيم، فيما تذهب الفكرة الأخرى الى ان شكل الحكم الحالي الوحيد الذي يقبل القسمة على الرقم 3 نسبة الى الطوائف العراقية الثلاث الرئيسة (السنة والشيعة والاكراد) كونه يطرح ثلاث مرجعيات سياسية هي رئيس البرلمان ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية تطورالى تقسيم كل جهة منها الى ثلاث نوافذ طائفية سنية وشيعية وكردية في توليفة سلطوية غير مسبوقة في من يحل معضلة قابلة للتفجر في الطرف الكردي.
لكن الجدل الأكثر غياباً عن ساحة النقاش كان جمع رئيس الجمهورية برئيس الوزراء في خيار انتخابي واحد وعبر التمثيل النيابي من دون الاقرار بأحد الشروط الجوهرية للنظام البرلماني التقليدي الذي يفصل انتخابات رئيس الجمهورية عن الانتخابات البرلمانية.
وكثيراً ما ذكر ان الطبخة السياسية التي انتجت شكل الحكم في العراق قد اغرقت بالنيات الطائفية المسبقة وتجاوزت شكل الحكم في لبنان الذي يحدد مسبقاً الهوية الطائفية والدينية لمنافذ السلطة.
وبالعودة الى تنازع الصلاحيات اليوم فإن الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني الذي كان توليه المنصب قد شكل حلاً لصراع سلطات داخل اقليم كردستان اتخذ احياناً طابعاً دموياً مع غريمه التقليدي مسعود برزاني سبق ورفض تجديد ولايته الا بإخراج منصب رئيس الجمهورية من طابعه «التشريفي» وزجه في صياغة القرار السياسي للدولة.
كما ان الأطراف السنية التي خسرت منصب رئاسة الجمهورية مع اولى الانتخابات التشريعية التي قاطعتها ادرجت قضية دعم صلاحيات رئيس الجمهورية امام رئيس الوزراء ضمن النقاط الأكثر سخونة في ملف التعديلات الدستورية المعلقة منذ اشهر.
وذكر تقرير رسمي عن لجنة تعديل الدستور ان قضية صلاحيات الرئيس تخضع لتجاذبات حادة بين الأطراف اسوة بموضوع صلاحيات الأقاليم والمحافظات وتقسيم الثروات.
وترتفع حدة الجدل حين تكشف تسريبات سياسية عن توافق سني اميركي يمنح نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي صلاحيات استثنائية في هيئة الرئاسة تمهيداً لإعادة منصب رئيس الجمهورية الى السنة في الجولة الانتخابية المقبلة.
والهاشمي وضع بالفعل حق النقض امام العديد من القوانين اقرت في البرلمان العراقي فيما احال قوانين اخرى الى اللجان القانونية لإعادة دراستها ما دفع سامي العسكري احد مستشاري المالكي الى اتهام الهاشمي أخيراً بـ «الدكتاتورية» في التعامل مع قرارات مجلس النواب وطلبت منه جبهة التوافق السنية في المقابل سحب اتهامه.
في اتجاه آخر تبدو معادلات مقصلة سلطان هاشم شديدة الغرابة، فيقف اكراد العراق يتقدمهم الطالباني والذين تعنيهم قضية «الانفال» اكثر من غيرهم في صف التسامح مع الرجل وزملائه من الضباط، فيما تدافع الأطراف الشيعية المؤثرة وفي مقدمتها «المجلس الأعلى» و «حزب الدعوة» عن الإعدام وتطالب بالإسراع في تنفيذه.
البعض يحاول تفسير تلك المواقف في ضوء رغبة أميركية صريحة في دعم الطروحات الأقل تشدداً تجاه القضية ورغبة ايرانية لاتقل صراحة للاقتصاص من رموز حرب السنوات الثماني القاسية والمهينة.
القائد العسكري الأميركي الأعلى في العراق ديفيد باتريوس اكثر حماسة من غيره لإطلاق سلطان هاشم، وعلى رغم تأكيده في تصريحات صحافية سابقة أنه لم يقدم الى وزير الدفاع العراقي اية وعود حول اطلاق سراحه مقابل تسليم نفسه طوعا عام 2003، وكان باتريوس حينها آمراً على القوات الاميركية المتمركزة في الموصل، الا ان عائلة هاشم تكشف نقيض ذلك.
وتنص رسالة عرضتها عائلة الرجل أخيراً أمام وسائل الإعلام عن وعود صريحة قدمها باتريوس مقابل التسليم الطوعي تخللتها جمل طويلة من التقدير لشخصية وزير الدفاع العراقي ومهنيته العسكرية وتاريخه المشرف.
في مقابل ذلك لايتردد كثيرون من العراقيين في تأكيد اجندة انتقامية ايرانية تقف ليس فقط خلف الإصرار على اعدام ضباط الجيش العراقي السابق ودفع الأطراف الموالية لها الى الدفاع عن هذا الخيار بل والدفع نحو حملة تصفيات خطيرة طاولت على امتداد الأعوام السابقة كبار الضباط حتى المتقاعدين منهم وخصت طياري القوة الجوية العراقية، فحملت فرق موت متنقلة قوائم طويلة بأسمائهم في شوارع بغداد ونجحت في اصطياد العشرات في ظروف ستظل غامضة الى أجل طويل.
قضية سلطان هاشم المعلقة منذ نحو شهرين ترتبط جدياً بأي تقدم مأمول في جهود المصالحة فالطيف الأكبر من ضباط الجيش العراقي السابق يشكلو عماد الجماعات المسلحة والتنظيمات السياسية بل والأمنية اليوم ويعتبرون هاشم رمزاً وطنياً وعسكرياً وخطاً احمر سيكون تجاوزه اكثر خطورة من اعدام صدام حسين.
كما ان حيزاً عشائرياً عراقياً واسعاً يدعم قبيلة طي ذات التنوع السني والشيعي والامتدادات الجغرافية من البصرة جنوباً الى الموصل شمالاً في مطالبتها بانقاذ وزير الدفاع السابق الذي يعد واجهة مهمة للقبيلة.
قوى ومرجعيات دينية مهمة، بينها هيئة علماء المسلمين ومرجعية السيستاني، وطلبت صراحة او عبر تسريبات من مقربين منها التريث في تنفيذ الحكم تمهيداً لإلغائه.
والأهم من ذلك ان مزاجاً شعبياً محلياً لم يعد يحتمل استعراضات انتقامية لأحزاب السلطة يجد صداه في ازمة أمنية وطائفية مستعصية ومتراكمة يدفع الأهالي العاديون لا الحزبيون ثمنها الحقيقي، ما يبرر نزوعاً شعبياً حادا نحو تبني نظرية التعايش.
والخلاصة أن قضية الإعدامات لضباط الجيش العراقي يتقدمهم سلطان هاشم ستكون باهظة في تداعياتها ويفترض التعامل معها بحذر بعيداً عن السياسات الانتقامية والاقصائية تجنباً لتحولها الى مرض جديد في جسد عراقي فاقد للمناعة.

التعليقات