عاجل

  • وكالة مهر الإيرانية: الدفاعات الجوية في طهران تتصدى لأهداف معادية

  • قوات الاحتلال الإسرائيلي تنسف أحياء في بلدة عيتا الشعب جنوبي لبنان

  • وسائل إعلام إسرائيلية: بلاغات عن سقوط ذخيرة أو شظايا في بيتاح تكفا شرق تل أبيب إثر هجوم صاروخي

  • وسائل إعلام إسرائيلية: دوي انفجارات في تل أبيب الكبرى إثر هجوم صاروخي من إيران

مشاهد من المنطقة الخضراء: قائمة ممنوعات طويلة ضمنها عدم التحدث للاجانب العراقيين

بغداد-دنيا الوطن- سلام مسافر


الآن وقد اصبحت، خارج دائرة الخطر، فقد بات يمكن نقل ما روته لنا السيدة لادا (ونتحفظ علي اسم العائلة) من مشاهد وأحداث عاشتها في المنطقة الخضراء ببغداد.

فقد انتهي العقد مع الشركة الامريكية نهاية ايلول (سبتمبر)، وعادت الموظفة الأممية الي وطنها، مخلفة في العاصمة العراقية، ذكريات، تدمي عينيها الساحرتين، وتضفي علي محياها بهاءً. تتلعثم حين تتحدث عن آلام عراقيات يخدمن في مرافق السفارة الامريكية، التي استوطنت قصراً رئاسياً في المنطقة الخضراء مع الخدن والعملاء.

كان ذلك بعد يوم من الحادث المدوي في العاصمة العراقية المحتلة، حين سقطت علي مسافة بضعة أمتار قذيفة أجبرت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، علي الاختفاء تحت الطاولة، أثناء مؤتمر صحافي مع رئيس حكومة الاحتلال الرابعة العميل نوري المالكي، الذي طمأن الضيف الأممي، بأن تساقط القذائف علي المنطقة أمر عادي . وكان الأمين العام المرتجف هلعاً، انتهي للتو من افادته بأنه سعيد لأن الأوضاع الأمنية في العراق تتحسن . كشفت لادا عن صف لامع من الأسنان، متبسمة، حين ألقت مضيفة الطائرة المتجهة من عمان الي موسكو، درزينة من الصحف الأردنية تحمل جميعها علي الصفحة الأولي صورة بان كي مون المذعور. والتفتت نحوي بصوت خفيض كنت قريبة جداً من سقوط القذيفة !

لم تكتشف السيدة لادا، أن رفيقها علي متن الطائرة، صحافي من مواليد العراق، الا بعد أن سردت، جانباً من مشاهدات، عاشتها، خلال تسعة شهور، متعاقدة مع شركة حسابات امريكية. وحين سألتها فيما اذا كانت تسمح بنشر ما روته، طلبت التريث الي حين نهاية الخدمة قالتها بايقاع يشبه من يخدم في معسكر.

نعم..نعم السفارة الامريكية عبارة عن ثكنة هتفت لادا بصوت حاولته مسموعاً لأن هدير محركات الملكية الأردنية، كان طاغياً.

السيدة الروسية لم تلتق زلماي خليل زاد، سفير البيت الأبيض السابق في المنطقة الخضراء ،غير مرة واحدة، وعن بعد، رأيته في حفل موسيقي، تأجل عدة مرات بسبب القذائف المتساقطة ولم يحضر من المسؤولين العراقين، غير عدد محدود جداً لفت نظري بينهم، كهل أنيق، أعتقد انه يشغل منصباً رفيعاً كنت شاهدته علي شبكة CNN .

وقبل زلماي، التقت صدفة سلفه نيغروبونتي يشبه شخصيات المافيا في الأفلام الايطالية. ربما اسمه يوحي بالمنظر. لكنه كان لطيفاً معي وامتدح أناقتي .

في المنطقة الخضراء، قائمة الممنوعات، تطول. ممنوع التصوير، ممنوع الخروج منفرداً، ممنوع الجلوس علي أريكة في متنزه، قبل أن يأذن لك جنود المارينز الذين يمشطون المنطقة رواحاً ومجيئاً علي مدار اليوم.

ممنوع التحدث الي الأجانب والمقصود العراقيين والعراقيات باستثناء من يخدمك مباشرة. ممنوع تدوين المذكرات الشخصية. وممنوع الاتصالات الهاتفية من الموبايل الشخصي المسموح فقط أن تقبض أجراً مجزياً وأن تعد الأيام وتستعد للرحيل . قالت لادا مع ضحكة عذبة سرعان ما تبدد سحرها حين بدأت تروي ذكرياتها عن شيماء .

الحداد يليق بشيماء

لم تتوقع السيدة الروسية، الأم لرضيع ابكرت فطمه، قبل رحليها الي بغداد، أن السيدة العراقية ذات الثلاثين ربيعاً وضفائر فاحمة تحتضن خصرها، ستنهار جاثية علي ركبتيها، تنتحب. فقد فجرت لادا في قلب شيماء كل الأحزان المؤجلة حين أهدتها مبلغ عشرين دولارا.

اكتشفت لادا، أن، المتعاقد مع السفارة الامريكية، يدفع لجيش من النساء العراقيات، يخدمن مساكن سفارة الاحتلال، دولاراً واحداً عن يوم العمل، ويسرق تسعة عشر دولاراً. انفجرت شيماء تبكي حين قدمت لها ورقة العشرين دولارا، هي أجرتها الحقيقية ليوم عمل، ولم أتمالك نفسي فانخرطت معها في بكاء مرير .

لم تتعود لادا، علي نواح العراقيات، فهي لا تعرف أن الحداد يليق بهن، مذ هبطت عشتار الي سبع طبقات الارض تبحث عن تموز. وقالت انها كانت تصادف كل يوم تقريباً قصة، أشد مأساوية من سابقاتها. شيماء المتشحة بالسواد فقدت زوجها وبكرها أثناء القصف الامريكي علي بغداد. ولم تسلم علي حياتها، فهربت الي حي آخر من أحياء بغداد، المدلهمة بالرعب. فقد اكتشف الجيران أنها تخدم في بيوت المحتلين الأمريكان.

كل يوم، تتوقع شيماء أنه اليوم الأخير في حياتها . ومثل شيماء مئات العراقيات قادهن الجوع الي حظيرة جيش الاحتلال. تروي السيدة الروسية، التي قرأت عن بغداد ألف ليلة وليلة، وعن الملا نصر الدين، وسمعت بالجنائن المعلقة، وباب عشتار، ومسلة حمورابي، والهاشمي البغدادي؛ كيف أن مظهر غالبية المقاولين مندلقي الكروش تنم عن أنهم محدثو نعمة. وأن شيماء التي فجر البكاء، اعترافها بظلم المقاول، طلبت من لادا أن تحفظ سرها، فغالبية المقاولين أعضاء أحزاب تتألف منها حكومة المالكي العميلة ، ويديرون فرق الموت، وينتمون الي مليشيات حرب الطوائف. شيماء شرحت محنتها للسيدة الروسية، بلغة انكليزية مفهومة. شيماء كانت أنهت تعليمها الثانوي سنوات الحصار.

نمور صدام

تعتقد لادا أن أمثال هؤلاء المقاولين هم، من استولي علي جثث نمور صدام في حديقة الحيوان داخل المنطقة الخضراء العامرة بقصور بنيت في حقبة السبعينات والثمانيات من القرن الماضي.

تذكر لادا أنها سمعت من جنود المارينز، كيف هجموا علي الحديقة بعد سقوط بغداد ببضعة أيام. وأن ضابط مارينز حدثها، عن بلاغ من أصدقاء عراقيين قدموا من الخارج، فقرر النشامي في جيش بوش اعدامها. وتلقف العملاء الصفقة، فسلخوا جلودها، وبيعت لمقتني الفراء.

السيدة االروسية، واثقة أن عمليات النهب والسلب التي اشتعلت بها بغداد، كانت بضوء أخضر من قوات الاحتلال. لماذا؟

في تصور لادا، فان جنود الاحتلال، دخلوا بغداد وفي مخيلتهم، صورة علي بابا والأربعين حرامي. تقول بغداد بالنسبة لهم كنز كما في الاساطير . فسمحوا للرعاع، بالنهب بعد أن سلبوا هم أنفسهم، ما خف وزنه وغلا ثمنه .

وتروي لادا، كيف جري نقل الأثاث الفخم للقصور الرئاسية بطائرات شحن لم ينقطع هديرها علي مدي أسابيع لم تبق في القصور غير الكتابات المذهبة علي الجدران. والغريب أن أحداً لم يفكر بانتزاعها .

ميني الأمم المتحدة

هكذا يطلقون علي السفارة الامريكية في بغداد، لأنها تعج بمتعاقدين من ما يزيد علي الأربعين قومية، كوريون وهنود، بنغلاديشيون، ومن تايوان، أفارقة، وجورجيون، وأوكرانيون. تقول لادا الجورجيون ومثلهم الأوكرانيون، بين مرتزقة شركات الحماية الخاصة ومنهم طباخون وخدم يتقاضون رواتب مجزية .

أعلنت مضيفة الملكية الاردنية ، أن طائرتها، تحلق فوق موسكو. أمسكت لادا عن الكلام. وطاف في عينيها، رفيف حزن أتحرق لرؤية ولدي، تركته مع والدتي، وكل يوم اتصل وأناجيه عن بعد .

التقت عيوننا ونحن نشد حزام الأمان، قرأت في وجهي، سحابة دمع كاد ينهمر. تخيلت وجه شيماء، وآلاف النسوة العراقيات المتشحات بالسواد. لم يترك الاحتلال بيتاً في العراق، بلا عزاء . أحنت جبهتها، موافقة. بدت متعبة.

قالت تخيل اجازتي سبعة أيام فقط. ثلاثة منها طيران، من المنطقة الخضراء بمروحية الي مطار عسكري في بغداد، ومنه الي مطار عسكري في عمان، ومن هناك الي مطار الملكة علياء، فمطار شيرميتوفو بموسكو .

تلاشت في الزحمة، كانت تستعجل السلالم. وتتدحرج بخفة كانها تحررت من حزنها، البغدادي!

التعليقات