مقاتلوا حزب العمال الكردستاني في معاقلهم بجبال قنديل:قد نضطر لاستهداف المدن

مقاتلوا حزب العمال الكردستاني في معاقلهم بجبال قنديل:قد نضطر لاستهداف المدن
غزة-دنيا الوطن

الرحلة الى جبال قنديل الشاهقة، التي تمتد من المناطق الحدودية القريبة من قصبة قلعة دزة بمحافظة السليمانية الى المناطق الحدودية القريبة من بلدتي سوران وحاجي عمران بمحافظة اربيل، وبمسافة تزيد عن 300 كيلومتر، ليست رحلة عادية، نظرا لوعورة الطريق الذي يتسلق جبالا يفوق ارتفاعها الألف متر احيانا، لينحدر احيانا اخرى وبشكل شبه عمودي الى وديان عميقة وسحيقة.

ففي طريقنا الى قمم تلك الجبال الناطحة للسحاب في بعض المواقع، انطلقنا من قصبة سنكسر التي تتوسط المسافة بين بلدتي رانية وقلعة دزة، التي تنتهي عندها معالم التمدن لتبدأ بعدها بمسافة 50 كيلومترا تقريبا مظاهر الكفاح المسلح لمقاتلين يرتدون الزي الكردي باللون الاخضر الداكن. وعندما بلغت بنا السيارة، التي كانت تقلنا قمة جبل شاهق يسمى كورتك، طلب منا سائقها الترجل مدعيا بان المنطقة هي ابعد نقطة يمكن الوصول اليها بالسيارة ذات الدفع الرباعي، ومن هناك قطعنا مسافة تقدر بعشرة كيلومترات مشيا على الاقدام منحدرين نحو واد عميق يقع بين جبلين. وبعد اتصالات لاسلكية في ما بينهم قادنا احدهم الى مقر صغير في احدى تلك القرى، ضم عددا من المسؤولين، من بينهم عبد الرحمن جادرجي مسؤول لجنة العلاقات الخارجية في اتحاد المنظومات الكردستانية، الذي استقبلنا باحترام، واوعز الى بعض رفاقه الاعتناء بنا، ثم غادر هو في مهمة لم يفصح عنها.

بعد ثلاث ساعات وفي الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم الخميس الماضي، عاد جادرجي وبصحبته ثلاث فتيات مسلحات، واحدة منهن فقط تحدثت معنا بعد ان قدمت لنا نفسها قائلة ان اسمها نوروز جرند، وتبلغ من العمر 33 عاما، وانها انضمت الى صفوف حزب العمال الكردستاني منذ 16 عاما، وهي الان عضو قيادية في اتحاد المنظومات الكردستانية، وانها مخولة بالتحدث الى الصحافة. بدأنا بسؤال نوروز عن طبيعة العلاقات الراهنة بين حزبها وحزب الحياة الحرة الكردستاني «بيجاك» المعارض لأيران، فاجابت ان بيجاك تنظيم سياسي مستقل يمارس نضاله السياسي في الشطر الشرقي من كردستان، اي كردستان الايرانية، وليس هناك اي اندماج بينه وبين حزبها. وحول ما اذا كان اتحاد المنظومات الكردستانية مستعدا للحوار مع تركيا، قالت نوروز «نعم مستعدون لذلك، والدليل على موقفنا السلمي هو الاعلان المتكرر عن وقف اطلاق النار ضد القوات التركية، على الرغم من تحشيداتها الهائلة لمهاجمتنا، ونؤكد دوما اننا جاهزون للتفاوض والحوار الديمقراطي، شريطة ان تتخلى تركيا عن هجماتها العسكرية وتبرهن رغبتها في ايجاد حل ديمقراطي لقضيتنا.

وحول ما اذا كان حزب العمال مستمرا في مطالبته بالدولة الكردية المستقلة، أم عدل عنها؟ قالت نوروز: ان اقامة الدولة الكردية المستقلة كانت وستبقى حلمنا الاساسي، ولكن رؤيتنا للدولة الكردية كانت تتمثل في انها سوف لن تحل مشاكل الشعب الكردي السياسية، طالما هناك متنفذون وخاضعون، فقراء واثرياء في هذه الدولة، وطالما استمر التمييز بين الرجل والمرأة، لذلك وجدنا ان السبيل الامثل لحل قضيتنا هو الحوار السياسي، ولكن بصيغة اخرى، في اطار حق تقرير المصير، بمعنى ان فكرة اقامة الدولة المستقلة قد انتهت وحلت محلها المطالبة بحق تقرير المصير للشعب الكردي عبر الحوار السلمي والسياسي.

وفي ردها على سؤال حول ما اذا كان حزبها ما زال يتلقى الاوامر والتوصيات من الزعيم المعتقل عبد الله اوجالان؟ قالت نوروز: «كلا فقيادتنا اعلنت مرارا ان الزعيم اوجالان يمر باوضاع لا تسمح له مطلقا بادارة تنظيمات الحزب، ولكن في حال الخوض في عملية التفاوض السياسي أو اعلان وقف اطلاق النار، فان الامر لا بد ان يصدر من زعيمنا اوجالان». وبسؤالها عما اذا كان هذا يعني ان هناك اتصالات بينهم وبين زعيمهم المعتقل؟، اجابت «كلا مطلقا حتى اننا عرفنا من خلال محاميه، الذي كان قد التقى به قبل شهر بانه فقد 10 كيلوغرامات من وزنه وان حالته الصحية متدهورة».

مصادر التمويل والسلاح وفي معرض ردها على سؤال حول مصادر اسلحة وتمويل الحزب، قالت نوروز: أريد القول، وبمنتهى الوضوح، بانه حتى هذه اللحظة لم نتلق ولو نصف دولار، او اي شكل من اشكال المساعدة من أي دولة او جهة معينة، وان كل ماعندنا من امكانات يأتي من تنظيماتنا الحزبية، الى جانب المساعدات التي يقدمها شعبنا. وعن مصدر السلاح الاميركي المتوفر لدى الحزب قالت: نحن ننفي بشدة حصولنا على السلاح من الولايات المتحدة مباشرة، فالسلاح الاميركي متوفر في اسواق اسطنبول ايضا، وبوسع من يمتلك المال اقتناءه، ولو ذهبتم الى افغانستان ستجدون عناصر طالبان وهم يحملون السلاح الاميركي ايضا، وفي بغداد هناك عناصر تنتمي الى الجماعات الدينية المتطرفة وتحمل الاسلحة والمسدسات الاميركية الكاتمة، فهذا لا يعني مطلقا ان اميركا تزود تلك الجماعات بالاسلحة، بل ان هناك سوقا لبيعها ونحن نشتري تلك الاسلحة من هناك. وبخصوص ما اذا كانت الولايات المتحدة مستمرة في اعتبار حزب العمال الكردستاني منظمة ارهابية؟ قالت نوروز: الولايات المتحدة اتخذت في السابق قرارا يقضي بمنع وصول الامدادات والمساعدات الى الحزب، لكن الامر تلاشى في ما بعد، أما المسافة بين الولايات المتحدة وحزب العمال فما زالت بعيدة جدا، والسبب في ذلك برأيي هو ان الحزب رفض ويرفض ان يكون أداة طيعة بيد الغير، بل يحرص على صيانة استقلاليته وخصوصياته، ويأبى ان يتحول الى تابع لأي طرف او دولة كسورية او ايران او الولايات المتحدة، ويصر على البقاء خادما للشعب الكردي، وكلنا يعلم ان هناك العديد من القوى الكردية حصلت على اسلحة ودعم مالي ومعنوي من الولايات المتحدة، أما نحن فنرفض كل ذلك انطلاقا من رفضنا مقاتلة اي جهة لصالح جهة اخرى، بل نقاتل من اجل مصالح الشعب الكردي. وحول النهج الشيوعي للحزب، قالت نحن الان لا نطمح الى اقامة نظام شيوعي، اشبه بما كان قائما في الاتحاد السوفياتي السابق قبل انهياره عام 1990، بل نسعى الى اقامة نظام ديمقراطي يعطي الحق لكل اقليم او محافظة في ادارة شؤونه بنفسه.

الخيارات إذا وقع الاجتياح التركي وحول ما اذا كان الحزب يعتزم مهاجمة اهداف داخل المدن التركية في حال حدوث الاجتياح؟ قالت نوروز: نحن دائما مستعدون للقتال ومواجهة الاجتياح، وكما هو واضح وجلي لدى الجميع، فاننا وطوال الاعوام الثلاثة والعشرين الماضية، اي منذ اعلان الكفاح المسلح عام 1984، لم نقم بأي عمل تخريبي داخل المدن، وحرصنا دوما على تفادي نشاطاتنا المسلحة ايذاء المدنيين، واذا كان هناك مدنيون قد تضرروا جراء نشاطاتنا فان عددهم لا يتجاوز عدد الذين يتضررون في العراق خلال شهر واحد، بمعنى اننا لم نلحق الضرر بالمدنيين مطلقا اما اذا واصلت تركيا هجماتها ضد جنوب كردستان واستمرت في ضغوطها على شعبنا في شمال كردستان، مثل اعتقال مديري البلديات وتهديد النواب الكرد في البرلمان التركي، وواصلت ممارساتها الشوفينية بحق الشعب الكردي، فاننا سوف لن نألوا جهدا ولن نتوانى عن فعل كل ما نستطيع فعله.

لكن نوروز استدركت قائلة: قطعا لن نتخذ المدنيين اهدافا لنا، لأن ذلك ممنوع وفقا لقوانيننا الحزبية، في حين ان القانون الدولي ينص على ان منطقة الحروب تخضع لكل الاحتمالات، أي أن المدن التركية ايضا ستكون ساحة للقتال. وحول ما اذا كانت سورية تواصل دعمها لحزب العمال حتى الان اوضحت العضو القيادية، ان سورية كانت اول دولة اعلنت موقفها الداعم للاجتياح التركي، بعد اعلان قرار البرلمان التركي بهذا الصدد، وهذا يعني اننا لا نحصل على اي مساعدات سورية.

وفي ردها على سؤال حول ماذا كان الحزب يتوقع هجوما إيرانيا بالتزامن مع الهجوم التركي المرتقب، قالت نوروز: لو حدث ذلك فان الولايات المتحدة سوف لن تقبل بالامر، ناهيك من ان وقوع هجوم مشترك من ذلك القبيل سيفضح الاتفاق الاستراتيجي المبرم بين ايران وحكومة (رئيس الوزراء التركي رجب طيب) اردوغان، الذي يحرص الجانبان على كتمانه، ففي مطلع الصيف الماضي تعرضت قافلة عسكرية تركية الى هجوم من قبل رفاقنا المقاتلين في منطقة بنكول في عمق تركيا، واتضح في ما بعد ان سيارات القافلة كانت محملة بأسلحة ايرانية، لكن السلطات التركية عتمت على القضية، وهذا يثبت بالملموس طبيعة الاتفاق الاستراتيجي بين الدولتين، ويمكن الجزم بأن الهجوم التركي المحتمل ليس مرتبطا بنا تماما، بل بالخطوات التي خطتها الولايات المتحدة في مشروعها الخاص بالشرق الاوسط، وفي اعتقادي ان الازمة المتعلقة بإيران التي علق عليها الرئيسان الروسي (فلاديمير) بوتين والاميركي (جورج) بوش قائلين بانها احدى بوادر الحرب العالمية الثالثة، هي جزء من هذه القضية. ولاحظ انه كلما تعمقت الخلافات الاميركية الايرانية سعت تركيا الى شن عملياتها العسكرية على مناطق جنوب كردستان لتعطيل المشروع الاميركي الخاص بايران، الذي هو الهدف الاساسي للهجوم التركي المرتقب وليست العمليات القتالية التي شنها مقاتلونا على الجيش التركي قبل شهرين تقريبا في منطقة كابار، التي تبعد عن الحدود مع جنوب كردستان مسافة تقدر بـ600 كم، كما زعمت تركيا، التي نعلم جميعا انها كانت تعد لهذه العملية منذ فترة طويلة، وقد بدأت بها فعلا عبر التفجيرات التي طالت مناطق سنجار في كردستان العراق، وذلك بالاتفاق والاشتراك مع سورية وايران، وكانت تلك بمثابة رسالة تهديد صريح الى الكرد في جنوب كردستان، مفادها ان تركيا تستطيع النيل منهم، هذا بموازاة الضغوط السياسية عليهم حيث اعلنت انقرة انها ليست مستعدة لأقامة علاقات مع رئيس عشيرة كردية، في اشارة الى (الرئيس العراقي جلال) طالباني، وهو رئيس لجمهورية العراق وتعمدت في ذلك الانتقاص من مكانته كنوع من الضغوط الدبلوماسية، اي ان تركيا تحشد لهذه العملية منذ فترة، وقد تجلى ذلك خلال تفجيرات كركوك الاخيرة التي كانت تركيا ضالعة فيها بشكل مباشر، وغايتها في ذلك تعطيل عملية الاستفتاء على مصير كركوك، بمعنى ان هدف حكومة اردوغان في هذه العملية اكبر من حزب العمال كثيرا.

وردا على خياراتهم في حال شنت تركيا هجومها، في الوقت الذي تحشد فيها ايران قوات على حدودها لمنعهم من الانسحاب الى اراضيها، قالت نوروز: مقاتلو الحزب في كل جزء من كردستان باقون في مواقعهم، ولن يتزحزحوا عنها، فتركيا تدعي ان عدد مقاتلينا يبلغ 5 آلاف مقاتل، ولو توزع كل اربعة او خمسة منهم على قمم جبال كردستان فكم ستحتاج تركيا من القوات لمواجهتهم ؟ خصوصا ان هؤلاء المقاتلين قادرون على الاختباء في مواقع نائية وعصية جدا لا يصلها احد، وقد اتخذنا كل الاستعدادات المطلوبة للمواجهة.

استهداف المدن وفي ما يخص الشركات التركية العاملة في إقليم كردستان العراق وما إذا كان الحزب سيهاجمها في حال حدوث الاجتياح التركي؟ قالت العضو القيادية: ان الامر مرتبط بتكتيكات الحرب، وقد ذكرت آنفا بان العمليات يمكن ان تحدث داخل المدن التركية، ولكن لن تكون موجهة نحو المدنيين مطلقا، بل ضد الذين يدعمون ويغذون القتال والحرب ضدنا، لكننا سنتفادى مثل تلك العمليات حرصا على حياة المواطنين في جنوب كردستان.

وفي ردها على سؤال عن موقف الحزب من الدعوات الموجهة اليه بالقاء السلاح، قالت نوروز: لا اعتقد ان هناك تنظيما سياسيا في العالم يعشق السلام اكثر من حزبنا، الذي اعلن مرارا وقف القتال في مراحل مختلفة منذ بدء الكفاح المسلح عام 1984، ولكن بلا جدوى ففي الاعوام 1993 و1996 و1998 اعلن الحزب وقف القتال من جانب واحد، من دون ان يحصد شيئا، وفي العام الماضي فعل الشيء ذاته، لكن النتيجة كانت تسميم زعيمنا اوجالان من قبل السلطات التركية، فنحن لا نعشق السلاح، بحيث لا نستطيع الحياة بدونه، أي اذا عولجت قضيتنا بالوسائل السياسية والسلمية فاننا مستعدون لإلقاء السلاح، ولاحظ ان تركيا لم تعلن وقف القتال ضدنا ولو مرة واحدة طوال 23 سنة الماضية، ولم تدع الى السلام مطلقا، بل حتى عندما دعا اردوغان أخيرا الى العمل السياسي والبرلماني تعالت الاصوات في بلاده ضدنا، مؤكدة اننا ارهابيون وينبغي ان ندفع الثمن، بمعنى ان تركيا لا تريد السلام اصلا، فهي لا تكف عن الحرب وتأبى ان تمد لنا يد السلام. فهذا العدو اعتقل الالاف من ابناء شعبنا ودمر اكثر من 5 الاف قرية وقصبة كردية وشرد نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون من الكرد عن ديارهم وما برح يواصل الهجوم على بلادنا ويرفض الاقرار بالوجود الكردي واللغة الرسمية للكرد، فكيف اذن نلقي بأسلحتنا؟ ونكرر مجددا اننا مستعدون للحل السياسي ولكن الطرف المقابل يرفض ذلك للأسف الشديد.

من دراسة الطب إلى مقاتلة وبعد ذلك سمح لنا جادرجي باجراء حوار مع احدى الفتيات المقاتلات، شريطة عدم ذكر اسمها او التقاط صور لها، وقبلنا بالامر على مضض وتحدثنا الى (ن. ج. ر) وهي فتاة في 34 من عمرها من اهالي احدى قرى شرناخ، وكانت قد انتمت الى الحزب قبل اكثر من خمسة عشر عاما، بعد ان قررت ترك الدراسة في المرحلة الثانية من كلية الطب في جامعة اسطنبول اثر تعرضها وزميلاتها الكرديات لضغوط سياسية من جانب السلطات التركية، على حد قولها. واضافت (ن. ج.ر) ان قرارها بالانتماء الى صفوف حزب العمال جاء نتيجة للمعاناة الشديدة التي ما زالت تكابدها المرأة الكردية بشكل عام في تركيا، جراء تعمد السلطات ابقاءهن حبيسات بيوتهن وحرمانهن من فرص التعليم وتوسيع الهوة بينهن وبين الرجال على صعيد الحقوق الاجتماعية، ناهيك من انعدام اي ضمانات اجتماعية للمرأة الكردية في ذلك المجتمع. وتابعت انا كفتاة كردية ومعي الملايين من النساء الكرديات محرومات حتى من التحدث بلغتي الكردية في وطني، وفي جميع المراحل الدراسية كنت احدى الطالبات المتميزات دراسيا، وقد حصلت على مجموع عال جدا في الثانوية أهلني للدخول الى كلية الطب، ولكن السلطات التركية صارت تمارس علي ضغوطا لا تطاق لكوني كردية، ما دفعني الى ترك الدراسة، فالمرأة الكردية هناك تتعرض لثلاثة انواع من الضغوط، احدها، يتعلق بكونها كردية، والاخر بكونها امرأة، والثالث يتعلق بغياب العدالة والمساواة الاجتماعية بينها وبين الرجل، وهذا ما ولد عندي قناعة راسخة بان هذه الجوانب المجحفة في الحياة يمكن تصحيحها من خلال الانتماء الى حزب العمال الكردستاني، لاسيما ان الخطب والمحاضرات التي كان يلقيها الزعيم اوجالان تركت في نفسي اثرا كبيرا، وخلقت عندي أملا اكبر في بلوغ الخلاص يوما من خلال الحزب.

وعن رؤيتها للمستقبل وهي بين هذه الجبال والوديان؟ قالت الفتاة: لا شك ان اياً منا لا يستطيع تحقيق الحرية بمفرده، وبما اننا نعيش بين هذه الجبال والوديان فلربما نتأخر عن ركب الحياة قليلا، أما انا فاشعر بقدر كبير من الحرية والانعتاق هنا، والنساء في هذه القرى المحيطة بنا لا يتمتعن بـنسبة 1% من الحرية التي نتمتع بها نحن الفتيات هنا، أما السلاح الذي نحمله باستمرار فمرتبط باهداف تحررية كبيرة تغمر انفسنا بالراحة وتضاعف من معنوياتنا. وبسؤالها عما اذا كانت تراودها امنية ان تصبح أما ذات يوم؟ قالت: انا لا ارى حياتي الشخصية بمعزل عن حياة غيري من النساء الكرديات، ولست اطمح الى ان استقر ببيت منعزل واتفرغ فقط لزوجي واطفالي وتنظيف المنزل، أما حلم الام بالنسبة لي فهو مرتبط بتحرر المجتمع الذي اعيش فيه، فلست راغبة في الارتباط برجل والاستقرار في البيت، بل عازمة على ان اكرس كل حياتي وكفاحي من اجل انعتاق سائر النسوة من امثالي. وعما اذا كان حمل السلاح بالنسبة لفتاة رقيقة مثلها امر ضروري ونافع؟ ردت: اجل انا مؤمنة جدا بأن المرأة بوسعها حمل السلاح لإثبات حقوقها، رغم ان ذلك ليس السبيل الوحيد، لكنه ضروري بالنسبة لنساء في اوضاعنا فأنا شخصيا لا احبذ هذا الخيار، ولكن ليس هناك من بديل. فالمرأة الانجليزية مثلا ليست مضطرة لحمل السلاح لنيل حقوقها في مجتمع مدني متحضر، أما المرأة الكردية التي تتعرض الى ذلك الكم الهائل من الاضطهاد فلا خيار امامها سوى حمل السلاح والكفاح المشروع لرفع الحيف الواقع عليها.

اما المقاتلة ساريا آكري ذات الـ32 عاما، فقد قالت انها انضمت للحزب قبل 9 سنوات لكنها رفضت التحدث الينا حتى لو في الامور العادية من دون اذن مسبق من مسؤولها المباشر، الذي امتنع عن السماح لها بالتحدث، بينما اكتفت هي بالقول انها تعمل في ذلك المقر لخدمة رفاقها المقاتلين.

وفي طريق عودتنا مساء التقينا المقاتلة سوزدار آمد البالغة من العمر 28 عاما، وهي في طريقها مع اثنتين من زميلاتها ومقاتل آخر الى احدى نقاط الحراسة على سفح جبل قنديل، لكنها رفضت للوهلة الاولى الخوض في المسائل السياسية، من دون اذن مسؤوليها، الا انها عدلت عن قرارها عندما طلبنا منها التحدث عن امور الحياة العادية، فقالت باختصار شديد انها تحمل السلاح منذ تسعة اعوام. وبخصوص حياتها اليومية قالت بابتسامة عريضة انها تعيش اسعد ايام حياتها في احضان تلك الجبال الشاهقة التي تحجب ضوء الشمس وان الطبيعة هناك ساحرة وانفاسها نقية جدا ومفعمة بالحرية. وعن مستواها الدراسي قالت سوزدار انها تركت الدراسة في المرحلة الابتدائية باحدى قصبات محافظة ديار بكر، ثم تناولت سلاحها بعجالة وغادرتنا الى مهمتها بوداع رقيق.

*الشرق الاوسط

التعليقات