الرئيس مبارك: إطلاق الشائعة الكاذبة مقصود
غزة-دنيا الوطن
اجرى الزميل مصطفى بكري رئيس تحرير صحيفة الاسبوع الحوار التالي مع الرئيس مبارك:
لم يكن هذا الحوار الذي يدلي به الرئيس محمد حسني مبارك إلي جريدة 'الأسبوع' هو الأول من نوعه، لقد سبق للرئيس أن أدلي بعدة احاديث للصحيفة تناولت الأوضاع الراهنة التي تشهدها مصر والساحتان العربية والدولية. في هذا اللقاء الذي أجريته خلال اتصال هاتفي مع الرئيس صباح السبت الماضي، كان عنوانه الرئيسي والوحيد هو 'حرية الصحافة ما لها وماعليها' وكان مبعث هذا الحوار هو القلق الذي اعتري جموع الصحفيين علي حرية الصحافة، ومحاولة البعض استغلال الأزمة الأخيرة لصحيفة 'الدستور' علي أنها بداية لعودة 'زمن المصادرة والقمع'.
وفي حديثه أكد الرئيس مبارك مجددا حرصه الشديد علي حرية الصحافة مشيرا إلي أن حرية الرأي والتعبير في الصحافة والإعلام اكتسبت مساحات متزايدة وغير مسبوقة منذ تحمله المسئولية.وأكد الرئيس خلال الحوار الذي أجراه مع 'الأسبوع' أنه لا رجعة إطلاقا في هذه الحرية ..إلا أنه أكد أن علي الجميع أن يدرك أن كل حرية يقابلها التزام ومسئولية، وأن حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخرين، وأنه من الخطأ أن يمارس البعض حقوقهم وحرياتهم دون الالتفات لالتزاماتهم تجاه الآخر وتجاه المجتمع. وشدد الرئيس في حديثه علي أن الغالبية العظمي من كتىاب مصر وصحفييها يلتزمون شرف الكلمة، وأن المشتغلين بالصحافة عليهم أن يتحملوا مسئولية تنقية الوسط الصحفي من ممارسات وتجاوزات لاتتوخي سلامة القصد، وتتنافي مع ميثاق الشرف الصحفي، وتنال من استقرار الوطن. ووجه الرئيس مبارك عبر 'الأسبوع' الدعوة إلي الصحفيين والكتىاب لتحمل هذه المسئولية والترفع عن الصغائر حتي لاتصل حرية الصحافة إلي طريق مسدود، وهذا هو نص الحديث الهاتفي مع الرئيس.
> قلت للرئيس.. أتمني أن يبقي عهدك بالحفاظ علي حرية الصحافة رغم كافة التجاوزات.
>> الرئيس.. إيماني بحرية الصحافة لايتزعزع والحفاظ علي زيادة رقعة هذه الحرية لن تؤثر فيه بعض التجاوزات التي تتعارض مع القيم الصحفية والمهنية وكذلك ميثاق الشرف الصحفي، بل وقانون نقابة الصحفيين.
وهذا الإيمان لايزال يتأكد يوما بعد يوم، رغم تصاعد حدة التجاوزات والاخطاء، فقناعتي بحرية الصحافة تتجسد في حماية هذه الحرية ورفض التدخل في شئون الصحفيين سواء من قوي في الخارج أو الداخل، ولذلك أريدك ان تطمئن وأن يطمئن كل الصحفيين والكتاب إلي أن هذه الحرية لن تتراجع ولن نعود مرة أخري إلي عهد المصادرات أو كبت الحريات، هناك قانون يتوجب تفعيله ومحاسبة كل من يخرج علي ميثاق الشرف الصحفي أو يهدد سلامة البلاد، أما الحرية فهي مصانة بمقتضي القوانين والدستور.
هذه الحرية وجدت لتبقي، وهي أصبحت ملكا للشعب المصري وليست منحة يقدمها الحاكم وقتما يشاء ويسحبها وقتما يريد.
إنني لست ضد حرية النقد، فالنقد الهادف هو ضرورة مجتمعية، ومن شأنه أن يطلع صانع القرار علي السلبيات في المجتمع، ولكن دائما هناك فارق بين النقد الهادف الذي يبغي مصلحة المجتمع وبين النقد الهدام الذي يستهدف تقويض إنجازات المجتمع وهدم قيمه وثوابته، واستباحة كل شيء علي أرضه، هذا ليس نقدا، هذا استغلال لحرية الصحافة بطريقة تخدم قوي أخري تتربص بأمن واستقرار وسلامة هذا المجتمع.
> لكننا في مرحلة تحول ياسيادة الرئيس والشارع المصري قادر علي الفرز، والجنوح في مثل هذه المراحل هو أمر طبيعي؟!
>> أولا حرية الصحافة في مصر ليست وليدة عام أو عامين أو حتي عشرة أعوام، منذ أن كلفني الشعب بتحمل المسئولية في عام ١٨٩١ وأنا حريص علي اطلاق حرية الصحافة، وأظنك تتذكر أن البلاد كانت تمر في هذا الوقت بمرحلة صعبة وعصيبة، فقد تم اغتيال الرئيس السادات في ساحة العرض العسكري، كما أن قوي الإرهاب راحت تنفذ مخططا إرهابيا في العديد من المناطق والمحافظات، وتطورت هذه الجرائم الإرهابية التي كانت موجهة ضد الشرطة وضد توسعات المجتمع وأبنائه إلي محاولات للاعتداء علي بعض الوزراء وكبار المسئولين، يومها كان أمامنا أحد طريقين:
إما وضع إطار معين لحرية الصحافة لا يتوجب تجاوزه حرصا علي تجاوز المرحلة الصعبة التي كانت تعيشها مصر في هذا الوقت ومنعا للبلبلة والشكوك.
وإما إطلاق هذه الحرية ووقف سياسة مصادرة الصحف والتأكيد علي حق الصحافة في مكاشفة الشعب بالحقائق مهما كانت مرارتها.
ولقد انحزت إلي الخيار الثاني وكان رهاني في ذلك علي وطنية الصحافة ووطنية الصحفيين المصريين.
> وهل سيادتكم مازلتم عند ثقتكم بالأداء الصحفي للصحافة المصرية؟!
>> كما قلت لك، في بعض الأحيان أشعر أن هناك تجاوزات من بعض الكتاب والأقلام، ولكنني رفضت كافة محاولات التحريض وتمسكت ومازلت أتمسك بحق الصحافة في ممارسة دورها بحرية كاملة، خاصة أن حرية الرأي والتعبير والصحافة اكتسبت مساحات متزايدة وغير مسبوقة منذ تحملي المسئولية ولا رجعة في ذلك.
> ولكن هناك من يقول يا سيادة الرئيس إن التجاوزات الأخيرة وخصوصا تجاه التعامل مع الشائعة الكاذبة قد تدفع إلي التحريض ضد الصحافة؟
>> هذه ليست المرة الأولي التي يحدث فيها مثل هذا التجاوز، ولقد حدث ذلك مرات عديدة ولذلك قلت وأقول مجددا لأبنائي في الوسط الصحفي، علي الجميع أن يدرك ان كل حرية يقابلها التزام ومسئولية.
علي الجميع أن يدرك أن حرية كل فرد تقف عند حدود حرية الآخرين ولا تفتئت عليها وأظن انه ليس مقبولا بأي حال من الأحوال أن يسعي البعض إلي ممارسة حقوقهم وحرياتهم دون الالتفات لالتزاماتهم تجاه الآخر وتجاه المجتمع.
ان الحرية مسئولية، ولذلك كان انحيازي لها منذ البداية، فلا يوجد مجتمع يسمح بأن تتحول بعض الأقلام إلي أدوات للتحريض علي الفوضي، وأن يستغل مناخ الحرية استغلالا سلبيا وفي غير مقصده وأهدافه.
> سيادة الرئيس .. من المؤكد انك تتابع ما يكتب في الصحافة المصرية، فهل كل ما يكتب مقصده الفوضي أو التحريض أو تجاوز ميثاق الشرف الصحفي؟
>> بالقطع لا، ولا يمكن تصور هذا، فالأغلبية العظمي من كتاب مصر وصحفييها يلتزمون بشرف الكلمة ويحرصون علي إبراز صورة مصر بكل جوانبها، وأنا أؤكد ذلك، وأظن انني قلت ذلك معك تحديدا في حوار سابق انني حريص علي الحرية بكل جوانبها، وصدري لا يضيق بالنقد، بل بالعكس عندما أقرأ تحقيقات أو قضايا تتناول بعض السلبيات المجتمعية أطلب علي الفور من الجهات المختصة المتابعة وموافاتي بالرد علي ما هو منشور وعندما يأتيني الرد أتخذ علي الفور القرار المناسب.
> حتي ولو كانت هذه القضايا تثيرها صحف المعارضة أو الصحف المستقلة؟
>> أنا لا افرق بين الصحف القومية أو الحزبية أو المستقلة جميعهم مصريون وجميعهم وطنيون، ولذلك أحرص علي متابعة كافة هذه الصحف، بل وأتحدث مع بعض رؤساء تحريرها للاستفسار عن مشكلة أو قضية منشورة، إن ما يهمني هو مصلحة مصر، وأنا علي يقين ان الصحافة المصرية في غالبيتها العظمي تنطلق من هذا الإدراك الوطني لمصلحة البلاد.
> سيادة الرئيس اتذكر موقفك من القانون ٣٩ لسنة ٥٩٩١ الذي اسميناه قانون اغتيال الصحافة، لقد انحزت إلي مطلب الصحفيين وألغيت القانون السابق وأصدرت القانون ٦٩ لسنة ٦٩٩١ الذي حاز علي رضي وقبول واسع من الصحفيين؟
>> ما يهمني هو حرية الصحافة، وعندما وجدت ان الرأي العام في الوسط الصحفي ضد هذا القانون التقيت بمجلس نقابة الصحفيين واستمعت إلي مطالبهم وتمت الاستجابة إليها فورا، ونفس الأمر بالنسبة لقانون حبس الصحفيين بعثت برسالة إلي نقيب الصحفيين ووعدت فيها بإلغاء الحبس في قضايا النشر، وقامت الحكومة بتقديم مشروع إلي مجلس الشعب وكانت تعليماتي بأن تستمعوا إلي رأي الصحفيين في مشروع القانون المقدم، وهو ما حدث بالفعل وحتي عندما ثار نقاش وجدل كبير داخل مجلس الشعب حول إحدي مواد القانون التي تتحدث عن الحبس في حالة القذف في الذمة المالية طلبت الاستجابة لمطالب الصحفيين والنواب وهو ما تحقق.
يومها كنت علي ثقة من أن إلغاء الحبس في قضايا النشر سوف يدفع إلي مزيد من الحرية في النقد، ولكن في المقابل كان الأمل هو في مزيد من الالتزام والمسئولية، وفي حال وجود تجاوز كنت أتمني من الجهات المسئولة وتحديدا نقابة الصحفيين أن تتدخل لحماية المهنة من أية تجاوزات أو ممارسات خاطئة، وكان القصد من ذلك أن يتحمل المشتغلون بالصحافة مسئولية تنقية الوسط الصحفي من ممارسات وتجاوزات لا تتوخي سلامة القصد .. وتتنافي مع ميثاق الشرف الصحفي وتنال من استقرار الوطن وتهدد سلامته.
> لكننا يا سيادة الرئيس قلقون في الوقت الراهن أمام محاولات التحريض علي الصحافة، فنحن نتمني ألا تغلق في عهدك أي صحيفة، بل نتمني أن نري المزيد من الصحف؟
>> في مصر مئات الصحف التي تصدر .. بعضها صدر بمقتضي القانون ٦٩ لسنة ٦٩٩١، وهذا القانون أعطي للصحافة الخاصة حرية الاصدار، وهو أمر لم يتحقق من قبل، وهناك ما يقارب العشرين صحيفة جديدة صدرت بمقتضي هذا القانون وهو أمر كنت أعنيه وأقصده، فقد مضي العهد الذي تحتكر فيه الدولة الصحافة، بل إنني حريص دوما علي أن تكون الممارسة الصحفية تتضمن كل ألوان الطيف السياسي والثقافي والاجتماعي، ولذلك صدرت العديد من الصحف التي كنت أعرف منذ البداية أنها قد تتجاوز ولكن كان يقيني أن هذا هو ثمن الحرية ولكن شريطة ألا تتمادي وألا تتنافي مع بنود ميثاق الشرف الصحفي، وكانت ثقتي كبيرة في تدخل المجلس الأعلي للصحافة ونقابة الصحفيين لمحاسبة كافة المتجاوزين بما يحقق هذا التوازن بين الحرية والمسئولية.
> ولكن ألا تعتقد سيادة الرئيس أن من حق الصحافة أن تتناول بعض الشائعات التي تتردد في الشارع المصري؟
>> لا أحد يصادر علي حق الصحافة في تناول أية شائعة حتي لو كانت هذه الشائعة تطال رئيس الجمهورية، ولكن هناك فارقا كبيرا بين معلومة حقيقية وبين اختلاق معلومة وهمية والبناء عليها.
المعلومة الحقيقية عندما تطرح تصب في خانة الشفافية والمكاشفة، أما اختلاق شائعة لا أساس لها والتمادي فيها فهذا يعني أن هناك قصدا من ورائها، وهذا القصد يستهدف زعزعة الاستقرار وإثارة البلبلة وإثارة قلق المستثمرين بما ينعكس علي أوضاع البورصة والبنوك.
إن تجاهل البعض للحقائق والتمادي في نشر معلومات كاذبة ومغلوطة هو أمر لا يتعلق بحرية الصحافة، لكن ذلك يعني إثارة البلبلة وتكدير الأمن العام في البلاد.. أنا مع حرية الصحافة حتي نهاية الأمر، وقد شهدت الساحة الصحفية كثيرا من التجاوزات والانتقادات التي تخرج عن كافة الحدود ولكنني رفضت أي تدخل لتقييد هذه الحرية أو الحد منها.
لقد قرأت مقالات خلال الانتخابات الماضية لرئاسة الجمهورية لعدد من الصحفيين والكتاب قالوا فيها: إن حرية الصحافة والإعلام التي انطلقت بلا حدود هي مؤقتة ومرهونة بانتخابات رئاسة الجمهورية، وها نحن بعد مضي عامين من الانتخابات الرئاسية.. أسأل: هل انتقص من حرية الصحافة والإعلام أم أن مساحة الحرية ومساحات الاصدار في اتساع مستمر؟ إنني استمع وأشاهد برامج تليفزيونية سواء في التليفزيون المصري أو في الفضائيات التي تبث من القاهرة تتناول السياسات الحكومية بالنقد الشديد وأسعد دائما للنقد الهادف، ولم أتدخل ولو مرة واحدة لمنع كاتب أو ضيف أيا كان رأيه، ذلك أن إيماني بحرية الصحافة والإعلام لا يتزعزع، وأنا علي يقين دائما أن إعلامنا المصري قادر علي التصدي والرد علي كافة الحملات الإعلامية الموجهة والتي يعز عليها هذا الاستقرار الأمني والسياسي.. والاقتصادي الذي تتمتع به مصر في ظل عالم يموج بالمشاكل والمتغيرات والقلاقل.. إنني إذ كنت أدعو الصحفيين والكتىاب لتحمل هذه المسئولية فأنا أدعوهم في الوقت نفسه للترفع عن الصغائر حتي لا تصل حرية الصحافة إلي طريق مسدود.
اجرى الزميل مصطفى بكري رئيس تحرير صحيفة الاسبوع الحوار التالي مع الرئيس مبارك:
لم يكن هذا الحوار الذي يدلي به الرئيس محمد حسني مبارك إلي جريدة 'الأسبوع' هو الأول من نوعه، لقد سبق للرئيس أن أدلي بعدة احاديث للصحيفة تناولت الأوضاع الراهنة التي تشهدها مصر والساحتان العربية والدولية. في هذا اللقاء الذي أجريته خلال اتصال هاتفي مع الرئيس صباح السبت الماضي، كان عنوانه الرئيسي والوحيد هو 'حرية الصحافة ما لها وماعليها' وكان مبعث هذا الحوار هو القلق الذي اعتري جموع الصحفيين علي حرية الصحافة، ومحاولة البعض استغلال الأزمة الأخيرة لصحيفة 'الدستور' علي أنها بداية لعودة 'زمن المصادرة والقمع'.
وفي حديثه أكد الرئيس مبارك مجددا حرصه الشديد علي حرية الصحافة مشيرا إلي أن حرية الرأي والتعبير في الصحافة والإعلام اكتسبت مساحات متزايدة وغير مسبوقة منذ تحمله المسئولية.وأكد الرئيس خلال الحوار الذي أجراه مع 'الأسبوع' أنه لا رجعة إطلاقا في هذه الحرية ..إلا أنه أكد أن علي الجميع أن يدرك أن كل حرية يقابلها التزام ومسئولية، وأن حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخرين، وأنه من الخطأ أن يمارس البعض حقوقهم وحرياتهم دون الالتفات لالتزاماتهم تجاه الآخر وتجاه المجتمع. وشدد الرئيس في حديثه علي أن الغالبية العظمي من كتىاب مصر وصحفييها يلتزمون شرف الكلمة، وأن المشتغلين بالصحافة عليهم أن يتحملوا مسئولية تنقية الوسط الصحفي من ممارسات وتجاوزات لاتتوخي سلامة القصد، وتتنافي مع ميثاق الشرف الصحفي، وتنال من استقرار الوطن. ووجه الرئيس مبارك عبر 'الأسبوع' الدعوة إلي الصحفيين والكتىاب لتحمل هذه المسئولية والترفع عن الصغائر حتي لاتصل حرية الصحافة إلي طريق مسدود، وهذا هو نص الحديث الهاتفي مع الرئيس.
> قلت للرئيس.. أتمني أن يبقي عهدك بالحفاظ علي حرية الصحافة رغم كافة التجاوزات.
>> الرئيس.. إيماني بحرية الصحافة لايتزعزع والحفاظ علي زيادة رقعة هذه الحرية لن تؤثر فيه بعض التجاوزات التي تتعارض مع القيم الصحفية والمهنية وكذلك ميثاق الشرف الصحفي، بل وقانون نقابة الصحفيين.
وهذا الإيمان لايزال يتأكد يوما بعد يوم، رغم تصاعد حدة التجاوزات والاخطاء، فقناعتي بحرية الصحافة تتجسد في حماية هذه الحرية ورفض التدخل في شئون الصحفيين سواء من قوي في الخارج أو الداخل، ولذلك أريدك ان تطمئن وأن يطمئن كل الصحفيين والكتاب إلي أن هذه الحرية لن تتراجع ولن نعود مرة أخري إلي عهد المصادرات أو كبت الحريات، هناك قانون يتوجب تفعيله ومحاسبة كل من يخرج علي ميثاق الشرف الصحفي أو يهدد سلامة البلاد، أما الحرية فهي مصانة بمقتضي القوانين والدستور.
هذه الحرية وجدت لتبقي، وهي أصبحت ملكا للشعب المصري وليست منحة يقدمها الحاكم وقتما يشاء ويسحبها وقتما يريد.
إنني لست ضد حرية النقد، فالنقد الهادف هو ضرورة مجتمعية، ومن شأنه أن يطلع صانع القرار علي السلبيات في المجتمع، ولكن دائما هناك فارق بين النقد الهادف الذي يبغي مصلحة المجتمع وبين النقد الهدام الذي يستهدف تقويض إنجازات المجتمع وهدم قيمه وثوابته، واستباحة كل شيء علي أرضه، هذا ليس نقدا، هذا استغلال لحرية الصحافة بطريقة تخدم قوي أخري تتربص بأمن واستقرار وسلامة هذا المجتمع.
> لكننا في مرحلة تحول ياسيادة الرئيس والشارع المصري قادر علي الفرز، والجنوح في مثل هذه المراحل هو أمر طبيعي؟!
>> أولا حرية الصحافة في مصر ليست وليدة عام أو عامين أو حتي عشرة أعوام، منذ أن كلفني الشعب بتحمل المسئولية في عام ١٨٩١ وأنا حريص علي اطلاق حرية الصحافة، وأظنك تتذكر أن البلاد كانت تمر في هذا الوقت بمرحلة صعبة وعصيبة، فقد تم اغتيال الرئيس السادات في ساحة العرض العسكري، كما أن قوي الإرهاب راحت تنفذ مخططا إرهابيا في العديد من المناطق والمحافظات، وتطورت هذه الجرائم الإرهابية التي كانت موجهة ضد الشرطة وضد توسعات المجتمع وأبنائه إلي محاولات للاعتداء علي بعض الوزراء وكبار المسئولين، يومها كان أمامنا أحد طريقين:
إما وضع إطار معين لحرية الصحافة لا يتوجب تجاوزه حرصا علي تجاوز المرحلة الصعبة التي كانت تعيشها مصر في هذا الوقت ومنعا للبلبلة والشكوك.
وإما إطلاق هذه الحرية ووقف سياسة مصادرة الصحف والتأكيد علي حق الصحافة في مكاشفة الشعب بالحقائق مهما كانت مرارتها.
ولقد انحزت إلي الخيار الثاني وكان رهاني في ذلك علي وطنية الصحافة ووطنية الصحفيين المصريين.
> وهل سيادتكم مازلتم عند ثقتكم بالأداء الصحفي للصحافة المصرية؟!
>> كما قلت لك، في بعض الأحيان أشعر أن هناك تجاوزات من بعض الكتاب والأقلام، ولكنني رفضت كافة محاولات التحريض وتمسكت ومازلت أتمسك بحق الصحافة في ممارسة دورها بحرية كاملة، خاصة أن حرية الرأي والتعبير والصحافة اكتسبت مساحات متزايدة وغير مسبوقة منذ تحملي المسئولية ولا رجعة في ذلك.
> ولكن هناك من يقول يا سيادة الرئيس إن التجاوزات الأخيرة وخصوصا تجاه التعامل مع الشائعة الكاذبة قد تدفع إلي التحريض ضد الصحافة؟
>> هذه ليست المرة الأولي التي يحدث فيها مثل هذا التجاوز، ولقد حدث ذلك مرات عديدة ولذلك قلت وأقول مجددا لأبنائي في الوسط الصحفي، علي الجميع أن يدرك ان كل حرية يقابلها التزام ومسئولية.
علي الجميع أن يدرك أن حرية كل فرد تقف عند حدود حرية الآخرين ولا تفتئت عليها وأظن انه ليس مقبولا بأي حال من الأحوال أن يسعي البعض إلي ممارسة حقوقهم وحرياتهم دون الالتفات لالتزاماتهم تجاه الآخر وتجاه المجتمع.
ان الحرية مسئولية، ولذلك كان انحيازي لها منذ البداية، فلا يوجد مجتمع يسمح بأن تتحول بعض الأقلام إلي أدوات للتحريض علي الفوضي، وأن يستغل مناخ الحرية استغلالا سلبيا وفي غير مقصده وأهدافه.
> سيادة الرئيس .. من المؤكد انك تتابع ما يكتب في الصحافة المصرية، فهل كل ما يكتب مقصده الفوضي أو التحريض أو تجاوز ميثاق الشرف الصحفي؟
>> بالقطع لا، ولا يمكن تصور هذا، فالأغلبية العظمي من كتاب مصر وصحفييها يلتزمون بشرف الكلمة ويحرصون علي إبراز صورة مصر بكل جوانبها، وأنا أؤكد ذلك، وأظن انني قلت ذلك معك تحديدا في حوار سابق انني حريص علي الحرية بكل جوانبها، وصدري لا يضيق بالنقد، بل بالعكس عندما أقرأ تحقيقات أو قضايا تتناول بعض السلبيات المجتمعية أطلب علي الفور من الجهات المختصة المتابعة وموافاتي بالرد علي ما هو منشور وعندما يأتيني الرد أتخذ علي الفور القرار المناسب.
> حتي ولو كانت هذه القضايا تثيرها صحف المعارضة أو الصحف المستقلة؟
>> أنا لا افرق بين الصحف القومية أو الحزبية أو المستقلة جميعهم مصريون وجميعهم وطنيون، ولذلك أحرص علي متابعة كافة هذه الصحف، بل وأتحدث مع بعض رؤساء تحريرها للاستفسار عن مشكلة أو قضية منشورة، إن ما يهمني هو مصلحة مصر، وأنا علي يقين ان الصحافة المصرية في غالبيتها العظمي تنطلق من هذا الإدراك الوطني لمصلحة البلاد.
> سيادة الرئيس اتذكر موقفك من القانون ٣٩ لسنة ٥٩٩١ الذي اسميناه قانون اغتيال الصحافة، لقد انحزت إلي مطلب الصحفيين وألغيت القانون السابق وأصدرت القانون ٦٩ لسنة ٦٩٩١ الذي حاز علي رضي وقبول واسع من الصحفيين؟
>> ما يهمني هو حرية الصحافة، وعندما وجدت ان الرأي العام في الوسط الصحفي ضد هذا القانون التقيت بمجلس نقابة الصحفيين واستمعت إلي مطالبهم وتمت الاستجابة إليها فورا، ونفس الأمر بالنسبة لقانون حبس الصحفيين بعثت برسالة إلي نقيب الصحفيين ووعدت فيها بإلغاء الحبس في قضايا النشر، وقامت الحكومة بتقديم مشروع إلي مجلس الشعب وكانت تعليماتي بأن تستمعوا إلي رأي الصحفيين في مشروع القانون المقدم، وهو ما حدث بالفعل وحتي عندما ثار نقاش وجدل كبير داخل مجلس الشعب حول إحدي مواد القانون التي تتحدث عن الحبس في حالة القذف في الذمة المالية طلبت الاستجابة لمطالب الصحفيين والنواب وهو ما تحقق.
يومها كنت علي ثقة من أن إلغاء الحبس في قضايا النشر سوف يدفع إلي مزيد من الحرية في النقد، ولكن في المقابل كان الأمل هو في مزيد من الالتزام والمسئولية، وفي حال وجود تجاوز كنت أتمني من الجهات المسئولة وتحديدا نقابة الصحفيين أن تتدخل لحماية المهنة من أية تجاوزات أو ممارسات خاطئة، وكان القصد من ذلك أن يتحمل المشتغلون بالصحافة مسئولية تنقية الوسط الصحفي من ممارسات وتجاوزات لا تتوخي سلامة القصد .. وتتنافي مع ميثاق الشرف الصحفي وتنال من استقرار الوطن وتهدد سلامته.
> لكننا يا سيادة الرئيس قلقون في الوقت الراهن أمام محاولات التحريض علي الصحافة، فنحن نتمني ألا تغلق في عهدك أي صحيفة، بل نتمني أن نري المزيد من الصحف؟
>> في مصر مئات الصحف التي تصدر .. بعضها صدر بمقتضي القانون ٦٩ لسنة ٦٩٩١، وهذا القانون أعطي للصحافة الخاصة حرية الاصدار، وهو أمر لم يتحقق من قبل، وهناك ما يقارب العشرين صحيفة جديدة صدرت بمقتضي هذا القانون وهو أمر كنت أعنيه وأقصده، فقد مضي العهد الذي تحتكر فيه الدولة الصحافة، بل إنني حريص دوما علي أن تكون الممارسة الصحفية تتضمن كل ألوان الطيف السياسي والثقافي والاجتماعي، ولذلك صدرت العديد من الصحف التي كنت أعرف منذ البداية أنها قد تتجاوز ولكن كان يقيني أن هذا هو ثمن الحرية ولكن شريطة ألا تتمادي وألا تتنافي مع بنود ميثاق الشرف الصحفي، وكانت ثقتي كبيرة في تدخل المجلس الأعلي للصحافة ونقابة الصحفيين لمحاسبة كافة المتجاوزين بما يحقق هذا التوازن بين الحرية والمسئولية.
> ولكن ألا تعتقد سيادة الرئيس أن من حق الصحافة أن تتناول بعض الشائعات التي تتردد في الشارع المصري؟
>> لا أحد يصادر علي حق الصحافة في تناول أية شائعة حتي لو كانت هذه الشائعة تطال رئيس الجمهورية، ولكن هناك فارقا كبيرا بين معلومة حقيقية وبين اختلاق معلومة وهمية والبناء عليها.
المعلومة الحقيقية عندما تطرح تصب في خانة الشفافية والمكاشفة، أما اختلاق شائعة لا أساس لها والتمادي فيها فهذا يعني أن هناك قصدا من ورائها، وهذا القصد يستهدف زعزعة الاستقرار وإثارة البلبلة وإثارة قلق المستثمرين بما ينعكس علي أوضاع البورصة والبنوك.
إن تجاهل البعض للحقائق والتمادي في نشر معلومات كاذبة ومغلوطة هو أمر لا يتعلق بحرية الصحافة، لكن ذلك يعني إثارة البلبلة وتكدير الأمن العام في البلاد.. أنا مع حرية الصحافة حتي نهاية الأمر، وقد شهدت الساحة الصحفية كثيرا من التجاوزات والانتقادات التي تخرج عن كافة الحدود ولكنني رفضت أي تدخل لتقييد هذه الحرية أو الحد منها.
لقد قرأت مقالات خلال الانتخابات الماضية لرئاسة الجمهورية لعدد من الصحفيين والكتاب قالوا فيها: إن حرية الصحافة والإعلام التي انطلقت بلا حدود هي مؤقتة ومرهونة بانتخابات رئاسة الجمهورية، وها نحن بعد مضي عامين من الانتخابات الرئاسية.. أسأل: هل انتقص من حرية الصحافة والإعلام أم أن مساحة الحرية ومساحات الاصدار في اتساع مستمر؟ إنني استمع وأشاهد برامج تليفزيونية سواء في التليفزيون المصري أو في الفضائيات التي تبث من القاهرة تتناول السياسات الحكومية بالنقد الشديد وأسعد دائما للنقد الهادف، ولم أتدخل ولو مرة واحدة لمنع كاتب أو ضيف أيا كان رأيه، ذلك أن إيماني بحرية الصحافة والإعلام لا يتزعزع، وأنا علي يقين دائما أن إعلامنا المصري قادر علي التصدي والرد علي كافة الحملات الإعلامية الموجهة والتي يعز عليها هذا الاستقرار الأمني والسياسي.. والاقتصادي الذي تتمتع به مصر في ظل عالم يموج بالمشاكل والمتغيرات والقلاقل.. إنني إذ كنت أدعو الصحفيين والكتىاب لتحمل هذه المسئولية فأنا أدعوهم في الوقت نفسه للترفع عن الصغائر حتي لا تصل حرية الصحافة إلي طريق مسدود.

التعليقات