فروانة :إسرائيل حولت قضية زيارات الأسرى من حق مشروع إلى لفتة إنسانية

غزة-دنيا الوطن
أكد الأسير السابق والباحث المتخصص بقضايا الأسرى ومدير دائرة الإحصاء بوزارة شؤون الأسرى والمحررين، عبد الناصر فروانة، أن حرمان الأسرى من الزيارة هو أقسى أنواع المعاناة، وأن إسرائيل لا تكترث بالمواثيق والأعراف الدولية ولم تعر اهتماماً بمنظمات وقوانين حقوق الإنسان.

وقال فروانة في مقدمة تقريره كلما رأيت أو سمعت طفلاً فرَّق الإعتقال بينه وبين والده كلما شعرت بالألم والإكتئاب ، وأحياناً وبدون مبالغة تجدني أذرف الدموع ، لأسباب عدة، أولها أنني أضطر لأن استذكر طفولتي التي حُرمت فيها من حنان ورؤية والدي لذات السبب ، وثانيها أضطر لأن أستذكر تجربتي الشخصية وتجربة شقيقي في الأسر وحرماننا من الالتقاء ورؤية بعضنا ورؤية أهلنا وأحبتنا ، وثالثها لأن المعاناة متواصلة منذ عقود دون رؤية بصيص من الأمل لإنهائها ، وكلما أحسست بذلك كلما ازددت إصراراً على المضي في دعم ومساندة الأسرى دون كلل أو ملل وبشكل طوعي ، هذا الإحساس هو ما يمنحني القوة كلما شعرت بالكسل والتراخي .

وأوضح فروانة في تقرير حول " تحويل إسرائيل لموضوع الزيارات من حق مشروع إلى لفتة إنسانية"، أن الحرمان من الزيارات مخالف للمواثيق والأعراف الإنسانية والدولية وخاصة المادة ( 116 ) من الفصل الثامن من هذه اتفاقية جنيف التي تؤكد أنه، "يسمح لكل شخص معتقل باستقبال زائريه، وعلى الأخص أقاربه على فترات منتظمة، وبقدر ما يمكن من التواتر، ويسمح للمعتقلين بزيارة عائلاتهم في الحالات العاجلة بقدر الاستطاعة، وبخاصة في حالة وفاة أحد الأقارب أو مرضه بمرض خطير".

وأضاف، لم تكن زيارات الأهل في الماضي أحسن حالاً من اليوم من حيث الجوهر، لكنها ازدادت سوءاً في السنوات الأخيرة، وأذكر أنني وأسرتي كنا نخرج من البيت فجراً دون أن نرفع فراش النوم، لنزور والدي في بئر السبع، وتستغرق هذه الرحلة نهاراً كاملاً لنعود لفراش النوم مساءاً.

وتابع، أن هناك بعض المتغيرات حدثت على زيارات الأهل بفعل نضالات الأسرى ولكن سرعان ما عادت الأمور لسابقاتها بل أسوأ، ففي أوائل سنوات الإحتلال كانت الزيارة عشوائية وغير منتظمة، ومع بداية السبعينيات ونتيجة لنضالات الأسرى انتظمت وأصبحت شهرية ولمدة 20 دقيقة بوجود شبك حديدي يفصل ما بين المعتقل وذويه، وحراسة مشددة على الجانبين، ومع إلحاح الأسرى وتضحياتهم ونضالاتهم استطاعوا إحداث تحسينات نوعية علي كيفية الزيارة ونوعيتها، فبعد الإضراب المفتوح عن الطعام والذي شمل كافة السجون عام 1992، أصبحت الزيارة كل اسبوعين ولمدة أربعون دقيقة، ويسمح خلالها بادخال الأطفال واحتضانهم من قبل المعتقل خلال فترة الزيارة في المناسبات وغير المناسبات، ولكن هذا الحال لم يستمر طويلاً.

وبين، أن سلطات السجون لا تكتفِي بمنع وحرمان من تشاء من الأهالي والأقارب والأصدقاء أثناء الدخول للزيارة، بل وفي خطوة لا أخلاقية ولا إنسانية أصدرت عام 1996 م، قانوناً مجحفاً جديداً ضمن سياسة مبرمجة لمعاقبة الأسير وذويه وتحت ذرائع ومبررات أمنية عديدة وواهية، حيث يقضي هذا القانون بمنع زيارات الأهل، ويسمح فقط لمن هم من الفئة الأولى كالأب والأم والزوجة بالإضافة للإخوة والأبناء لمن هم أقل من 16 عاماً.

وتابع، أن هذا القانون حرم الأسير من رؤية أقاربه وجيرانه وأصدقائه وأشقائه وأبنائه مِمَن هم فوق ستة عشر عاماً، كما أنها حرمت العديد من الأسرى من الزيارة نهائياً، خاصة أولئك الذين فقدوا والديهم، وغير متزوجين، وليس لديهم أشقاء أقل من ستة عشر عاماً، ولا زال هذا القانون ساري المفعول رغم مرور أكثر من عشر سنوات على اصداره وتطبيقه.

وأكد، أن موضوع الزيارات، لا علاقة له بالأمن، بل هو سيف مسلط على رقاب الأسرى بهدف إضعاف معنوياتهم وقتل مشاعرهم وحرمانهم من رؤية أعز أحبائهم وفقدان التواصل الاجتماعي، وصلة القرابة بهم، بعد أن حرموا من رؤية أقربائهم وأصدقائهم.

وتستخدم سلطات السجون منع الزيارات كعقاب جماعي وهذا يعني جدلياً حرمان الأهل، وفي هذا الصدد، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعبر ما يسمى بـ"مصلحة السجون"، منعت الآلاف من ذوي الأسرى بشكل جماعي من زيارة أبنائهم، أو معاقبة الأسير بحرمانه من الزيارة، ووفقاً لما نملكه من إحصائيات وأرقام فإن أكثر من 65 % من ذوي الأسرى محرومين من زيارة أبنائهم فرادى وجماعة.

وأشار إلى أن منظمة الصليب الأحمر الدولية هي التي تقوم بتنظيم الزيارات للسجون منذ العام 1969 ولغاية الآن، ولا تتم الزيارات إلا في الأيام التي يُسمح فيها بالزيارة وعن طريق الرحلات التي ينظمها الصليب الأحمر، وبشرط الحصول على تصريح من السلطات الإسرائيلية.

وبشكل عام، فإن الزيارات لا تتم بشكل منتظم، فجدولها غير منتظم على الإطلاق، وفي الأغلب تكون متباعدة وكل بضعة شهور رغم أن القانون ينص على أن تتم كل خمسة عشر يوماً، ولكن هذا لم يحصل منذ سنوات، وهناك من الأسرى من قضى فترة اعتقاله التي امتدت لشهور أو لسنوات دون أن يتمكن من زيارة أهله ولو مرة واحدة، وهناك القليل ممن يحالفه الحظ ويزور أهله مرة كل بضعة شهور.

وقال فروانة: وإن تمت تلك الزيارات فإنها تشكل رحلة معاناة، فكل شيء لأجل رؤية فلذات الأكباد يهون هكذا تقول أمهات الأسرى، فتبدأ رحلة المعاناة من لحظة الخروج من البيت ، ومروراً عبر العشرات من الحواجز العسكرية المنتشرة بكثافة على الطرقات ومداخل المخيمات والمدن والتي ازدادت بشكل ملحوظ خلال انتفاضة الأقصى، ويتخللها الإذلال والانتظار الطويل وامتهان للكرامة لاسيما في الضفة الغربية، بينما قطاع غزة تحول إلى سجن كبير، ويخضع لحصار وطوق أمني وعزل تام عن العالم الخارجي ويخضع لقيود قاسية على حرية الحركة ومن الصعب والنادر منح سكان القطاع تصاريح دخول معبر "ايرز"، وهو المعبر الوحيد للوصول إلى المناطق التي احتلت عام 1948 حيث أن جميع أسرى القطاع يقبعون في سجون تقع في تلك المناطق، وفي هذا الإطار تحول الحق المشروع في حرية الحركة والتنقل وزيارات الأهل والمكفول بموجب القانون الدولي الإنساني، إلى " لفتات إنسانية " تقدمها حكومة الاحتلال بين الفينة والأخرى وفي المناسبات المختلفة.

وأضاف، حين يصل أهالي الأسرى للسجن أو للمعتقل البعيد جداً عن أماكن سكناهم، فإنهم يتعرضون لمعاملة سيئة وتفتيش بطرق مذلة ويضطرون للانتظار طويلاً أمام بوابة السجن قبل السماح لهم بالزيارة، وأحياناً يتم الاعتداء عليهم بالضرب كما حصل معهم قبل أيام أمام سجن ريمون في صحراء النقب، وفي أحيان كثيرة يعودون إلى بيوتهم دون زيارة أبنائهم وتحت ذرائع واهية تسوقها إدارة السجن.

ويعيش أهالي الأسرى ظروفاً قاسية وصعبة، فمن جانب يعانون الحرمان من رؤية أبنائهم وبناتهم وآبائهم وأمهاتهم لفترات طويلة والحرمان حتى من ملامسة أصابعهم وسماع صوتهم بحرية، ومن جانب آخر يعانون من الظروف االإقتصادية الصعبة واحتياجات الأسير الباهظة في ظل النقص الحاد في المواد الأساسية المقدمة من قبل إدارة مصلحة السجون، فيضطر الأسير وعلى نفقته الخاصة لشراء بعض احتياجاته الأساسية من مقصف السجن بأسعار عالية، وهذا يشكل عبئاً اقتصادياً إضافياً على ذوي الأسير.

وأشاد فروانة، بجهود وزير الأسرى أشرف العجرمي وزياراته المستمرة لأهالي الأسرى وخاصة القدامى منهم، والإطلاع عن كثب على أوضاعهم، وما تبعه من قرار للحكومة بتكريم الأسرى القدامى وللتخفيف من معاناة ذويهم الفائقة وصرف مبلغ ( 5000$) خمسة آلاف دولار لذوي كل أسير أمضى أكثر من عشرين عاماً ولا زال في الأسر.

وفي ختام تقريره أكد فروانة أنه وبرغم الألم يبقى الأمل كبيراً ، وهنا أؤكد للمرة المليون بأن ضعف الفعل الوطني وغياب الفعل القومي وتخاذل المجتمع الدولي ، هو ما أتاح ويتيح لسلطات الاحتلال الاستمرار باستهتارها بحياة الأسرى وسلب حقوقهم الإنسانية ، وتماديها في قمعهم وتعذيبهم ، وبالتالي أجدد دعوتي بضرورة استنهاض الهمم والإمكانيات وإطلاق حملة وطنية وقومية ومن ثم دولية ، تتناسب وحجم الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها الأسرى والأسيرات ، وثقتنا عالية جداً بشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية ، وحتماً سيأتي اليوم الذي سيزول فيه الألم ويتحقق فيه الأمل .

التعليقات