فصول من العلاقة المعقدة بين فتح الإسلام والقاعدة
غزة-دنيا الوطن
حسم الجيش اللبناني معركة نهر البارد مع جماعة «فتح الأسلام» نهار الأحد الفائت بعد اكثر من ثلاثة اشهر من المعارك. اعقب حسم المعركة مؤتمر صحافي لوزير الدفاع اللبناني الياس المر شارك فيه عدد من ضباط الجيش اللبناني اعلنوا فيه ان جماعة «فتح الأسلام» جزء من تنظيم القاعدة الدولي.
هنا تحقيق للحياة اللندنية عن علاقة «فتح الأسلام» بتنظيم «القاعدة» والمراحل التي شهدتها هذه العلاقة وحكاية الثقة المفقودة بين الجماعتين:
< عندما قتل الشخص الثاني في «فتح الإسلام» أبو هريرة (شهاب القدور) قبل نحو شهر في منطقة أبي سمرا شرق مدينة طرابلس، تقول مصادر أمنية لبنانية انه كان قصد تلك المنطقة بهدف لقاء نبيل رحيم المتواري منذ اكثر من ستة اشهر والمتهم بتأليف جماعة مسلحة ألقي القبض على الكثير من عناصرها. هذا ما اعترف به مرافق «أبو هريرة» الذي كان بصحبته عندما أطلقت عناصر أمنية لبنانية النار عليهما لأنهما لم يمتثلا لطلبها التوقف على حاجز لها أثناء عبورهما على دراجة نارية في المنطقة. و «أبو هريرة» الذي خرج من مخيم نهر البارد في ذروة حصاره، كان، بحسب المصادر الأمنية، يبحث عن جماعة تناصر «فتح الإسلام» من خارج المخيم فتتولى القيام بأعمال تستهدف مراكز القوى الأمنية في طرابلس وغيرها من المناطق الشمالية، الأمر الذي قد يؤدي الى تخفيف الضغط عن المخيم.
يفسر هذا السيناريو الغموض الذي اكتنف قضية خروج «أبو هريرة» من المخيم وقصده منطقة أبي سمرا التي من المفترض انه يعرف انها مراقبة. فشهاب القدور وهو من اللبنانيين القلائل في قيادة «فتح الإسلام» يعرف تماماً ان وجوده في أبي سمرا وفي مناطق أخرى محاذية لها في طرابلس يمكّنه من طلب «النصرة» من عناصر وجماعات تمت الى «فتح الإسلام» بقرابة او صلة او مشابهة على رغم القبضة الأمنية التي من المفترض ان تكون أحكمت على تلك المنطقة منذ قبل وقوع المعارك في نهر البارد.
وطلب «النصرة» لا يعني ان تكون الجماعات «المناصرة» جزءاً من «فتح الإسلام» إنما من أفراد ومجموعات يعرف «أبو هريرة» بحكم عيشه في المنطقة سابقاً أنها من الممكن ان تسدي «خدمات جهادية» من دون ان تكون موافقة تماماً على ما تقوم به «فتح الإسلام». ينطبق هذا الافتراض على نبيل رحيم ومجموعته التي الى الآن لم تثبت أي علاقة تربطها بـ «فتح الإسلام». فرحيم شيخ «سلفي جهادي» شاب من مواليد 1972، توارى عن الأنظار قبل نحو ستة اشهر عندما كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية نشاط مجموعة كان يقودها وتعمل مع جهات «جهادية» خارجية. وتولى الشيخ رحيم ومجموعته تدريب عناصر سعوديين في منزل في منطقة أبي سمرا بهدف إرسالهم الى العراق. وفي حين ألقت الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض على أحد عشر شاباً من هذه المجموعة، جميعهم من منطقتي القبة وأبي سمرا في طرابلس، فر نبيل ومجموعة أخرى من مناصريه وتواروا عن الأنظار، ومن بين المتوارين أيضاً شاب سعودي يدعى طلحة واسمه الحقيقي عبدالرحمن اليحيى، ترجح المصادر الأمنية اللبنانية ان يكون ضابط ارتباط بين هذه المجموعة وبين تنظيم القاعدة الدولي. وتؤكد المصادر الأمنية اللبنانية ان طلحة اقام عند نبيل وأن موقوفين من المجموعة أكدوا ان قيادة تنظيم القاعدة أرسلته الى لبنان وأن من بين أهداف قدومه تقصي مدى استيفاء جماعة «فتح الإسلام» شروط العمل في تنظيم القاعدة وهو ما لم تكن هذه قد استوفته بعد.
ويبدو ان تعاوناً أمنياً لبنانياً وسعودياً هو الذي أدى الى كشف نشاط مجموعة نبيل رحيم منذ اكثر من سنة. فالمسؤول الفعلي عن هذه المجموعة هو شاب لبناني آخر يدعى بسام حمود أوقفته الأجهزة الأمنية السعودية في صيف العام الماضي عندما كان متوجهاً الى المملكة مع مجموعة لتأدية العمرة، وكان من بين هذه المجموعة نبيل رحيم الذي لم يلقَ القبض عليه نتيجة عدم ورود اسمه في لائحة المطلوبين الذين اعترف عنهم موقوفون سعوديون. كان هدف زيارة حمود للمملكة الاتصال بأشخاص هناك بهدف التجنيد والتمويل، وثمة معلومات غير مؤكدة عن تورطه بالتخطيط لأعمال أمنية داخل السعودية. ويقول مسؤول أمني لبناني ان حمود اعترف بحيازة جماعته مخازن أسلحة في طرابلس ولكنه لم يعترف حتى الآن بأماكن وجودها، فهو قال انها جزء «من أموال المسلمين التي أئتُمن عليها». ويرجح المسؤول الأمني ان يكون هدف زيارة «أبو هريرة» منطقة أبي سمرا وبحثه عن نبيل رحيم هو الاستفادة من مخازن الأسلحة هذه.
ويقول الشيخ بلال دقماق وهو سلفي مقرب من رئيس «جمعية الهداية والإحسان» الشيخ داعي الإسلام الشهال ان «بسام حمود ناشط اسلامي طرابلسي بدأ التزامه الديني من خلال انخراطه في ثمانينات القرن الفائت في حركة التوحيد الإسلامي، إذ كان مسلماً عاماً، وكان يصلّي معنا في مسجد الأمين في منطقة ابي سمرا. وتوارى بسام حمود عن الأنظار بين 1985 و1994 بعد ان طلبته الاستخبارات السورية التي كانت في حينه تلاحق ناشطي حركة التوحيد. وبعد هذا التاريخ عاد حمود الى الظهور في منطقة ابي سمرا حيث فتح محلاً لبيع اشرطة التسجيل الإسلامية وتعززت علاقته بالشيخ نبيل رحيم الى ان اعتقل بتهمة لا نعرف مدى صحتها وهي دعم الإرهاب». الأرجح هنا اننا مجدداً أمام معادلة لطالما تكررت في اوساط «السلفية الجهادية»: معادلة «الفتوة والشيخ»، أي اسامة بن لادن وعبدالله عزام، وبعد مقتل الأخير استبدل بأيمن الظواهري، ثم ابو مصعب الزرقاوي وأبو محمد المقدسي، وبعد اعتقال الأخير استعيض عنه بأبي انس الشامي الذي قتل بدوره في العراق. في حالتنا الطرابلسية يبدو التشبيه مبالغاً فيه لجهة أهمية وخطورة الثنائي بسام حمود ونبيل رحيم، ولكنه يمت الى تلك المعادلة «الجهادية» بصلة أكيدة. نبيل رحيم هو الشيخ و «الإمام» الذي تولى تقريب بسام حمود من المنهج «السلفي الجهادي»، فيما دفعت فتوة هذا الأخير وخبراته العسكرية والأمنية الى تصدر الجماعة وقيادتها الى ان أوقف في السعودية.
في زقاق متفرع من ساحة القبة شرق طرابلس يتجمع يومياً آباء عدد من الشبان الذين أوقفتهم الأجهزة الأمنية اللبنانية بتهمة تأليف عصابة مسلحة والتدرب على السلاح بهدف القتال في العراق. الشبان الموقوفون يطلق عليهم في المنطقة، «جماعة نبيل رحيم» المتواري عن الأنظار والملاحق منذ ستة اشهر. لا أثر لهيئات الشبان الموقوفين والملاحقين على وجوه آبائهم. فالشبان «سلفيون جهاديون» فيما الآباء رجال على مشارف التقاعد «حفوا» لحاهم وبعضهم حافظ على قيافة تتعدى متوسط قيافة سكان المنطقة التي تحسب من مناطق مدينة طرابلس الفقيرة.
لكن هؤلاء الرجال يعتقدون أنفسهم رجال ضلالة فيما أبناؤهم «يعرفون الله» اكثر منهم. فوالد بلال السيد وهو شاب من بين أحد عشر شاباً أوقفوا ضمن «مجموعة رحيم»، يجلس أمام محله لتصليح الأجهزة الإلكترونية الخالي من الزبائن ومن التلفزيونات المعطلة ويقول: «ابني يختلف عني. هو على صواب وأنا المخطئ. أنا إنسان ضال عمري 62 سنة ولا اصلّي. أنا افتخر بإبني وأتأسف لأنني لم اصلِّ. الآن ومنذ اعتقاله بدأت اصلِّي نهار الجمعة فقط».
انها حال «آباء الضلالة» أولئك الذين باشروا شبابهم في زمن ما قبل «الصحوة»، فنالهم من أهلهم بعض إيمان والتزام فيما أخذتهم حياة ذلك الزمن الى «مهاويها». أبناؤهم شبّوا في زمن مختلف وارتدوا الى ما قبل ولادة آبائهم وأجدادهم. وفي ارتدادهم هذا صاروا هم الآباء، وصار آباؤهم ضعفاء حيال تفوق أولادهم عليهم. تكاد هذه المعادلة تتكرر في معظم الحالات ليس في طرابلس وضواحيها فقط، وإنما أيضاً في لبنان عموماً، وفي أوساط أبناء الطوائف المسلمة الأخرى. الأبناء «الشهداء» هم قدوة آبائهم الذين يتحولون الى أطفال صغار في حضرة «شهادة» أبنائهم.
اول ما تجهد عائلات شبان «مجموعة رحيم» في اثباته هو الفصل والتمييز بين ابنائهم وبين جماعة «فتح الإسلام»، فهذه المجموعة اوقف اعضاؤها قبل بدء حوادث نهر البارد بأكثر من شهرين، ولم تثبت التحقيقات أي علاقة بينهم وبين جماعة شاكر العبسي. يقول والد بلال السيد ان ابنه البالغ من العمر 30 سنة والمتزوج من شقيقة طارق المير المتواري عن الأنظار مع نبيل رحيم، يعمل في محامص الأمين، «وهو شاب ملتزم دينياً وتعرف في أحد الأيام الى مجموعة شبان في مسجد حمزة في منطقة القبة، وهؤلاء الشبان اهتموا ببلال لأنه كان يدربهم على «الكاراتيه والكونغ فو» في قاعة بجوار المسجد، فبلال لديه احزمة وشهادات في هذه الرياضة. وفي أحد الأيام قبل نحو ستة اشهر اتصلت بنا استخبارات الجيش وأبلغتنا ضرورة ان يأتي بلال الى مركزها فور عودته من العمل. اتصلت ببلال وأبلغته الأمر فأحضر زوجته الى منزلنا وتوجه بنفسه الى مركز الاستخبارات، وهناك سأله الضابط: هل تعرف عدنان محمد الملقب بـ «أبو بكر»؟ فأجابه «نعم». فهذا الأخير يعطي دروس شريعة في مسجد حمزة، وكان زاره أحد الأشخاص وكان مراقباً فاعتقل وقال انه يعرف ابني بلال. وفي التحقيق اعترفوا بأنهم تدربوا على السلاح بهدف قتال اسرائيل وانهم جماعة سلفية».
توارى عدد من الشبان مع نبيل رحيم، منهم عثمان تركماني وحسام الصباغ، والأخير يحمل الجنسية الأسترالية التي كان حصل عليها اثناء سنوات طويلة من الهجرة هناك فضل بعدها العودة والعمل بائع فول في إحدى مناطق ابي سمرا. ويبدو ان لأستراليا قصة في اوساط شبان مجموعة رحيم، فقد سبق ان كشفت استخبارات الجيش مخزناً للسلاح يعود الى هذه المجموعة يملكه عمر حدبا في منطقة ابي سمرا ايضاً والأخير يحمل ايضاً الجنسية الأسترالية، وهو عاد من استراليا الى لبنان ليعمل سائق تاكسي. علماً ان كشف مخزن السلاح هذا هو الذي ادى الى كشف مجموعة مبنى الشهال الذي قتل فيه إضافة الى ايهاب التدمري مقاتلون سعوديون وشيشانيون.
وحكايات الشبان الـ11 الموقوفين و «اخوانهم» المتوارين متصلة ومتناسلة، فهم بحسب وقائع غير منسجمة يسوقها أهلهم يؤلفون مجتمعاً صغيراً ومترابطاً بعلاقات الحي والمصاهرة والتشابه الاجتماعي. فبلال المتزوج من شقيقة طارق المير المتواري ابلغ نسيبه انه متوجه الى مركز استخبارات الجيش في ذلك اليوم الذي اوقف فيه، فرد طارق بأنه ينتظر ما سيحصل مع قريبه قبل ان يذهب بدوره الى مركز الاستخبارات، وهذا ما حصل، وعندما بقي بلال هناك قرر طارق بحسب والد بلال، الهرب وعدم تسليم نفسه، نظراً الى ما سمعه عن صعوبات البقاء في السجن الذي سبق ان دخله مئات من الناشطين الإسلاميين من أبناء الحزام الشرقي لمدينة طرابلس.
يقول والد بلال ان ابنه كان يدرب شبان مسجد حمزة على الكاراتيه في قاعة محاذية للمسجد، وقضية اقبال شبان «السلفية الجهادية» على هذا النوع من الرياضات وعلى انواع اخرى ايضاً يمكن رصدها من خلال عملية التقصي والبحث في سير هؤلاء، اذ يلاحظ ان في جوار الكثير من المصليات والمساجد في تلك المناطق قاعات تدريب لهذا النوع من الرياضات، ويربط محمد وهو من سكان المنطقة بين هذه الظاهرة وبين اعتبار هؤلاء القوة البدنية مرحلة من مراحل الاستعداد لـ «الجهاد»، ولكنه يشير الى تراجع هذه الظاهرة بالترافق مع تصاعد الاستعدادات «الجهادية»، إذ يفضل كثير من هؤلاء التدرب على أعمال قتالية هجومية، بدل هذه الرياضات التي يعتبرونها «استعدادات دفاعية».
في منطقتي ابي سمرا والقبة حيث اوقف افراد مجموعة نبيل رحيم وفر آخرون، وحيث منازلهم ومساجد يترددون اليها، سكان غالبيتهم قدموا خلال النصف الثاني من القرن الفائت من منطقتي عكار والضنية. أعلام سود نصبت عند التقاطعات المفضية الى ازقة. بعض البناء جديد، وهو عبارة عن تجمعات سكنية بنيت بمواصفات غير قابلة للصمود في وجه عوامل مرور الزمن، اذ سرعان ما تتحول هذه المباني الجديدة الى خرب. والإيمان الجديد الذي عم ابناء الأجيال الجديدة أضاف عناصر على المشهد العمراني، ليس فقط لجهة وجود لافتات وصور ومصليات في معظم أنحاء هذه المناطق، بل أيضاً لجهة وجود روح ومزاج مبثوثين في ثنايا الحياة في هذه المناطق. يمكنك ان تلمس ذلك في بعض المظاهر غير المنسجمة مع ما تشعر به. فمشهد امرأة غير محجبة في ابي سمرا يشعرك بحدة مظهرها وسط انكماش المشهد الأوسع، ولا يسعك الا ان تنتبه الى ان آباء افراد مجموعة نبيل رحيم الذين يجتمع عدد منهم يومياً امام دكان والد بلال السيد لا ينتمون الى زمن المنطقة ولا الى روحها الجديد الذي بثه اولادهم في انحائها.
يتحدث محمد عن دور الـ «انترنت» في صقل «جهادية» هؤلاء الشبان، وعن حال الانفعال الشديدة التي يعيشونها بسبب «وصول اخبار بلاد الإسلام سريعاً اليهم عبر الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة. انهم تلامذة شيوخ سلفيين تولت وسائل الاتصال الحديثة إضافة ملمح «جهادي» الى شخصياتهم». ويضيف ان السلفية لم تعد السمة الأساسية لهم، بل «الجهاد» هو ما يجمعهم، وهذا ما يفسر حقيقة ان عدداً منهم ليسوا سلفيين في الأصل، ويربط محمد بين هذه الظاهرة وبين بدايات تشكل تنظيم القاعدة، إذ ان الكثير من قادته ومن بينهم ايمن الظواهري لم يسبق ان ربطتهم بالسلفية أي صلة.
توارى نبيل رحيم عن الأنظار قبل بدء معارك نهر البارد، وأوقف أفراد مجموعته في الوقت نفسه. انه دليل الأهالي الى عدم علاقة أولادهم بجماعة «فتح الإسلام». ووراء إصرار الأهالي على تكرار هذا القول أمران: الأول ان صحته توفر على أبنائهم تهماً كبيرة تتصل بالحرب التي خاضها «فتح الإسلام» ضد الجيش اللبناني، والثاني ان «فتح الإسلام» وبحكم هذه الحرب سقط من مرتبة «الجهاد» وتحول في وجدان معظم السكان الى جماعة قتلت عناصر من الجيش من أبناء المنطقة.
لكن مجموعة رحيم، سواء أفرادها المعتقلين او الفارين، عملت في مساحة مشتركة مع «فتح الإسلام» وجرت محاولات تقارب و «مناصرة» لم تنجح بسبب «ارتياب قيادة تنظيم القاعدة من علاقة قيادة «فتح الإسلام» بأجهزة استخبارات اقليمية»، بحسب مصادر امنية لبنانية. ومنطقة العمل المشتركة تمثلت في اختيار كلتا الجماعتين مناطق ابي سمرا والتبانة والقبة وغيرها في شرق طرابلس، وأيضاً تركز نشاط الجماعتين في بيئة «جهادية» واحدة في هذه المناطق، فالقابلون للالتحاق بأي من الجماعتين يتمتعون بالخصال نفسها وسيرهم متشابهة، وعندما تولى ناشطون من الجماعتين محاولة استقطاب مناصرين اتصلوا بالأشخاص أنفسهم.
تؤكد مصادر امنية لبنانية ان الفارق بين مجموعة نبيل رحيم ومجموعات اخرى في منطقتي القبة والتبانة التحقت بـ «فتح الإسلام» يتمثل في رأس العنقود التنظيمي، فالأولى يشكل هذا الرأس فيها بسام حمود ومن بعده عبدالرحمن اليحيى (طلحة) ثم القيادة الدولية لتنظيم القاعدة، فيما رأس الهرم التنظيمي لجماعة «فتح الإسلام» ينتهي عند شاكر العبسي، قبل مقتله طبعاً، ثم يليه ضباط استخبارات سوريون. ووفق هذه المعادلة تتسع الهوة بين الجماعتين لتصبح شاسعة في احيان كثيرة وتضيق لتنعدم في احيان اخرى. فبينما يؤكد كثيرون في ابي سمرا ان طارق المير متوار مع نبيل رحيم، يقول آخرون انه التحق بـ «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد. وفي فترات زمنية متقاربة خاضت القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية مواجهات عدة في ضواحي مدينة طرابلس، تارة مع جماعة «فتح الإسلام» (القلمون) وتارة اخرى مع مجموعة قيل انها مرتبطة بنبيل رحيم (مجمع الشهال في منطقة ابي سمرا).
اشارات كثيرة يمكن التقاطها في القبة وباب التبانة وأبي سمرا وغيرها من المناطق الطرابلسية في سياق رصد البيئة الواحدة التي رفدت مجموعات مختلفة وغذت مقاصد متفاوتة، من دون ان يعني ذلك طبعاً ان ثمة شراكة بين «فتح الإسلام» والمجموعات الأخرى. فقضية القتال في العراق تعتبر في هذه المناطق وفي البيئة السلفية تحديداً أمراً لا خلاف عليه، وعندما يتحدث الرجال عن ابنائهم الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية يشيرون ببساطة الى ان ذنب أولادهم يقتصر على النية في الذهاب الى العراق. يروي احمد قصة ابن خاله ايهاب التدمري الذي قتل في مجمع الشهال خلال مواجهة مع الجيش اللبناني والذي يعتقد انه من مجموعة رحيم، فيقول: «هؤلاء الشبان قلوبهم في العراق ولا علاقة لهم بـ «فتح الإسلام» والقتال الذي جرى في مجمع الشهال لا علاقة له بفتح الإسلام» ويضيف: «ايهاب كان ترك الجيش اللبناني قبل فترة قصيرة وما لبث ان توارى بعد ان كُشفت مجموعة رحيم ولكنه بقي في المنطقة بانتظار اتضاح ما سيجري لرفاقه الموقوفين، علماً ان شقيق زوجة ايهاب كان أوقف في القضية نفسها ثم أخلي سبيله بعد أيام».
السعي الى الخلط او التمييز بين القاعدة و «فتح الإسلام» له وظيفة سياسية في لبنان، ولا يلحظ هذا السعي ان تداخل الوظائف لا يعني بالضرورة نفي علاقة هذا التنظيم بالاستخبارات السورية. فالقاعدة نفسها لم تعد اكثر من اسلوب عمل وتفكير، وجماعات كثيرة اعتمدت أساليبها وأفكارها من جهة وارتبطت بأجهزة امنية ووظفت نشاطها في خدمة أطراف لا تمت الى القاعدة بصلة. لكن لا شك في ان تمايزاً طفيفاً يمكن رصده في أداء هذه الجماعات، وفي حوزة الأجهزة الأمنية اللبنانية حكايات تفضي الى هذا التمييز. فوصول مقاتلين عرب الى مخيم نهر البارد وما أعقب ذلك من وصول لمسؤولين في القاعدة بغية استطلاع «ساحة الجهاد الجديدة» أفضيا على ما يبدو الى اقتناع القاعدة بأن «فتح الإسلام» فخ استخباراتي، وهو ما أدى الى انكفاء التنظيم الدولي عن إعطاء غطاء لجماعة العبسي. وبناء على هذه المعطيات علينا ان نتخيل ما كان سيكون رد نبيل رحيم فيما لو ان «أبو هريرة» الخارج من مخيم نهر البارد في ذروة حصاره تمكن من الوصول اليه ومن طلب «النصرة» منه؟
انعدام الصلة التنظيمية بين الرجلين لا يعني إجابة قاطعة برفض الطلب، خصوصاً ان «أبو هريرة مسلم عامي» بحسب أحد الذين يعرفون نبيل رحيم، ثم ان «فتح الإسلام» تضم «اخوة لا بأس في مساعدتهم اذا أمكن ذلك، من دون ان تعني المساعدة تبنيهم»! على هذا النحو أجاب صديق نبيل رحيم عندما طلب منه تخيل إجابة الأخير عن طلب «أبو هريرة».
ولد نبيل رحيم في طرابلس 1972 في منطقة أبي سمرا. ويقول صديقه الشيخ بلال دقماق انه «التزم مبكراً إذ لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره عندما تبنى العقيدة والنهج السلفي على يد الشيخ داعي الإسلام الشهال، وكذلك درس على يد الشيخ الشهيد أسامة القصاص» الذي يقول دقماق انه قتل على يد مجموعة من «الأحباش» عام 1988.
بعد ذلك وبحسب دقماق وأصدقاء آخرين لرحيم حصّل الأخير الكثير من «العلوم الشرعية والدينية تحصيلاً شخصياً، الى أن عاد والتحق بجمعية الهداية والإحسان الإسلامية التي يديرها الشيخ داعي الإسلام الشهال وبقي فيها الى أن حُلّت بسبب صدور كتاب عنها يتحدث عن الأديان والفرق المعاصرة اعتبر مسيئاً للوحدة الوطنية، عام 1996. بعد حل الجمعية عمل مدرساً وموظفاً في دار للعلوم الشرعية يديرها الشيخ زهير عيسى. ثم انتقل بعدها الى معهد دار الحديث فعمل فيه مدرساً وموظفاً، علماً أن هذا المعهد تابع للوقف السنّي لبلدة إيعال ومركزه في أبي سمرا، وهو مخصص لتدريس النساء وبقي فيه حتى تواريه.
حسم الجيش اللبناني معركة نهر البارد مع جماعة «فتح الأسلام» نهار الأحد الفائت بعد اكثر من ثلاثة اشهر من المعارك. اعقب حسم المعركة مؤتمر صحافي لوزير الدفاع اللبناني الياس المر شارك فيه عدد من ضباط الجيش اللبناني اعلنوا فيه ان جماعة «فتح الأسلام» جزء من تنظيم القاعدة الدولي.
هنا تحقيق للحياة اللندنية عن علاقة «فتح الأسلام» بتنظيم «القاعدة» والمراحل التي شهدتها هذه العلاقة وحكاية الثقة المفقودة بين الجماعتين:
< عندما قتل الشخص الثاني في «فتح الإسلام» أبو هريرة (شهاب القدور) قبل نحو شهر في منطقة أبي سمرا شرق مدينة طرابلس، تقول مصادر أمنية لبنانية انه كان قصد تلك المنطقة بهدف لقاء نبيل رحيم المتواري منذ اكثر من ستة اشهر والمتهم بتأليف جماعة مسلحة ألقي القبض على الكثير من عناصرها. هذا ما اعترف به مرافق «أبو هريرة» الذي كان بصحبته عندما أطلقت عناصر أمنية لبنانية النار عليهما لأنهما لم يمتثلا لطلبها التوقف على حاجز لها أثناء عبورهما على دراجة نارية في المنطقة. و «أبو هريرة» الذي خرج من مخيم نهر البارد في ذروة حصاره، كان، بحسب المصادر الأمنية، يبحث عن جماعة تناصر «فتح الإسلام» من خارج المخيم فتتولى القيام بأعمال تستهدف مراكز القوى الأمنية في طرابلس وغيرها من المناطق الشمالية، الأمر الذي قد يؤدي الى تخفيف الضغط عن المخيم.
يفسر هذا السيناريو الغموض الذي اكتنف قضية خروج «أبو هريرة» من المخيم وقصده منطقة أبي سمرا التي من المفترض انه يعرف انها مراقبة. فشهاب القدور وهو من اللبنانيين القلائل في قيادة «فتح الإسلام» يعرف تماماً ان وجوده في أبي سمرا وفي مناطق أخرى محاذية لها في طرابلس يمكّنه من طلب «النصرة» من عناصر وجماعات تمت الى «فتح الإسلام» بقرابة او صلة او مشابهة على رغم القبضة الأمنية التي من المفترض ان تكون أحكمت على تلك المنطقة منذ قبل وقوع المعارك في نهر البارد.
وطلب «النصرة» لا يعني ان تكون الجماعات «المناصرة» جزءاً من «فتح الإسلام» إنما من أفراد ومجموعات يعرف «أبو هريرة» بحكم عيشه في المنطقة سابقاً أنها من الممكن ان تسدي «خدمات جهادية» من دون ان تكون موافقة تماماً على ما تقوم به «فتح الإسلام». ينطبق هذا الافتراض على نبيل رحيم ومجموعته التي الى الآن لم تثبت أي علاقة تربطها بـ «فتح الإسلام». فرحيم شيخ «سلفي جهادي» شاب من مواليد 1972، توارى عن الأنظار قبل نحو ستة اشهر عندما كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية نشاط مجموعة كان يقودها وتعمل مع جهات «جهادية» خارجية. وتولى الشيخ رحيم ومجموعته تدريب عناصر سعوديين في منزل في منطقة أبي سمرا بهدف إرسالهم الى العراق. وفي حين ألقت الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض على أحد عشر شاباً من هذه المجموعة، جميعهم من منطقتي القبة وأبي سمرا في طرابلس، فر نبيل ومجموعة أخرى من مناصريه وتواروا عن الأنظار، ومن بين المتوارين أيضاً شاب سعودي يدعى طلحة واسمه الحقيقي عبدالرحمن اليحيى، ترجح المصادر الأمنية اللبنانية ان يكون ضابط ارتباط بين هذه المجموعة وبين تنظيم القاعدة الدولي. وتؤكد المصادر الأمنية اللبنانية ان طلحة اقام عند نبيل وأن موقوفين من المجموعة أكدوا ان قيادة تنظيم القاعدة أرسلته الى لبنان وأن من بين أهداف قدومه تقصي مدى استيفاء جماعة «فتح الإسلام» شروط العمل في تنظيم القاعدة وهو ما لم تكن هذه قد استوفته بعد.
ويبدو ان تعاوناً أمنياً لبنانياً وسعودياً هو الذي أدى الى كشف نشاط مجموعة نبيل رحيم منذ اكثر من سنة. فالمسؤول الفعلي عن هذه المجموعة هو شاب لبناني آخر يدعى بسام حمود أوقفته الأجهزة الأمنية السعودية في صيف العام الماضي عندما كان متوجهاً الى المملكة مع مجموعة لتأدية العمرة، وكان من بين هذه المجموعة نبيل رحيم الذي لم يلقَ القبض عليه نتيجة عدم ورود اسمه في لائحة المطلوبين الذين اعترف عنهم موقوفون سعوديون. كان هدف زيارة حمود للمملكة الاتصال بأشخاص هناك بهدف التجنيد والتمويل، وثمة معلومات غير مؤكدة عن تورطه بالتخطيط لأعمال أمنية داخل السعودية. ويقول مسؤول أمني لبناني ان حمود اعترف بحيازة جماعته مخازن أسلحة في طرابلس ولكنه لم يعترف حتى الآن بأماكن وجودها، فهو قال انها جزء «من أموال المسلمين التي أئتُمن عليها». ويرجح المسؤول الأمني ان يكون هدف زيارة «أبو هريرة» منطقة أبي سمرا وبحثه عن نبيل رحيم هو الاستفادة من مخازن الأسلحة هذه.
ويقول الشيخ بلال دقماق وهو سلفي مقرب من رئيس «جمعية الهداية والإحسان» الشيخ داعي الإسلام الشهال ان «بسام حمود ناشط اسلامي طرابلسي بدأ التزامه الديني من خلال انخراطه في ثمانينات القرن الفائت في حركة التوحيد الإسلامي، إذ كان مسلماً عاماً، وكان يصلّي معنا في مسجد الأمين في منطقة ابي سمرا. وتوارى بسام حمود عن الأنظار بين 1985 و1994 بعد ان طلبته الاستخبارات السورية التي كانت في حينه تلاحق ناشطي حركة التوحيد. وبعد هذا التاريخ عاد حمود الى الظهور في منطقة ابي سمرا حيث فتح محلاً لبيع اشرطة التسجيل الإسلامية وتعززت علاقته بالشيخ نبيل رحيم الى ان اعتقل بتهمة لا نعرف مدى صحتها وهي دعم الإرهاب». الأرجح هنا اننا مجدداً أمام معادلة لطالما تكررت في اوساط «السلفية الجهادية»: معادلة «الفتوة والشيخ»، أي اسامة بن لادن وعبدالله عزام، وبعد مقتل الأخير استبدل بأيمن الظواهري، ثم ابو مصعب الزرقاوي وأبو محمد المقدسي، وبعد اعتقال الأخير استعيض عنه بأبي انس الشامي الذي قتل بدوره في العراق. في حالتنا الطرابلسية يبدو التشبيه مبالغاً فيه لجهة أهمية وخطورة الثنائي بسام حمود ونبيل رحيم، ولكنه يمت الى تلك المعادلة «الجهادية» بصلة أكيدة. نبيل رحيم هو الشيخ و «الإمام» الذي تولى تقريب بسام حمود من المنهج «السلفي الجهادي»، فيما دفعت فتوة هذا الأخير وخبراته العسكرية والأمنية الى تصدر الجماعة وقيادتها الى ان أوقف في السعودية.
في زقاق متفرع من ساحة القبة شرق طرابلس يتجمع يومياً آباء عدد من الشبان الذين أوقفتهم الأجهزة الأمنية اللبنانية بتهمة تأليف عصابة مسلحة والتدرب على السلاح بهدف القتال في العراق. الشبان الموقوفون يطلق عليهم في المنطقة، «جماعة نبيل رحيم» المتواري عن الأنظار والملاحق منذ ستة اشهر. لا أثر لهيئات الشبان الموقوفين والملاحقين على وجوه آبائهم. فالشبان «سلفيون جهاديون» فيما الآباء رجال على مشارف التقاعد «حفوا» لحاهم وبعضهم حافظ على قيافة تتعدى متوسط قيافة سكان المنطقة التي تحسب من مناطق مدينة طرابلس الفقيرة.
لكن هؤلاء الرجال يعتقدون أنفسهم رجال ضلالة فيما أبناؤهم «يعرفون الله» اكثر منهم. فوالد بلال السيد وهو شاب من بين أحد عشر شاباً أوقفوا ضمن «مجموعة رحيم»، يجلس أمام محله لتصليح الأجهزة الإلكترونية الخالي من الزبائن ومن التلفزيونات المعطلة ويقول: «ابني يختلف عني. هو على صواب وأنا المخطئ. أنا إنسان ضال عمري 62 سنة ولا اصلّي. أنا افتخر بإبني وأتأسف لأنني لم اصلِّ. الآن ومنذ اعتقاله بدأت اصلِّي نهار الجمعة فقط».
انها حال «آباء الضلالة» أولئك الذين باشروا شبابهم في زمن ما قبل «الصحوة»، فنالهم من أهلهم بعض إيمان والتزام فيما أخذتهم حياة ذلك الزمن الى «مهاويها». أبناؤهم شبّوا في زمن مختلف وارتدوا الى ما قبل ولادة آبائهم وأجدادهم. وفي ارتدادهم هذا صاروا هم الآباء، وصار آباؤهم ضعفاء حيال تفوق أولادهم عليهم. تكاد هذه المعادلة تتكرر في معظم الحالات ليس في طرابلس وضواحيها فقط، وإنما أيضاً في لبنان عموماً، وفي أوساط أبناء الطوائف المسلمة الأخرى. الأبناء «الشهداء» هم قدوة آبائهم الذين يتحولون الى أطفال صغار في حضرة «شهادة» أبنائهم.
اول ما تجهد عائلات شبان «مجموعة رحيم» في اثباته هو الفصل والتمييز بين ابنائهم وبين جماعة «فتح الإسلام»، فهذه المجموعة اوقف اعضاؤها قبل بدء حوادث نهر البارد بأكثر من شهرين، ولم تثبت التحقيقات أي علاقة بينهم وبين جماعة شاكر العبسي. يقول والد بلال السيد ان ابنه البالغ من العمر 30 سنة والمتزوج من شقيقة طارق المير المتواري عن الأنظار مع نبيل رحيم، يعمل في محامص الأمين، «وهو شاب ملتزم دينياً وتعرف في أحد الأيام الى مجموعة شبان في مسجد حمزة في منطقة القبة، وهؤلاء الشبان اهتموا ببلال لأنه كان يدربهم على «الكاراتيه والكونغ فو» في قاعة بجوار المسجد، فبلال لديه احزمة وشهادات في هذه الرياضة. وفي أحد الأيام قبل نحو ستة اشهر اتصلت بنا استخبارات الجيش وأبلغتنا ضرورة ان يأتي بلال الى مركزها فور عودته من العمل. اتصلت ببلال وأبلغته الأمر فأحضر زوجته الى منزلنا وتوجه بنفسه الى مركز الاستخبارات، وهناك سأله الضابط: هل تعرف عدنان محمد الملقب بـ «أبو بكر»؟ فأجابه «نعم». فهذا الأخير يعطي دروس شريعة في مسجد حمزة، وكان زاره أحد الأشخاص وكان مراقباً فاعتقل وقال انه يعرف ابني بلال. وفي التحقيق اعترفوا بأنهم تدربوا على السلاح بهدف قتال اسرائيل وانهم جماعة سلفية».
توارى عدد من الشبان مع نبيل رحيم، منهم عثمان تركماني وحسام الصباغ، والأخير يحمل الجنسية الأسترالية التي كان حصل عليها اثناء سنوات طويلة من الهجرة هناك فضل بعدها العودة والعمل بائع فول في إحدى مناطق ابي سمرا. ويبدو ان لأستراليا قصة في اوساط شبان مجموعة رحيم، فقد سبق ان كشفت استخبارات الجيش مخزناً للسلاح يعود الى هذه المجموعة يملكه عمر حدبا في منطقة ابي سمرا ايضاً والأخير يحمل ايضاً الجنسية الأسترالية، وهو عاد من استراليا الى لبنان ليعمل سائق تاكسي. علماً ان كشف مخزن السلاح هذا هو الذي ادى الى كشف مجموعة مبنى الشهال الذي قتل فيه إضافة الى ايهاب التدمري مقاتلون سعوديون وشيشانيون.
وحكايات الشبان الـ11 الموقوفين و «اخوانهم» المتوارين متصلة ومتناسلة، فهم بحسب وقائع غير منسجمة يسوقها أهلهم يؤلفون مجتمعاً صغيراً ومترابطاً بعلاقات الحي والمصاهرة والتشابه الاجتماعي. فبلال المتزوج من شقيقة طارق المير المتواري ابلغ نسيبه انه متوجه الى مركز استخبارات الجيش في ذلك اليوم الذي اوقف فيه، فرد طارق بأنه ينتظر ما سيحصل مع قريبه قبل ان يذهب بدوره الى مركز الاستخبارات، وهذا ما حصل، وعندما بقي بلال هناك قرر طارق بحسب والد بلال، الهرب وعدم تسليم نفسه، نظراً الى ما سمعه عن صعوبات البقاء في السجن الذي سبق ان دخله مئات من الناشطين الإسلاميين من أبناء الحزام الشرقي لمدينة طرابلس.
يقول والد بلال ان ابنه كان يدرب شبان مسجد حمزة على الكاراتيه في قاعة محاذية للمسجد، وقضية اقبال شبان «السلفية الجهادية» على هذا النوع من الرياضات وعلى انواع اخرى ايضاً يمكن رصدها من خلال عملية التقصي والبحث في سير هؤلاء، اذ يلاحظ ان في جوار الكثير من المصليات والمساجد في تلك المناطق قاعات تدريب لهذا النوع من الرياضات، ويربط محمد وهو من سكان المنطقة بين هذه الظاهرة وبين اعتبار هؤلاء القوة البدنية مرحلة من مراحل الاستعداد لـ «الجهاد»، ولكنه يشير الى تراجع هذه الظاهرة بالترافق مع تصاعد الاستعدادات «الجهادية»، إذ يفضل كثير من هؤلاء التدرب على أعمال قتالية هجومية، بدل هذه الرياضات التي يعتبرونها «استعدادات دفاعية».
في منطقتي ابي سمرا والقبة حيث اوقف افراد مجموعة نبيل رحيم وفر آخرون، وحيث منازلهم ومساجد يترددون اليها، سكان غالبيتهم قدموا خلال النصف الثاني من القرن الفائت من منطقتي عكار والضنية. أعلام سود نصبت عند التقاطعات المفضية الى ازقة. بعض البناء جديد، وهو عبارة عن تجمعات سكنية بنيت بمواصفات غير قابلة للصمود في وجه عوامل مرور الزمن، اذ سرعان ما تتحول هذه المباني الجديدة الى خرب. والإيمان الجديد الذي عم ابناء الأجيال الجديدة أضاف عناصر على المشهد العمراني، ليس فقط لجهة وجود لافتات وصور ومصليات في معظم أنحاء هذه المناطق، بل أيضاً لجهة وجود روح ومزاج مبثوثين في ثنايا الحياة في هذه المناطق. يمكنك ان تلمس ذلك في بعض المظاهر غير المنسجمة مع ما تشعر به. فمشهد امرأة غير محجبة في ابي سمرا يشعرك بحدة مظهرها وسط انكماش المشهد الأوسع، ولا يسعك الا ان تنتبه الى ان آباء افراد مجموعة نبيل رحيم الذين يجتمع عدد منهم يومياً امام دكان والد بلال السيد لا ينتمون الى زمن المنطقة ولا الى روحها الجديد الذي بثه اولادهم في انحائها.
يتحدث محمد عن دور الـ «انترنت» في صقل «جهادية» هؤلاء الشبان، وعن حال الانفعال الشديدة التي يعيشونها بسبب «وصول اخبار بلاد الإسلام سريعاً اليهم عبر الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة. انهم تلامذة شيوخ سلفيين تولت وسائل الاتصال الحديثة إضافة ملمح «جهادي» الى شخصياتهم». ويضيف ان السلفية لم تعد السمة الأساسية لهم، بل «الجهاد» هو ما يجمعهم، وهذا ما يفسر حقيقة ان عدداً منهم ليسوا سلفيين في الأصل، ويربط محمد بين هذه الظاهرة وبين بدايات تشكل تنظيم القاعدة، إذ ان الكثير من قادته ومن بينهم ايمن الظواهري لم يسبق ان ربطتهم بالسلفية أي صلة.
توارى نبيل رحيم عن الأنظار قبل بدء معارك نهر البارد، وأوقف أفراد مجموعته في الوقت نفسه. انه دليل الأهالي الى عدم علاقة أولادهم بجماعة «فتح الإسلام». ووراء إصرار الأهالي على تكرار هذا القول أمران: الأول ان صحته توفر على أبنائهم تهماً كبيرة تتصل بالحرب التي خاضها «فتح الإسلام» ضد الجيش اللبناني، والثاني ان «فتح الإسلام» وبحكم هذه الحرب سقط من مرتبة «الجهاد» وتحول في وجدان معظم السكان الى جماعة قتلت عناصر من الجيش من أبناء المنطقة.
لكن مجموعة رحيم، سواء أفرادها المعتقلين او الفارين، عملت في مساحة مشتركة مع «فتح الإسلام» وجرت محاولات تقارب و «مناصرة» لم تنجح بسبب «ارتياب قيادة تنظيم القاعدة من علاقة قيادة «فتح الإسلام» بأجهزة استخبارات اقليمية»، بحسب مصادر امنية لبنانية. ومنطقة العمل المشتركة تمثلت في اختيار كلتا الجماعتين مناطق ابي سمرا والتبانة والقبة وغيرها في شرق طرابلس، وأيضاً تركز نشاط الجماعتين في بيئة «جهادية» واحدة في هذه المناطق، فالقابلون للالتحاق بأي من الجماعتين يتمتعون بالخصال نفسها وسيرهم متشابهة، وعندما تولى ناشطون من الجماعتين محاولة استقطاب مناصرين اتصلوا بالأشخاص أنفسهم.
تؤكد مصادر امنية لبنانية ان الفارق بين مجموعة نبيل رحيم ومجموعات اخرى في منطقتي القبة والتبانة التحقت بـ «فتح الإسلام» يتمثل في رأس العنقود التنظيمي، فالأولى يشكل هذا الرأس فيها بسام حمود ومن بعده عبدالرحمن اليحيى (طلحة) ثم القيادة الدولية لتنظيم القاعدة، فيما رأس الهرم التنظيمي لجماعة «فتح الإسلام» ينتهي عند شاكر العبسي، قبل مقتله طبعاً، ثم يليه ضباط استخبارات سوريون. ووفق هذه المعادلة تتسع الهوة بين الجماعتين لتصبح شاسعة في احيان كثيرة وتضيق لتنعدم في احيان اخرى. فبينما يؤكد كثيرون في ابي سمرا ان طارق المير متوار مع نبيل رحيم، يقول آخرون انه التحق بـ «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد. وفي فترات زمنية متقاربة خاضت القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية مواجهات عدة في ضواحي مدينة طرابلس، تارة مع جماعة «فتح الإسلام» (القلمون) وتارة اخرى مع مجموعة قيل انها مرتبطة بنبيل رحيم (مجمع الشهال في منطقة ابي سمرا).
اشارات كثيرة يمكن التقاطها في القبة وباب التبانة وأبي سمرا وغيرها من المناطق الطرابلسية في سياق رصد البيئة الواحدة التي رفدت مجموعات مختلفة وغذت مقاصد متفاوتة، من دون ان يعني ذلك طبعاً ان ثمة شراكة بين «فتح الإسلام» والمجموعات الأخرى. فقضية القتال في العراق تعتبر في هذه المناطق وفي البيئة السلفية تحديداً أمراً لا خلاف عليه، وعندما يتحدث الرجال عن ابنائهم الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية يشيرون ببساطة الى ان ذنب أولادهم يقتصر على النية في الذهاب الى العراق. يروي احمد قصة ابن خاله ايهاب التدمري الذي قتل في مجمع الشهال خلال مواجهة مع الجيش اللبناني والذي يعتقد انه من مجموعة رحيم، فيقول: «هؤلاء الشبان قلوبهم في العراق ولا علاقة لهم بـ «فتح الإسلام» والقتال الذي جرى في مجمع الشهال لا علاقة له بفتح الإسلام» ويضيف: «ايهاب كان ترك الجيش اللبناني قبل فترة قصيرة وما لبث ان توارى بعد ان كُشفت مجموعة رحيم ولكنه بقي في المنطقة بانتظار اتضاح ما سيجري لرفاقه الموقوفين، علماً ان شقيق زوجة ايهاب كان أوقف في القضية نفسها ثم أخلي سبيله بعد أيام».
السعي الى الخلط او التمييز بين القاعدة و «فتح الإسلام» له وظيفة سياسية في لبنان، ولا يلحظ هذا السعي ان تداخل الوظائف لا يعني بالضرورة نفي علاقة هذا التنظيم بالاستخبارات السورية. فالقاعدة نفسها لم تعد اكثر من اسلوب عمل وتفكير، وجماعات كثيرة اعتمدت أساليبها وأفكارها من جهة وارتبطت بأجهزة امنية ووظفت نشاطها في خدمة أطراف لا تمت الى القاعدة بصلة. لكن لا شك في ان تمايزاً طفيفاً يمكن رصده في أداء هذه الجماعات، وفي حوزة الأجهزة الأمنية اللبنانية حكايات تفضي الى هذا التمييز. فوصول مقاتلين عرب الى مخيم نهر البارد وما أعقب ذلك من وصول لمسؤولين في القاعدة بغية استطلاع «ساحة الجهاد الجديدة» أفضيا على ما يبدو الى اقتناع القاعدة بأن «فتح الإسلام» فخ استخباراتي، وهو ما أدى الى انكفاء التنظيم الدولي عن إعطاء غطاء لجماعة العبسي. وبناء على هذه المعطيات علينا ان نتخيل ما كان سيكون رد نبيل رحيم فيما لو ان «أبو هريرة» الخارج من مخيم نهر البارد في ذروة حصاره تمكن من الوصول اليه ومن طلب «النصرة» منه؟
انعدام الصلة التنظيمية بين الرجلين لا يعني إجابة قاطعة برفض الطلب، خصوصاً ان «أبو هريرة مسلم عامي» بحسب أحد الذين يعرفون نبيل رحيم، ثم ان «فتح الإسلام» تضم «اخوة لا بأس في مساعدتهم اذا أمكن ذلك، من دون ان تعني المساعدة تبنيهم»! على هذا النحو أجاب صديق نبيل رحيم عندما طلب منه تخيل إجابة الأخير عن طلب «أبو هريرة».
ولد نبيل رحيم في طرابلس 1972 في منطقة أبي سمرا. ويقول صديقه الشيخ بلال دقماق انه «التزم مبكراً إذ لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره عندما تبنى العقيدة والنهج السلفي على يد الشيخ داعي الإسلام الشهال، وكذلك درس على يد الشيخ الشهيد أسامة القصاص» الذي يقول دقماق انه قتل على يد مجموعة من «الأحباش» عام 1988.
بعد ذلك وبحسب دقماق وأصدقاء آخرين لرحيم حصّل الأخير الكثير من «العلوم الشرعية والدينية تحصيلاً شخصياً، الى أن عاد والتحق بجمعية الهداية والإحسان الإسلامية التي يديرها الشيخ داعي الإسلام الشهال وبقي فيها الى أن حُلّت بسبب صدور كتاب عنها يتحدث عن الأديان والفرق المعاصرة اعتبر مسيئاً للوحدة الوطنية، عام 1996. بعد حل الجمعية عمل مدرساً وموظفاً في دار للعلوم الشرعية يديرها الشيخ زهير عيسى. ثم انتقل بعدها الى معهد دار الحديث فعمل فيه مدرساً وموظفاً، علماً أن هذا المعهد تابع للوقف السنّي لبلدة إيعال ومركزه في أبي سمرا، وهو مخصص لتدريس النساء وبقي فيه حتى تواريه.

التعليقات