الدكتور محمد عايش :الفجوة الرقمية بين الدول الصناعية والدول النامية في طريقها للزوال

ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة

قال الدكتور محمد عايش عميد كلية الاتصال بجامعة الشارقة إن الواقع الفعلي حول العالم يبرز فجوات عميقة وأوضاعا مريرة حول مدى وكيفية استثمار المعرفة في تحقيق التنمية المبتغاة،حيث تشير البيانات التي تصدرها المنظمات الدولية المتخصصة ومراكز البحوث في حقول المعرفة والمعلوماتية إلى أن الشمال يستحوذ على معظم الموارد المعلوماتية في العالم، وهو الذي يسيطر على مسار تدفقها وكيفية استثمارها وتحويلها إلى معرفة مفيدة.

واوضح في ورقة بحثية قدمها الي مؤتمر اكاديمي اعلامي في مسقط مؤخرا ان البيانات الواردة في تقرير اليونيسكو لعام 2005 تشير إلى أن هناك 11% من سكان العالم لديهم قدرة النفاذ إلى شبكة الإنترنت، وأن 90% ممن يصلون للإنترنت يعيشون في المجتمعات الصناعية.

ومع بداية التسعينات من القرن الماضي، قادت ثورة المعلومات الرقمية إلى بلورة أطر ومقاييس جديدة لمستوى المعلوماتية في المجتمعات المعاصرة، تأخذ بعين الاعتبار حالة الاندماج اللامسبوقة بين صناعات الاتصالات والحواسيب والإعلام، وهي تعمل عبر منظومات شبكية متكاملة عمادها الوسائط المتعددة التفاعلية وقواعد البيانات. ومن هذه المؤشرات مؤشر جاهزية التشابك، ومقياس مجتمع المعرفة المعتمدين من البنك الدولي.

وقال ان نتائج الإحصاءات العالمية ظلت تشير دائما إلى تصدر الدول الصناعية في أمريكا الشمالية وغربي أوروبا واليابان لدول العالم الأخرى في مستويات الكثافة الهاتفية، وهو ما كان يقرن بمستويات تطورها الاقتصادي والاجتماعي.

ومع حلول الألفية الثالثة، أصبح كل بلد في العالم تقريبا على اتصال بشبكة الإنترنت مقارنة مع عام ،1988 عندما كانت هذه الخدمة متوفرة في سبع دول مرتبطة بشبكة مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية التي شكلت جهودها نواة لنشوء شبكة الإنترنت. وبعد عشر سنوات، ارتفع عدد الدول التي تتوافر فيها خدمة الإنترنت إلى 200 دولة ومنطقة جغرافية، معظمها كان يملك النفاذ للخدمة مع حلول عام 2007.

وتتألف الإنترنت من شبكة معقدة من الحواسيب المتشابكة بشكل دائم مرتبطة بشبكات حاسوب مؤقتة يستخدمها الأفراد عند النفاذ للشبكة، وتسمى المجموعة الأولى بالمواقع المضيفة، وبلغ عددها 100 مليون مع بداية عام ،2001 وشهد العالم نموا في عدد المزودات الخادمة من 75 ألفاً مع نهاية عام 1995 إلى أكثر من 25 مليوناً مع نهاية عام 2000 حيث بلغ معدل النمو 158% في ذلك العام، وتشمل المزودات الخادمة في الشبكة العنكبوتية ما يعادل 25% من مجموع المواقع المضيفة على الشبكة.

وفي عام ،2000 بلغ عدد مستخدمي الإنترنت الجدد 80 مليونا ما رفع عدد المستخدمين الكلي للشبكة العالمية إلى 315 مليونا ما أكسب 5% من العالم القدرة على النفاذ إلى الشبكة. ولاحظ الباحثون بقلق انخفاض عدد مستخدمي الإنترنت إلى أدنى حد له عام ،2000 وربما يكون سبب ذلك التراجع الذي شهده الاقتصاد المستند للإنترنت كما دلت على ذلك الانهيارات الحادة في أسهم شركات الاتصالات، أو بسبب وصول معدلات الانتشار إلى مستويات التشبع. وتوقعت دراسة نفذتها احدى الشركات لمصلحة “مايكروسوفت” حول الدور الكبير والمتنامي الذي يلعبه قطاع تكنولوجيا المعلومات في تطوير الاقتصاد العالمي، أن تتجاوز الاستثمارات في مجال أجهزة وبرامج الكمبيوتر والخدمات المتعلقة بها التريليون دولار لأول مرة خلال عام ،2002 وتتجاوز 9.1 تريليون دولار مع حول عام 2007.

وأظهرت نفس الدراسة الدولية تسجيل الاستثمارات في قطاع تكنولوجيا المعلومات لنسب نمو سنوية وصلت إلى 10% سنوياً خلال معظم سنوات العقد الماضي، ما يعني القدرة على النمو بنسب أكبر وأسرع من الاقتصاد العالمي بشكل عام.

ويشير تقرير الكوكب الرقمي الذي يصدره التحالف العالمي لخدمات تكنولوجيا المعلومات إلى أن منحنى النمو لا يزال في تصاعد مستمر، حيث ارتفع مستوى الصرف على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عام 2006 إلى أكثر من ثلاثة تريليونات من الدولارات، ويتوقع أن يستمر المؤشر في الصعود خلال العقد المقبل.

التقرير لاحظ أن معدل نمو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات شابه بعض التباطؤ، حيث انخفض من 13% عام 2004 إلى 6% عام ،2006 وأرجع أبرز أسباب هذا التباطؤ إلى حالة الكساد الاقتصادي العالمي عام ،2001 إلا أن سوق المعلومات والاتصالات عاد هادرا عام 2003 حين قفزت نسبة النمو السنوي إلى 11%

وخلال الفترة من 2001 الى،2005 نجح سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمي في تحقيق معدل نمو 8%. ورغم حالات التذبذب، الا إن دول العالم لا تزال ترى فيها أدوات لزيادة معدلات الإنتاجية ورفع مستويات المعيشة وإزالة العوائق أمام مشاركة أكبر في الأسواق العالمية.

حجم الصرف الكلي على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حصل على تريليون دولار إضافي ليرتفع من 1.2 تريليون عام 2001 إلى 2.3 تريليون دولار عام ،2006 ومن المتوقع أن يصل حجم الصرف على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى 9.3 تريليون دولار عام 2009.

تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي للعام ،2006 يشير إلى أن نجاح الدول يعتمد على قدرة الحكومات وقطاع الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني على بلورة آليات تسهل التعاون والتشاور وتعطي أولوية للتعليم والتدريب،وأن من عناصر هذه الاستراتيجية تسخير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لمساندة العملية التنموية، مما يعني أن الازدهار يعتمد على مدى استثمار كل من الطاقة البشرية والتكنولوجيا لتعزيز مستوى الإنتاجية.

ولا تزال الفجوة الرقمية بين الدول الصناعية والدول النامية تشكل واحدة من القضايا التي شغلت الباحثين وصناع القرار في الجانبين خلال العقدين الماضيين، حيث إن الدول الصناعية في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان تستحوذ على الموارد الاتصالية والمعلوماتية من حيث التصنيع والاستخدام.

قمة المعلومات العالمية عام 2005 كشفت عن وجود 76% من أجهزة الحاسوب، و68% من مستخدمي الإنترنت، و55%من أجهزة الهاتف المتحرك، و49% من أنظمة الهاتف الثابت في الدول المتقدمة التي لا يزيد عدد سكانها على 17% من سكان العالم. وأن تحولا مهماحدث في معدلات امتلاك أجهزة الهاتف المتنقل بين الدول المتقدمة والدول النامية، حيث ارتفع عدد المستخدمين في المتقدمة من 31 مليوناً عام 1993 إلى 244 مليوناً عام 1998 وإلى 734 مليوناً عام ،2003 مقارنة بثلاثة ملايين فقط عام ،1993 و80 مليوناً عام 1998 و608 ملايين عام 2003 في الدول النامية.

أما عدد مستخدمي الإنترنت، فقد ارتفع في الدول المتقدمة والنامية من 10 ملايين و400ألف عام 1993 إلى 161 مليوناً و20 ألفاً عام 1998 وإلى 499 مليوناً و239 ألفاً عام 2003.

ولاحظ الدكتور عايش أن الفجوة الرقمية بين الجانبين في طريقها للزوال من الناحية الكمية، غير أن متغيرات أخرى تتعلق بالموارد المتاحة وعدد السكان، والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة تظل عوامل حاسمة في تحديد المخرجات المتوقعة من تسخير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مسيرة التطور؟

فالمسألة ليست متعلقة فقط بحجم تدفق المعلومات عبر الشبكات بقدر ما تتعلق أساسا بقدرة المجتمعات على تحويلها إلى “معرفة” يمكن استثمارها في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، وهو ما يتطلب منظومات متكاملة من البنى التحتية التكنولوجية والحوافز والابتكار والتعليم والتدريب، وفق المقياس المعتمد من البنك الدولي لاقتصاد المعرفة.

ركائز أساسية

ومضي قائلا / كان من تأثيرات قمتي المعلومات في جنيف وتونس أن أثارتا نقاشات حادة في العالم حول كيفية تحول الأفكار المتعلقة بمجتمع المعلومات والمعرفة إلى برامج وسياسات تسهم في تحقيق أكبر قدر من المساواة والعدالة في المجتمع من خلال تسخير الموارد المعرفية لخدمة أهداف التنمية المستدامة.

وذكر ان القضية الأساسية التي يرتكز عليها مفهوم مجتمع المعرفة تتعلق أساسا بحقوق الاتصال للأفراد والجماعات، وهي موجودة بالفعل في الكثير من القوانين والمواثيق الدولية بشكل نصوص تحض على حرية التعبير، وحرية الصحافة، والحكم الديمقراطي للإعلام، والوصول إلى المعلومات، وشفافية الحكم الرشيد، وحق المشاركة في الثقافة، والتعليم، والتجمعات السلمية، وغير ذلك.

وقد لاحظت التقارير التي تصدرها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير وديمقراطية الإعلام أن هذه الحقوق لا تزال تعاني الكثير من الخلل الناجم أساسا عن غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية وتبني المناهج الاستبدادية والتسلطية في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بحاضر المجتمع ومستقبله.

الكثير من الباحثين يرون أنه بينما قدمت تكنولوجيا المعلومات الكثير من الفرص لتعظيم حرية التعبير والمشاركة السياسية والثقافية للأفراد والجماعات، الا أنها - في ذات الوقت - أسهمت في وضع العراقيل أمام الوصول إلى حالة متوازنة من المشاركة والتفاعل بسبب احتكار مصادر المعلومات وموارد المعرفة، ووضع القيود على حق الوصول إليها وتوظيفها بالشكل الإبداعي المطلوب.

هذه الرؤى المتعلقة بحق الاتصال كأحد حقوق الإنسان الأساسية أسهمت في تفعيل الجدل الذي دار في مداولات قمتي المعلومات العالميتين، إلا أن البيان النهائي لقمة جنيف -على سبيل المثال - أكد على حق الاتصال باعتبار أن الاتصال هو عملية اجتماعية أساسية لأنها تلبي الحاجات الإنسانية وتسهم في بناء المجتمعات. كما أن البيان النهائي لقمة تونس أشار بوضوح لهذا الجانب في نص يقول: “نؤكد من جديد رغبتنا والتزامنا ببناء مجتمع معلومات جامع وذي توجه تنموي ويضع البشر في صميم اهتمامه، يقوم على أساس أغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والتعددية والاحترام الكامل والالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حتى يتسنى للناس في كل مكان إنشاء المعلومات، والمعارف والنفاذ إليها، واستعمالها والمشاركة فيها وتبادلها، كي يحققوا إمكاناتهم بالكامل، ويبلغوا الأهداف والمقاصد الإنمائية المتفق عليها دوليا، بما في ذلك الأهداف الإنمائية للألفية”.

المبادئ الأساسية التي يقوم عليها مجتمع المعرفة يمكن تلخيصها في أن مجتمع المعرفة هو الذي يعزز مفهوم التشارك، ويجب عدم استبعاد أي فرد من عملية التفاعل مع المعرفة لخدمة التنمية المستدامة،وإن نشر تكنولوجيا المعلومات والمعرفة يسهم في خلق فرص جديدة للتنمية ليس فقط ببعدها الاقتصادي، بل بأبعادها الأخرى الثقافية والاجتماعية والسياسية والإنسانية، وإن مجتمعات المعرفة ليست محصورة في مجتمع المعلومات حيث إن الأخير يتعلق أساسا بالجوانب التقنية والفنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال بينما يتعلق الأول بالجوانب الإنسانية في أبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية،وإن مجتمعات المعرفة تمثل مقاربة مناسبة للتعامل مع التنمية في دول الجنوب النامية، حيث من خلال تعزيز المشاركة وتأكيد البعد المركزي للإنسان، يمكن إعادة النظر في نماذج التنمية التقليدية المستندة إلى قطع مسافات بعيدة للوصول إلى ما يشبه الأهداف التنموية وهو ما يحتاج للكثير من التضحيات ونظم السيطرة الاستبدادية.

التعددية الثقافية

وفيما يتعلق بالتعددية الثقافية، يقول الدكتور عايش إنها تعاني من مخاطر وتهديدات متنوعة يتمثل أخطرها في عملية تفصيل مقاس واحد للثقافات بصرف النظر عن خصوصياتها تحت مسميات العولمة أو التطور. كما أن تفتيت التعددية الثقافية يأخذ أشكالا متنوعة أبرزها إساءة استخدام اللغات الأم في المجتمعات، واندثار التقاليد، وتهميش الثقافات الضعيفة.

السؤال المطروح في هذا السياق يتعلق بنوعية المعرفة المؤمل تحقيقها، هل هي مجرد معرفة علمية وتكنولوجية تحتكرها الدول الصناعية؟

المقاربات التكنولوجية والفنية لمجتمع المعرفة لا يمكن أن تصل إلى حالة من التعددية الثقافية التي تسعى منظمات دولية مثل اليونيسكو إلى تحقيقها.

ووفق تقرير اليونيسكو حول مجتمعات المعرفة، هناك ثلاثة أركان تقوم عليها هذه المجتمعات. الأول، يتمثل في التجويد الأفضل للأشكال الموجودة بهدف تجسير الفجوة المعرفية الحالية مما يتطلب تحديد ملامح المعرفة المحلية وبلورة الآليات المناسبة لدمجها في المنظومة المعرفية المناسبة للمجتمع بحيث تغدو عنصر قوة في مسيرته نحو تحقيق التنمية المستدامة.

أما الركن الثاني، فيتمثل في الوصول إلى مجتمعات المعرفة “التشاركية” التي تشمل أطرافا متنوعة لها مصلحة في تسخير المعرفة لخدمة أهداف المجتمع، وهو ما يتطلب بناء منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية تسمح بحرية وصول الأفراد لموارد المعرفة وتحويلها إلى مشاريع نافعة للمجتمع.

ويشمل الركن الثالث دمجا أفضل لسياسات المعرفة بناء على تحديد أهداف واضحة يمكن تحقيقها في أرض الواقع.

ويقول الدكتور محمد ابراهيم عايش إن معظم النظم الاقتصادية العربية وضعت نصب عينيها هدف التحول إلى اقتصادات المعرفة خلال عقدين من الزمن، إلا أنه رغم الحماس الذي يبديه رجال الأعمال العرب في هذا الإطار، فإن الطريق لا يزال طويلا.

المشاركون في قمة المنطقة العربية للإنترنت والاتصالات التي نظمها الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية في مسقط منتصف عام 2001 لاحظوا أن نسبة الانتشار في العالم العربي كانت آنذاك تعادل 2.2%، وهي نصف المعدل العالمي، وأن هناك نسبة متدنية من المحتوى باللغة العربية على شبكة الإنترنت، وأن أسعار الاشتراك وامتلاك أجهزة الحاسوب تبدو عالية مقارنة مع مستويات الدخل السائدة مما يحول دون وصول نسبة عالية من الأفراد للشبكة العنكبوتية،كما لاحظوا شح المعلومات حول واقع سوق الإنترنت في البلاد العربية مما يحول دون بلورة تحليلات علمية دقيقة للواقع. وفيما يتعلق بقطاع الاتصالات- وهو التوأم الطبيعي لتكنولوجيا المعلومات- لا يزال يخضع لإدارة وملكية القطاع الحكومي أو المختلط بنسبة 98%، وذلك رغم المباشرة في برامج الخصخصة الاقتصادية.

اقتصاد المعرفة

ومن ناحية أخرى، هناك توجها عربيا نحو قبول وتشجيع الحصول على اقتصاد المعرفة برز في البيان النهائي للقمة العربية التي عقدت في عمان مارس ،2001 حيث نصت الفقرة الخاصة بتقنية المعلومات على أنه “.. إدراكا من القادة بأن ثورة الاتصالات والمعلومات أخذت تتخطى الحواجز الجغرافية فإنهم يؤكدون على إيلاء الأولوية لتطوير القدرات العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واعتبارها مجالا حيويا للتعاون والتنسيق على المستوى العربي”. ويرى بعض الباحثين أنه رغم التجارب الديمقراطية المحدودة في البلاد العربية والمتمثلة في انتخاب المجلس البرلمانية والبلدية، فإن الحرية السياسية والاجتماعية لا تزال أسيرة منظومات معقدة من التسلط والسيطرة لها جوانب رسمية واضحة وأخرى غير رسمية وخفية. فهناك الكثير من قوانين الطوارئ المطبقة في دول عربية تسهم في تقييد حرية العمل السياسي وحرية التعبير بشكل لا يوحي بأن هناك تغييرات ذات دلالة ستجري في المستقبل القريب،كما أن قوانين الانتخابات وتنظيم الأحزاب لا تزال تخضع لسيطرة الأجهزة الحكومية بشكل يحول دون بروز بدائل سياسية يعتد بها.

ومع اختلاف نسبي في التعامل مع قيم الحرية والمشاركة من نظام سياسي عربي إلى آخر، فإن هناك قاسما مشتركا يجمعها، وهو التضييق على حرية الصحافة وملاحقة الصحافيين، رغم ما تقوله جميع الأنظمة العربية من احترامها للحريات الديمقراطية، كما أن الخطاب الإعلامي العربي ما زال يعاني الأحادية، والرسمية، والانفعالية، والانفصامية، والتضخيم.

مجتمع المعرفة وقطاع الاعلام

وحول العلاقة بين مجتمع المعرفة وقطاع الاعلام في العالم العربي يقول الدكتور عايش :إذا كان مجتمع المعرفة يرتكز على مفاهيم التشارك والحرية والتفاعل والقدرة على الوصول للمعلومات واستثمارها بشكل إيجابي لخدمة المجتمع، فإن الإعلام العربي بحاجة لبذل المزيد من الجهود للمساهمة في دفع عجلة مجتمع المعرفة للأمام. وعند الحديث عن دور الإعلام العربي في إرساء دعائم مجتمع المعرفة، فإننا نتحدث عن مجموعة توجهات ونظم بنيوية تسهم في حرية نشر المعرفة وتلقيها وحرية الوصول إليها والتشارك فيها وتوظيفها بشكل إبداعي وحر في تحقيق مبادئ وقيم الحرية التعددية والاستقلالية والشعور بالهوية، وهنا لا يمكن أن نفصل ما حققه الإعلام العربية من دور في تعزيز مجتمع المعرفة عن السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي الذي نشأ وتطور فيه. ومن الممكن القول إن الإعلام العربي حقق إنجازات مهمة في بنيته التكنولوجية المتمثلة في توظيف التقنيات الرقمية في الإنتاج والتوزيع الإعلامي بدءا بإحلال المنظومة الرقمية مكان المنظومة التماثلية في العمل الإعلامي وانتهاء باستثمار شبكة الإنترنت في الاتصال التفاعلي مع الجماهير،غير أن هذه الإنجازات لم تكن مصحوبة بإنجازات متعلقة بالدور السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي للإعلام في مجتمعات تعاني تدني مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الأمية -70 مليون أمي خلال العام الماضي- كما أن الإعلام لا يزال حبيس القيود السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون لعبه دورا فاعلا في تحقيق مقومات مجتمع المعرفة .

التعليقات