أسئلة ساخنة فجرتها شائعة مرض الرئيس مبارك
أسئلة ساخنة فجرتها شائعة مرض الرئيس
محمود بكري
كانت الأيام الماضية حافلة.. وصادمة في الآن ذاته.. فمنذ منتصف الأسبوع لم يكن من حديث في شوارع، ومنتديات، وأزقة، وحواري، ونوادي ومنتجعات مصر سوي الأنباء التي راحت تتواتر في كل أنحاء الوطن.. تحمل جميعها عنوانا واحدا 'صحة الرئيس'.
صديق يوقظك في ساعة متأخرة من الليل ليسألك بقلق 'هو إيه اللي حصل للرئيس'.. مواطن يتصل علي هواتف الصحيفة التي لم تكف عن الرنين ليستفسر في حذر عن هذا السيل المنهمر من الأقوال التي تغرق شوارع البلاد.. وتحولت إلي قاسم مشترك تتجاذبه الأسر والعائلات، ومنتديات الأصدقاء.. أحاديث 'الشات'
علي 'النت' تحولت بدورها إلي ساحة خصبة لشائعات لا تنتهي، وتعبيرات شتي، راحت تضع المزيد من الرؤي والتفسيرات حول ما حدث.. ومن رجل الشارع إلي شخصيات تشغل مناصب مهمة في مواقع العمل راحت الشائعات تتدحرج.. ككرة الثلج،، التي انتقلت بسرعة صاروخية لتسيطر علي أجواء الحياة في مصر.
من موقع لموقع.. ومن مكان لمكان.. راحت سحب الشائعات تتكاثر.. لترسم لوحة مخيفة لواقع شديد الوطأة.. ومستقبل يحيط بالوطن في ظل جدران متهاوية.. وأفق يقترب من المجهول.. فالأزمة السياسية مستحكمة في البلاد.. وعلاقات القوي السياسية تمر بمخاض صعب.. والتجاذبات الخارجية تلقي بشباكها في التربة التي تتعرض لاختراقات كثيفة.. وأوضاع النسيج الوطني بمسلميه وأقباطه تجتاز اختبارات بالغة الحساسية.. فيما مشعلو الحرائق يقفون خلف الأبواب الموصدة.. ينتظرون لحظة الانتظار الكبري.. ليواصلوا طريق هدم حصون الوطن.
راحت السحب الظلامية تتجمع.. وغابت المعلومات.. وغاب معها الرئيس منذ آخر ظهور له في الاجتماع الحكومي الموسع في قصر رأس التين في الثامن من أغسطس الجاري.. يومها استدعي الرئيس مبارك.. أركان حكومته، يتقدمهم رئيسها الدكتور أحمد نظيف.. جاء بهم من مصايفهم الفاخرة.. فيما كانت استغاثات العطشي تنطلق من أرجاء عديدة في مصر.. مدوية... صارخة.. معبرة عن واقع بات أكثر ألما.. بعد أن أصبح بلد 'نهر النيل' يضن علي أولاده بقطرة ماء نظيفة تروي ظمأهم.
بدت رسالة الرئيس مبارك واضحة آنذاك.. فالأوضاع الآخذة في التداعي علي المستويات كافة لم تعد تتحمل المزيد من الصبر والأقوال التي راجت حول التغيير الوزاري، أضفت مزيدا من التأزم علي حالة العنت التي باتت محور حياة المواطن المصري. يومها أراد الرئيس أن يطلع الوزراء علي حدود مسئولياتهم في مواجهة واقع وضع حكومة الدكتور نظيف كواحدة من أكثر الحكومات كرها من المصريين.. وأراد أيضا أن يعضد من عزم رئيس الحكومة، وأن يطمئنه.. ولو إلي حين بأن وجوده في رئاسة الحكومة مازال قائما.. وأن أوان تغييره لم يحن بعد.
فهم الناس مغزي رسالة الرئيس الذي كانت كلماته لرؤساء تحرير صحف الحكومة إبان عودته من الخارج بمثابة رسالة تحذير لكل من توهموا أن زمن التغيير بات وشيكا.. وأن موسم الهجوم علي الحكومة الراحلة قد حان.. فمضي بعضهم يتهجم علي الدكتور نظيف.. يبشر باقتراب موسم 'قلشه' ويري في المرحلة فرصة لاستعراض مهاراته في 'المعارضة' خلال مراحل 'الاسترخاء الحكومي'.
وما أن جاءت كلمات الرئيس واضحة، وحاسمة.. في الإبقاء علي حكومة الدكتور نظيف حتي أعاد 'كتبة الحكومة' أقلامهم إلي 'غمدها' لتدخل مجددا إلي 'الثلاجة'.. ويستبدلونها بأقلام أخري.. تنتفض للدكتور نظيف، وتمجد لإنجازاته، مبررة لأخطائه، ومدافعة عن خطاياه.. لتعود مرة أخري إلي 'وادي تزييف الواقع' علي حساب 'رؤية الحقيقة المجردة'.
>>>
غاب الناس في كرب، وهم.. وراحوا يتأملون كيف سيواجهون أياما أخري قاسية حقق فيها رئيس الحكومة إنجازات، وانتصارات كبيرة علي مواطنيه.. حين ألهبت حكومته أسعار كل شيء.. وبات المواطن المصري يحدث نفسه من كثرة الأعباء التي راحت تزحف عليه بقسوة.. وهو يواجه لهيب الاسعار التي طالت كل شيء بطوفان المصروفات المطلوبة منه، وهو يقترب من بدء موسم الدراسة، وما يستلزمه ذلك من مواجهة أعباء مصروفات المدارس وملابس الأولاد.. ونفقات شهر رمضان واحتياجات الأسر التي لا تنتهي.
ويبدو أنه.. وفي غمار طغيان الهموم علي المواطنين لم يلتفت غالبية الناس إلي غياب الرئيس مبارك عن الساحة الاعلامية لفترة من الوقت.. بيد أن طول مدة الغياب لفت الأنظار.. وترك البلد نهبا لسيل من الاشاعات راحت تنطلق من هنا، وهناك.. لتتحول في نهاية الأمر إلي قضية رئيسية تشغل الرأي العام بكل طوائفه.. تلوكها الألسن، وتتحدث عنها المنتديات.. وتتبادلها رسائل الموبايلات.. وراحت عشرات، ومئات الأسئلة تتفجر من بين شلالات الشائعات التي لم تجد من يواجهها قبل أن يطلق المتحدث باسم الرئاسة 'سليمان عواد' تصريحا جاء متأخرا بعض الشيء يبشر فيه بظهور أكيد للرئيس من خلال زيارة يقوم بها إلي 'القرية الذكية' الخميس الماضي.
جاء تصريح المتحدث باسم الرئاسة ليهدئ من حالة القلق التي انتابت المجتمع بعد أن تصاعدت الشائعات، وراجت، وبات العشرات، بل المئات من المستثمرين يضعون أيديهم علي قلوبهم خوفا من أية تطورات دراماتيكية قد تحدث.. وراحت دوائر المال في البورصة وسوق المال ترصد عمليات البيع والشراء بعد أن غلب هاجس مرض الرئيس ما عداه.. وانكبت السفارات الأجنبية لاهثة وراء الشائعة التي انتقلت من أرصفة الشوارع.. وحواري الأزقة إلي أندية الدبلوماسيين وأبواب السفارات، ورواد الأماكن الفاخرة.
كان كل شيء يشي بلحظات ترقب طويلة.. وبطيئة..ينتظر المصريون.. من يبددها.. خاصة أن الشائعات راحت تنتقل سريعا من مرض عادي ألم بالرئيس إلي دخوله مرحلة قلقة للغاية حتي أن بعض الروايات التي نسجتها عقول الشائعات راحت تروج أحاديث تقول إنه تم نقل الرئيس إلي باريس للعلاج.. فيما رددت روايات أخري توجهه إلي ألمانيا.. وراحت أخري ترسم سيناريو أكثر قتامة لواقع ما يتردد في الشارع المصري، ودوائره القلقة.. خاصة أن البعض راح يذكر أماكن علاجية بعينها نقل إليها الرئيس لتلقي العلاج.
>>>
وسط حالة القلق التي سرت في المجتمع المصري مع سريان شائعة مرض الرئيس.. كانت دوائر الحكم المختلفة تؤكد سلامته، وبينما أغلق العديد من كبار المسئولين هواتفهم مما ضاعف من حالة القلق كانت أوساط مطلعة تؤكد أن الرئيس مبارك بخير وعافية ويقضي إجازته الصيفية في منطقة برج العرب بالإسكندرية كعادته كل عام.. ورأت فيما يجري تداوله من أقوال ليس أكثر من شائعات لها أهدافها المعروفة لمروجيها.
ويبدو أن تخوف بعض المسئولين من التعاطي مع الشائعات التي أغرقت الشارع المصري قد دفع لتنامي وتزايد الأقاويل التي راحت تتردد بقوة ، حتي أن العديد من وسائل الاعلام والمحطات الفضائية راحت تعد برامج كاملة. وتستعد بما لديها من وثائق ومعلومات ومشاهد فيلمية انتظارا لأي لحظة قد يتأكد فيها مرض الرئيس.. والأدهي أن بعض الفضائيات، والصحف، راحت تتصل بكبار الصحفيين ورجال الاعلام لترتب معهم حوارات وندوات ولقاءات لمتابعة الشأن الصحي للرئيس مبارك.
انشغل الجميع بالشائعة.. وتنامت للدرجة التي يبدو أن الرئيس قد وجد نفسه مضطرا للظهور بنفسه لتبديد الشائعة.. وحتي لا يستمر مسلسل الترويج الذي شغل المجتمع برمته.. يبدو أن الرئيس رأي وبالتنسيق مع بعض مستشاريه ألا تبدو عملية ظهوره مثيرة للجدل مرة أخري.. كأن يظهر جالسا في استقبال أحد الضيوف، أو الشخصيات العامة.. لأن من شأن ذلك أن يفسر تفسيرات متباينة حول الحالة المرضية للرئيس.. لذا فقد بدت فكرة زيارته للقرية الذكية، وتجواله فيها، والحديث إلي الوزراء بمثابة الخطوة الأكثر قبولا لطمأنة الرأي العام بأن الرئيس في كامل صحته وعافيته.
هكذا جاء ظهور الرئيس مبارك وهو يتجول بالقرية الذكية الخميس الماضي، وراحت الصحف الصادرة أمس الجمعة تنشر صورا للرئيس وهو بين وزرائه ورئيس حكومته، وتتابع علي مساحات واسعة تفاصيل جولته... وكان مما استهدفته رسالة ظهور الرئيس للأضواء أن يتأكد الجميع أنه قادر ولا يزال يتابع بدأب واهتمام أحوال واحتياجات المجتمع، ومن هنا جاء تكليفه مجددا للحكومة والمحافظين بضبط الأسعار، خاصة أن حلول شهر رمضان يواكب بدء العام الدراسي الجديد، مما يلقي بأعباء إضافية علي الأسر المصرية، مشددا علي توفير الوجبة المدرسية لجميع التلاميذ.
كانت الزيارة، وتوجيهات الرئيس.. وتصدر صور الجولة والزيارة للصفحات الأولي والرئيسية من صحف يوم الجمعة الماضي بمثابة حسم تأخر كثيرا في مواجهة مروجي الشائعات التي ازدادت وتيرتها إبان السنوات الأخيرة، خاصة مع تقدم الرئيس في العمر، ومحاولة البعض الربط بين الحالة العمرية، والحالة الصحية.
ولعل الكثيرين يتذكرون الشائعة الصاخبة التي انطلقت قبيل عدة سنوات حين خضع الرئيس للعلاج في أحد المستشفيات التابعة للحرس الجمهوري قبل أن يغادر إلي المانيا للخضوع لعملية جراحية في عموده الفقري، لدرجة أن حالته الصحية آنذاك حالت دون أداء وزراء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمامه.
>>>
وقد فجرت الاشاعات التي أحاطت بصحة الرئيس خلال الأسبوع الماضي العديد من الأسئلة الساخنة حول تداعيات اطلاق مثل هذه الشائعات في هذا الوقت بالذات.
فمن ناحية.. انطلقت الشائعات في وقت انطلقت فيه حملة الانتخابات القاعدية للحزب الوطني الحاكم، وهي الانتخابات التي تجري للمرة الأولي علي هذا المستوي منذ تأسيس الحزب الحاكم، وقد واكبت عملية الانتخاب القاعدية حالة من الجدل حول المسئول الأول الذي سيتم انتخابه في الفترة المقبلة، وتحديدا خلال أعمال المؤتمر العام المقبل للحزب المقرر له الثاني من نوفمبر القادم.. وكما هي عادة مثل هذه المؤتمرات فقد راجت شائعات كبري حول احتمالية تصعيد السيد جمال مبارك لموقع قيادي في الحزب، وهو أمر يشكل قفزة نحو سيناريو التوريث كما يردد البعض ولعل إطلاق شائعة مرض الرئيس مع بدء الحملة الانتخابية القاعدية للحزب الوطني يحمل دلالة مقصودة في نظر بعض من استهدف ترويجها.
وجاءت الشائعة أيضا في أعقاب الصخب الحاد الذي فجرته مناقشات الوزراء حول عملية بيع بنك القاهرة، وحدوث عمليات شد وجذب وانقسام داخل مجلس الوزراء إزاء عملية البيع التي تتم بلا ضوابط، وهو ما يعكس ترهلا واضحا في أداء الحكومة المنقسمة علي نفسها.. وفي المجمل فإن الربط بين شائعة مرض الرئيس وانقسام مجلس الوزراء يكشف حالة الاهتراء التي تعيشها النخبة الحاكمة.. وهو أمر مقصود ولاشك في أهداف مروجي تلك الشائعات.
علي أن أخطر الأسئلة التي فجرتها شائعة مرض الرئيس هو ما يتعلق بالمؤهل للحكم خلفا للرئيس حال حدوث أي عارض يحول بينه وبين ممارسته لمهام منصبه.
صحيح أن التعديلات الدستورية الأخيرة وسعت من صلاحيات رئيس الوزراء.. وصحيح أنها نظمت وإلي حد ما طريقة انتخاب الرئيس.. لكن الصحيح أيضا أن حالة الاستقرار التي انتقلت من خلالها السلطة في مصر من الرئيس أنور السادات عشية اغتياله في السادس من أكتوبر للعام 1981- إلي نائبه الرئيس محمد حسني مبارك آنذاك قد وفرت لمصر انتقالا هادئا للسلطة، برغم خطورة وحساسية الأوضاع السياسية والأمنية آنذاك والتي أعقبت مصرع الرئيس السادات إبان العرض العسكري لنصر أكتوبر.. وهو ما تفتقده مصر الآن، فغياب الرئيس تحت أي ظرف من الظروف سوف يثير قلقا شديدا في أوساط المصريين الذين يأملون استقرارا هادئا وانتقالا آمنا للسلطة بالرغم من ثقتهم في أداء وفاعلية المؤسسات الأمنية والسياسية والدستورية.
>>>
بقي القول إن الكثيرين قد يختلفون مع سياسات الرئيس حسني مبارك وأركان حكمه.. لكن الكثيرين تابعوا وقائع الشائعات التي أحاطت بالرئيس في الآونة الأخيرة فيما تملكتهم حالة غير مسبوقة من القلق.. وقد ذهب الكثير من هؤلاء مذاهب شتي في تفسير ظاهرة القلق تلك.. فالبعض رأي في مبارك 'صمام أمن' لوطن تتجاذبه التيارات من كل جانب، والبعض رأي في سياسته الهادئة 'أمانا مفقودا' في المحيطين العربي والدولي.. فيما حكمت رؤية البعض لافتة ترفع شعار 'الخوف من المجهول'.
*الاسبوع المصرية
محمود بكري
كانت الأيام الماضية حافلة.. وصادمة في الآن ذاته.. فمنذ منتصف الأسبوع لم يكن من حديث في شوارع، ومنتديات، وأزقة، وحواري، ونوادي ومنتجعات مصر سوي الأنباء التي راحت تتواتر في كل أنحاء الوطن.. تحمل جميعها عنوانا واحدا 'صحة الرئيس'.
صديق يوقظك في ساعة متأخرة من الليل ليسألك بقلق 'هو إيه اللي حصل للرئيس'.. مواطن يتصل علي هواتف الصحيفة التي لم تكف عن الرنين ليستفسر في حذر عن هذا السيل المنهمر من الأقوال التي تغرق شوارع البلاد.. وتحولت إلي قاسم مشترك تتجاذبه الأسر والعائلات، ومنتديات الأصدقاء.. أحاديث 'الشات'
علي 'النت' تحولت بدورها إلي ساحة خصبة لشائعات لا تنتهي، وتعبيرات شتي، راحت تضع المزيد من الرؤي والتفسيرات حول ما حدث.. ومن رجل الشارع إلي شخصيات تشغل مناصب مهمة في مواقع العمل راحت الشائعات تتدحرج.. ككرة الثلج،، التي انتقلت بسرعة صاروخية لتسيطر علي أجواء الحياة في مصر.
من موقع لموقع.. ومن مكان لمكان.. راحت سحب الشائعات تتكاثر.. لترسم لوحة مخيفة لواقع شديد الوطأة.. ومستقبل يحيط بالوطن في ظل جدران متهاوية.. وأفق يقترب من المجهول.. فالأزمة السياسية مستحكمة في البلاد.. وعلاقات القوي السياسية تمر بمخاض صعب.. والتجاذبات الخارجية تلقي بشباكها في التربة التي تتعرض لاختراقات كثيفة.. وأوضاع النسيج الوطني بمسلميه وأقباطه تجتاز اختبارات بالغة الحساسية.. فيما مشعلو الحرائق يقفون خلف الأبواب الموصدة.. ينتظرون لحظة الانتظار الكبري.. ليواصلوا طريق هدم حصون الوطن.
راحت السحب الظلامية تتجمع.. وغابت المعلومات.. وغاب معها الرئيس منذ آخر ظهور له في الاجتماع الحكومي الموسع في قصر رأس التين في الثامن من أغسطس الجاري.. يومها استدعي الرئيس مبارك.. أركان حكومته، يتقدمهم رئيسها الدكتور أحمد نظيف.. جاء بهم من مصايفهم الفاخرة.. فيما كانت استغاثات العطشي تنطلق من أرجاء عديدة في مصر.. مدوية... صارخة.. معبرة عن واقع بات أكثر ألما.. بعد أن أصبح بلد 'نهر النيل' يضن علي أولاده بقطرة ماء نظيفة تروي ظمأهم.
بدت رسالة الرئيس مبارك واضحة آنذاك.. فالأوضاع الآخذة في التداعي علي المستويات كافة لم تعد تتحمل المزيد من الصبر والأقوال التي راجت حول التغيير الوزاري، أضفت مزيدا من التأزم علي حالة العنت التي باتت محور حياة المواطن المصري. يومها أراد الرئيس أن يطلع الوزراء علي حدود مسئولياتهم في مواجهة واقع وضع حكومة الدكتور نظيف كواحدة من أكثر الحكومات كرها من المصريين.. وأراد أيضا أن يعضد من عزم رئيس الحكومة، وأن يطمئنه.. ولو إلي حين بأن وجوده في رئاسة الحكومة مازال قائما.. وأن أوان تغييره لم يحن بعد.
فهم الناس مغزي رسالة الرئيس الذي كانت كلماته لرؤساء تحرير صحف الحكومة إبان عودته من الخارج بمثابة رسالة تحذير لكل من توهموا أن زمن التغيير بات وشيكا.. وأن موسم الهجوم علي الحكومة الراحلة قد حان.. فمضي بعضهم يتهجم علي الدكتور نظيف.. يبشر باقتراب موسم 'قلشه' ويري في المرحلة فرصة لاستعراض مهاراته في 'المعارضة' خلال مراحل 'الاسترخاء الحكومي'.
وما أن جاءت كلمات الرئيس واضحة، وحاسمة.. في الإبقاء علي حكومة الدكتور نظيف حتي أعاد 'كتبة الحكومة' أقلامهم إلي 'غمدها' لتدخل مجددا إلي 'الثلاجة'.. ويستبدلونها بأقلام أخري.. تنتفض للدكتور نظيف، وتمجد لإنجازاته، مبررة لأخطائه، ومدافعة عن خطاياه.. لتعود مرة أخري إلي 'وادي تزييف الواقع' علي حساب 'رؤية الحقيقة المجردة'.
>>>
غاب الناس في كرب، وهم.. وراحوا يتأملون كيف سيواجهون أياما أخري قاسية حقق فيها رئيس الحكومة إنجازات، وانتصارات كبيرة علي مواطنيه.. حين ألهبت حكومته أسعار كل شيء.. وبات المواطن المصري يحدث نفسه من كثرة الأعباء التي راحت تزحف عليه بقسوة.. وهو يواجه لهيب الاسعار التي طالت كل شيء بطوفان المصروفات المطلوبة منه، وهو يقترب من بدء موسم الدراسة، وما يستلزمه ذلك من مواجهة أعباء مصروفات المدارس وملابس الأولاد.. ونفقات شهر رمضان واحتياجات الأسر التي لا تنتهي.
ويبدو أنه.. وفي غمار طغيان الهموم علي المواطنين لم يلتفت غالبية الناس إلي غياب الرئيس مبارك عن الساحة الاعلامية لفترة من الوقت.. بيد أن طول مدة الغياب لفت الأنظار.. وترك البلد نهبا لسيل من الاشاعات راحت تنطلق من هنا، وهناك.. لتتحول في نهاية الأمر إلي قضية رئيسية تشغل الرأي العام بكل طوائفه.. تلوكها الألسن، وتتحدث عنها المنتديات.. وتتبادلها رسائل الموبايلات.. وراحت عشرات، ومئات الأسئلة تتفجر من بين شلالات الشائعات التي لم تجد من يواجهها قبل أن يطلق المتحدث باسم الرئاسة 'سليمان عواد' تصريحا جاء متأخرا بعض الشيء يبشر فيه بظهور أكيد للرئيس من خلال زيارة يقوم بها إلي 'القرية الذكية' الخميس الماضي.
جاء تصريح المتحدث باسم الرئاسة ليهدئ من حالة القلق التي انتابت المجتمع بعد أن تصاعدت الشائعات، وراجت، وبات العشرات، بل المئات من المستثمرين يضعون أيديهم علي قلوبهم خوفا من أية تطورات دراماتيكية قد تحدث.. وراحت دوائر المال في البورصة وسوق المال ترصد عمليات البيع والشراء بعد أن غلب هاجس مرض الرئيس ما عداه.. وانكبت السفارات الأجنبية لاهثة وراء الشائعة التي انتقلت من أرصفة الشوارع.. وحواري الأزقة إلي أندية الدبلوماسيين وأبواب السفارات، ورواد الأماكن الفاخرة.
كان كل شيء يشي بلحظات ترقب طويلة.. وبطيئة..ينتظر المصريون.. من يبددها.. خاصة أن الشائعات راحت تنتقل سريعا من مرض عادي ألم بالرئيس إلي دخوله مرحلة قلقة للغاية حتي أن بعض الروايات التي نسجتها عقول الشائعات راحت تروج أحاديث تقول إنه تم نقل الرئيس إلي باريس للعلاج.. فيما رددت روايات أخري توجهه إلي ألمانيا.. وراحت أخري ترسم سيناريو أكثر قتامة لواقع ما يتردد في الشارع المصري، ودوائره القلقة.. خاصة أن البعض راح يذكر أماكن علاجية بعينها نقل إليها الرئيس لتلقي العلاج.
>>>
وسط حالة القلق التي سرت في المجتمع المصري مع سريان شائعة مرض الرئيس.. كانت دوائر الحكم المختلفة تؤكد سلامته، وبينما أغلق العديد من كبار المسئولين هواتفهم مما ضاعف من حالة القلق كانت أوساط مطلعة تؤكد أن الرئيس مبارك بخير وعافية ويقضي إجازته الصيفية في منطقة برج العرب بالإسكندرية كعادته كل عام.. ورأت فيما يجري تداوله من أقوال ليس أكثر من شائعات لها أهدافها المعروفة لمروجيها.
ويبدو أن تخوف بعض المسئولين من التعاطي مع الشائعات التي أغرقت الشارع المصري قد دفع لتنامي وتزايد الأقاويل التي راحت تتردد بقوة ، حتي أن العديد من وسائل الاعلام والمحطات الفضائية راحت تعد برامج كاملة. وتستعد بما لديها من وثائق ومعلومات ومشاهد فيلمية انتظارا لأي لحظة قد يتأكد فيها مرض الرئيس.. والأدهي أن بعض الفضائيات، والصحف، راحت تتصل بكبار الصحفيين ورجال الاعلام لترتب معهم حوارات وندوات ولقاءات لمتابعة الشأن الصحي للرئيس مبارك.
انشغل الجميع بالشائعة.. وتنامت للدرجة التي يبدو أن الرئيس قد وجد نفسه مضطرا للظهور بنفسه لتبديد الشائعة.. وحتي لا يستمر مسلسل الترويج الذي شغل المجتمع برمته.. يبدو أن الرئيس رأي وبالتنسيق مع بعض مستشاريه ألا تبدو عملية ظهوره مثيرة للجدل مرة أخري.. كأن يظهر جالسا في استقبال أحد الضيوف، أو الشخصيات العامة.. لأن من شأن ذلك أن يفسر تفسيرات متباينة حول الحالة المرضية للرئيس.. لذا فقد بدت فكرة زيارته للقرية الذكية، وتجواله فيها، والحديث إلي الوزراء بمثابة الخطوة الأكثر قبولا لطمأنة الرأي العام بأن الرئيس في كامل صحته وعافيته.
هكذا جاء ظهور الرئيس مبارك وهو يتجول بالقرية الذكية الخميس الماضي، وراحت الصحف الصادرة أمس الجمعة تنشر صورا للرئيس وهو بين وزرائه ورئيس حكومته، وتتابع علي مساحات واسعة تفاصيل جولته... وكان مما استهدفته رسالة ظهور الرئيس للأضواء أن يتأكد الجميع أنه قادر ولا يزال يتابع بدأب واهتمام أحوال واحتياجات المجتمع، ومن هنا جاء تكليفه مجددا للحكومة والمحافظين بضبط الأسعار، خاصة أن حلول شهر رمضان يواكب بدء العام الدراسي الجديد، مما يلقي بأعباء إضافية علي الأسر المصرية، مشددا علي توفير الوجبة المدرسية لجميع التلاميذ.
كانت الزيارة، وتوجيهات الرئيس.. وتصدر صور الجولة والزيارة للصفحات الأولي والرئيسية من صحف يوم الجمعة الماضي بمثابة حسم تأخر كثيرا في مواجهة مروجي الشائعات التي ازدادت وتيرتها إبان السنوات الأخيرة، خاصة مع تقدم الرئيس في العمر، ومحاولة البعض الربط بين الحالة العمرية، والحالة الصحية.
ولعل الكثيرين يتذكرون الشائعة الصاخبة التي انطلقت قبيل عدة سنوات حين خضع الرئيس للعلاج في أحد المستشفيات التابعة للحرس الجمهوري قبل أن يغادر إلي المانيا للخضوع لعملية جراحية في عموده الفقري، لدرجة أن حالته الصحية آنذاك حالت دون أداء وزراء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمامه.
>>>
وقد فجرت الاشاعات التي أحاطت بصحة الرئيس خلال الأسبوع الماضي العديد من الأسئلة الساخنة حول تداعيات اطلاق مثل هذه الشائعات في هذا الوقت بالذات.
فمن ناحية.. انطلقت الشائعات في وقت انطلقت فيه حملة الانتخابات القاعدية للحزب الوطني الحاكم، وهي الانتخابات التي تجري للمرة الأولي علي هذا المستوي منذ تأسيس الحزب الحاكم، وقد واكبت عملية الانتخاب القاعدية حالة من الجدل حول المسئول الأول الذي سيتم انتخابه في الفترة المقبلة، وتحديدا خلال أعمال المؤتمر العام المقبل للحزب المقرر له الثاني من نوفمبر القادم.. وكما هي عادة مثل هذه المؤتمرات فقد راجت شائعات كبري حول احتمالية تصعيد السيد جمال مبارك لموقع قيادي في الحزب، وهو أمر يشكل قفزة نحو سيناريو التوريث كما يردد البعض ولعل إطلاق شائعة مرض الرئيس مع بدء الحملة الانتخابية القاعدية للحزب الوطني يحمل دلالة مقصودة في نظر بعض من استهدف ترويجها.
وجاءت الشائعة أيضا في أعقاب الصخب الحاد الذي فجرته مناقشات الوزراء حول عملية بيع بنك القاهرة، وحدوث عمليات شد وجذب وانقسام داخل مجلس الوزراء إزاء عملية البيع التي تتم بلا ضوابط، وهو ما يعكس ترهلا واضحا في أداء الحكومة المنقسمة علي نفسها.. وفي المجمل فإن الربط بين شائعة مرض الرئيس وانقسام مجلس الوزراء يكشف حالة الاهتراء التي تعيشها النخبة الحاكمة.. وهو أمر مقصود ولاشك في أهداف مروجي تلك الشائعات.
علي أن أخطر الأسئلة التي فجرتها شائعة مرض الرئيس هو ما يتعلق بالمؤهل للحكم خلفا للرئيس حال حدوث أي عارض يحول بينه وبين ممارسته لمهام منصبه.
صحيح أن التعديلات الدستورية الأخيرة وسعت من صلاحيات رئيس الوزراء.. وصحيح أنها نظمت وإلي حد ما طريقة انتخاب الرئيس.. لكن الصحيح أيضا أن حالة الاستقرار التي انتقلت من خلالها السلطة في مصر من الرئيس أنور السادات عشية اغتياله في السادس من أكتوبر للعام 1981- إلي نائبه الرئيس محمد حسني مبارك آنذاك قد وفرت لمصر انتقالا هادئا للسلطة، برغم خطورة وحساسية الأوضاع السياسية والأمنية آنذاك والتي أعقبت مصرع الرئيس السادات إبان العرض العسكري لنصر أكتوبر.. وهو ما تفتقده مصر الآن، فغياب الرئيس تحت أي ظرف من الظروف سوف يثير قلقا شديدا في أوساط المصريين الذين يأملون استقرارا هادئا وانتقالا آمنا للسلطة بالرغم من ثقتهم في أداء وفاعلية المؤسسات الأمنية والسياسية والدستورية.
>>>
بقي القول إن الكثيرين قد يختلفون مع سياسات الرئيس حسني مبارك وأركان حكمه.. لكن الكثيرين تابعوا وقائع الشائعات التي أحاطت بالرئيس في الآونة الأخيرة فيما تملكتهم حالة غير مسبوقة من القلق.. وقد ذهب الكثير من هؤلاء مذاهب شتي في تفسير ظاهرة القلق تلك.. فالبعض رأي في مبارك 'صمام أمن' لوطن تتجاذبه التيارات من كل جانب، والبعض رأي في سياسته الهادئة 'أمانا مفقودا' في المحيطين العربي والدولي.. فيما حكمت رؤية البعض لافتة ترفع شعار 'الخوف من المجهول'.
*الاسبوع المصرية

التعليقات