أحرار الجليل تنظيم سري وسط العرب في إسرائيل

أحرار الجليل تنظيم سري وسط العرب في إسرائيل
الشيخ صلاح بجانب والد الخطيب خلال التشييع
غزة-دنيا الوطن

خلال السنوات العشر الماضية، حدثت تغييرات جذرية لجهة التمثيل السياسي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل، ولم يعد مقتصرا على القوى التقليدية الواقعية كالحزب الشيوعي الإسرائيلي، وظهرت قوى إسلامية وقومية، ما لبثت، أن رسخت وجودها على الأرض.وتتخذ هذه القوى، مواقف راديكالية، وأظهرت احتكاكا، بمثيلاتها في الأراضي المحتلة عام 1967، وكذلك مع القوى في الإقليم، مثل حزب الله اللبناني.وكان اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة في نهاية شهر أيلول (سبتمبر) 2000، فرصة لهذه القوى لاختبار قوتها وفعاليتها، فاندلعت فيها انتفاضة أطلق عليها (هبة أكتوبر) قدمت فيها الجماهير العربية في إسرائيل عددا من الشهداء، واظهر التعامل القمعي القاسي من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية معها، تقدير هذه الأجهزة لما رأته خطورة هذه الخطوة.وإذا كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نجحت في إخماد هبة أكتوبر، فإنها كانت تتفاجأ دائما بظهور عدد من الشبان والشابات الفلسطينيات، من حاملي الجنسية الإسرائيلية، وهم يتعاونون مع نشطاء الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.وربما كانت المفاجأة الكبرى، لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية، إقدام أحد المواطنين العرب في إسرائيل على تنفيذ عملية تفجيرية، بعد أن جهز نفسه في مدينة جنين، بالتعاون مع الجناح العسكري لحركة حماس.

واعاد مقتل فلسطيني من قرية كفر مندا في الجليل، خلال تنفيذه لعملية داخل أسوار القدس القديمة، يوم الجمعة الماضي، ضد أهداف إسرائيلية، من جديد الحديث عن النشاط القومي والوطني لشبان من الأقلية العربية في إسرائيل، خصوصا، مع وجود دلائل على إيجاد تعبير سياسي، حتى لو كان سريا، لهذا النشاط.

وعمد الشاب احمد محمود الخطيب (27) عاما، على خطف مسدس حارس إسرائيلي، للمدرسة الدينية الاستيطانية (عطيرت كوهانيم)، في البلدة القديمة من القدس، وحاول الخطيب إطلاق النار على الحارس، ولكن عطلا ما حدث، فلم ينطلق الرصاص، فتدخل حارس آخر باشر بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل الخطيب وعشرة آخرين، حسب الرواية الإسرائيلية، في حين أن مصادر فلسطينية اتهمت الحارس الإسرائيلي بالإجهاز على الشاب الخطيب بعد إصابته، وضربه حتى الموت.

وحضر إلى مكان الحادث بعد وقوعه بفترة وجيرة قائد الشرطة الإسرائيلية دودي كوهين، ورئيس شرطة القدس اهارون فرانكو.

وقال شهود عيان فلسطينيون لمراسلنا، ان حارس الأمن الإسرائيلي الذي يعمل لدى إحدى شركات الأمن الخاصة التي تتولى حراسة المدرسة الاستيطانية، ألقى القبض على الخطيب حيا، ثم أجهز عليه، دون أن يشكل الخطيب الذي كان مصابا أي تهديد على حياة الحارس.

ولم تعلن إسرائيل هوية منفذ الهجوم في البداية، الذي لم يكن يحمل أي وثائق، ولم تقدم الرواية الكاملة لما حدث، رغم أن الكاميرات المبثوثة في مختلف أنحاء البلدة القديمة من القدس، وتعمل على مدار الساعة سجلت ما حدث.

وبعد ساعات من العملية، أصدرت ثلاثة فصائل فلسطينية بيانا تبنت فيه ما حدث، وهي الجبهة الشعبية، وفتح، وحركة الجهاد الإسلامي، ونعت الخطيب باعتباره مقاوما وشهيدا.

ولم تأخذ السلطات الإسرائيلية، خصوصا جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) هذا الإعلان من الفصائل الفلسطينية على محمل الجد، وسربت مصادر الشاباك معلومات إلى الصحافة بان الخطيب ينتمي إلى الجناح الشمالي للحركة الإسلامية داخل إسرائيل الذي يترأسه الشيخ رائد صلاح، الذي بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأيام حملة تحريضية ضده تذكر بحملات مشابهة أدت به إلى الاعتقال، لموقفه من إجراءات تهويد مدينة القدس المتسارعة.

واعتبرت هذه المصادر الإسرائيلية أن ما فعله الخطيب هو نتيجة ما أسمته التحريض الذي تمارسه الحركة الإسلامية برئاسة صلاح، المغضوب عليه إسرائيليا.

وفي وقت لاحق تسلمت عائلة الخطيب جثمانه، وتم دفنه في قريته كفر مندا في الجليل، يوم الأحد الماضي، بمراسم عبر فيها أهالي القرية والقوى القومية والإسلامية، عن مشاعرهم تجاه الخطيب.

وحضرت الجنازة شخصيات مثل الشيخ رائد صلاح، والدكتور جمال زحالقة النائب في الكنيست عن التجمع الوطني الذي أسسه الدكتور عزمي بشارة، الموجود في الخارج، خشية الملاحقة الإسرائيلية.

وبالتزامن مع تشييع الجنازة، نشرت الشرطة الإسرائيلية شريطا التقطته الكاميرات يبين ما حدث، واظهر الشريط الخطيب وهو يتعقب الحارس الإسرائيلي ويقترب منه ومن ثم يختطف مسدسه، وفرار الحارس، وفشل الخطيب في إطلاق النار.

وبعد ذلك ينتقل الشريط، ومدته دقيقة واحدة، إلى مطاردة جرت بين الخطيب، والحارس الإسرائيلي، واطلاق النار، ولم تنشر الشرطة بقية الشريط المفترض التي تبين اللحظات الأخيرة للخطيب، وكيفية مقتله، وهل تم ذلك بعد القبض عليه حيا، كما يؤكد الفلسطينيون.

وفي اليوم نفسه الذي تم فيه بث الشريط، أعلنت مجموعة أسمت نفسها (كتائب أحرار الجليل) أنها المسؤولة عن تنفيذ العملية، وان منفذها الشهيد الخطيب عضو هذه الكتائب، نافية أن يكون لأي من الفصائل الفلسطينية التي تبنت العملية أي علاقة بها.

وأكدت أنها ليست العملية الأولى التي تنفذها هذه الكتائب دون الإفصاح عن المزيد، واوضح هذا أن هذه الكتائب تسعى إلى التعبير السياسي، عن النشاط القومي لشبان وشابات من العرب في إسرائيل، وهو ان حدث وتكرر، فانه يشكل مفصلا مهما في التاريخ السياسي للفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم عام 1948، واصبح عددهم الان يزيد عن المليون.

وأصدرت عائلة الخطيب بيانا نعت فيها ابنها احمد ووصفته بالشهيد، وجاء في البيان "إن الأيام والأشهر التي سبقت استشهاد حبيبنا أحمد، شهدت استشهاد العشرات من شبابنا من هبة القدس والأقصى حتى يومنا هذا، وشهدت سلسلة من الاعتداءات من قبل رجال الأمن الإسرائيليين على المصلين في ساحات المسجد الأقصى المبارك، فقد منع البعض من أداء الصلاة ومنع الصائمون من تناول الإفطار، بل أكثر من ذلك فمكاتب التحقيق مفتوحة للمصلين على مدار الساعة حيث يعتقلون بعدها أو يبعدون أو يتلقون التهديدات في أحسن الأحوال، حتى حراس المسجد الأقصى المبارك وسدنته باتوا مطاردين مغلوبين على أمرهم وأضحى المسجد الأقصى بعيدا لا يمكن الوصول إليه رغم قربه".

وأضاف البيان "إن جماعة عطيرت كوهنيم المتطرفة التي قام حراسها بقتل شهيد الأقصى أحمد وبدم بارد تعمل وبنشاط مكثف على تهويد القدس الشرقية عبر الاستيلاء على البيوت وحفر الأنفاق لفرض واقع جديد ولو على جماجم المسلمين والعرب والفلسطينيين".

وقالت العائلة ان الحكومة الإسرائيلية، وهي "تحاول أن تتغطى بالإعلام الزائف المضلل، تتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة عن دم ابننا، معتبرة أن "المستوطنين ما أطلقوا النار وما استهانوا بأرواحنا إلا عندما أيقنوا واطمأنوا للدعم المطلق من المستوى الرسمي، والذي بات يبارك كل عمل فظيع واعتداء وحشي علينا، وما أحداث هبة الأقصى والقدس عنا ببعيدة".

وتعهدت عائلة الخطيب "بملاحقة القتلة قضائيا وقض مضاجعهم حتى يدفعوا ثمن فعلتهم النكراء"، وقالت "عندنا من الأدلة والإفادات الدامغة ما هو كاف لإدانتهم ولتفنيد روايتهم الكاذبة ولكننا نترك التفاصيل للوقت المناسب".

وطالب عدد من أعضاء الكنيست العرب، ومؤسسات حقوقية وشعبية ورسمية بالكشف عن حقيقة ما حدث للخطيب، واجبار الشرطة على نشر تفاصيل لحظات مقتله الأخيرة، وقال عضو الكنيست جمال زحالقة "نحن نشكك في رواية الشرطة، ونطالب بالتحقيق في ما إذا كان الشهيد أحمد قد أعدم بعد إصابته"، وقال "الشرطة الإسرائيلية تبنت رواية الحراس الذين يقومون بحراسة مستوطنات اليمين المتطرف في البلدة القديمة في القدس المحتلة".

واعلنت شركة الحراسة التي تشغل الحارس القاتل، بأنه تصرف وفق ما هو مطلوب منه، وبشكل مهني، ويجب أن يكافأ على ما فعله.

ولا يعرف إلى أي مدى سيستمر النقاش حول كيفية مقتل الخطيب، إلا ان الأمر الذي يراه المراقبون الأهم، أن يؤدي مقتله وبالطريقة التي حدث فيها، والهدف الذي قضى من اجله، إلى تعزيز التوجهات القومية والإسلامية التي يحملها داخل فئات في الأقلية العربية داخل إسرائيل، التي ظهر بينها (كتائب أحرار الجليل) كتنظيم سري، ستختبر جديته في الأسابيع أو ربما الأشهر المقبلة.

التعليقات