تسعة عشر عائلة فلسطينية يتم تشريدها من بيتها بسبب خطأ في معلومات عملاء الاحتلال
نابلس-دنيا الوطن-سجود سميح عليوي
وداع مؤجل.. وذكريات حميمة تطيح بلحظة المكان.. صمت مرمري يتغلغل في الروح فيسلبها الرغبة في الوداع ...وكينونة تقاوم الصمت والروح والحكاية، لتُخرج في لحظة كل ما في الجعبة من ألم.. وكل ما في النفس من حنين.
تلك هي حكاية عمارة لبادة في مدينة نابلس، حكاية نقشتها في عمق الذاكرة جرافات الاحتلال الصهيوني ومتفجراته، حين أحالها من عمارة شامخة ثقف بين فكي شارعين رئيسيين، إلى ذكرى موحشة لمكان مر عليه غربان بثياب بشر وأرواح ذئاب؛ ففي السادس والعشرين من شهر آب "اللهاب" من العام المنصرم، وبعد منتصف الليل بساعة ونصف، أنصتت آذان تسع عشر عائلة لفحيح واحد وحصار واحد؛ يقول لهم: اخرجوا من بيوتكم... ارفعوا أيديكم... أنتم محاصرون ، لم يدرك أحد منهم السبب، ولكنهم خرجوا جميعا لتبدأ حكايتهم من هناك .
وشهد شاهد من أهلها:
ومن هنا تبدأ السيدة "أم وديع لبادة" والتي كانت تسكن في الطابق الأول من البناء حكايتها، فتقول:كان الحر في تلك الليلة شديداً، مما جعلنا نخرج _أنا وزوجي وطفلي وديع_ في جولة عائلية _على الرغم من علامات المرض وارتفاع الحرارة التي بدأت تظهر على وديع_ فذهبنا لمتنزه العائلات، ثم عدنا إلى البيت في الساعة العاشرة، وتناولنا طعام العشاء ثم خلدنا إلى النوم، وكما حال الجميع استيقظنا في عمق الليل على صوت الجيش يأمرنا بالخروج من بيوتنا ، وخوفاً على حياتنا تأخرت وزوجي في الخروج من البيت والانصياع لأوامر الجيش ،ولم نخرج إلى بعدما خرج جيراننا، وأخبرونا أن الجيش مصر على إخراج كل سكان العمارة، وأنه هدد بإطلاق النار على العمارة إن لم نمتثل لأوامره ، ومع ذلك فعندما خرجنا إلى الشارع لم يكن فيه سوى سبع عائلات من أصل تسع عشر عائلة، وبعد نصف ساعة كان كل سكان العمارة في الشارع باستثناء أخو زوجي، والذي يعاني من إعاقة منذ الانتفاضة الأولى، ولم يخرج من بيته إلا في الساعة السادسة صباحاً، وبعد أن اتصل واستنجد بالصليب الأحمر والإغاثة الطبية ومؤسسات حماية حقوق الإنسان ولجان رعاية المعاقين لإخراجه من منزله الذي بدأت جدرانه بالانهيار عليه بسبب جرافات الاحتلال.
وعن ساعات الجلوس في الشارع تقول السيدة "سهير" : بعد خروجنا بمدة بدأ الجيش الإسرائيلي ينادي على من وصفهم "بالمطلوبين" أحدهما اسمه (أمين لبادة والأخر يدعى سفيان قنديل)، وادعوا أنهما موجودان في الطابق الثاني من الجهة الشرقية؛ أي في شقة حماي "أبو بشار لبادة"، فنادى الجنود على عمي"والد زوجي"، وسألوه عن المطلوبين الموجودين في شقته، فأنكر وجود أحد هناك، أو معرفته لأحد بهذا الاسم، فلم يصدقوه؛ وأمروا أحد سكان العمارة بالصعود إليها، وفتح أبواب الشقق كافة وعلى مصراعيها، تمهيداً لصعودهم وتفتيش العمارة ولكنهم لم يفتشوا العمارة ولم يخرجوا من دورياتهم، وكل الذي قاموا به؛ هو الصراخ والتهديد وإخافة الأطفال وتخريب العمارة، وتضيف بتهكم ساخر: وهذا دليل على أنهم غير واثقين من معلوماتهم الاستخباراتية الدقيقة .
أما كيف انتقلت السيدة "سهير" وطفلها من الشارع إلى بيت آمن فتقول: عندما اشتد إطلاق النار على المنزل، وبدأت شظايا الرصاص والحجارة تقترب منا، هربنا إلى البيوت المجاورة، حيث استضافنا أهلها بروح طيبة ومودة متعاطفة يُشكرون عليها ،بعد ذلك بمدة وجيزة بدأت الجرافة بهدم العمارة وضربها في مناطق متفرقة، فخرج كل من حماي وزوجته وبدؤوا يصرخون في وجه الجنود طالبين منهم التوقف عن هدم "بيت العمر والعائلة"، وتعلق السيدة "أم وديع" على تلك اللحظات، بقولها :حينها خشيت على عمي وزوجته كثيراً فقد كانت العمارة تعني لهم كل شيء، كل ما في الذاكر من ماضٍ، وكل ما في الجسد من جهد، إضافة إلى أن جيش الاحتلال كان قاسياً جداً وخشناً في تعامله مع عمي الذي يتجاوز عمره السبعين عاماً، فقد هددوه بإطلاق النار عليه؛ ولكن عمي لم ييأس وإنما عرض عليهم الصعود إلى العمارة، والبحث عمن يصفونهم "بالمطلوبين" ويسلمهم إن وجدهم؛ وقد كان _كما كنا جميعاً_ على ثقة كبيرة من عدم وجود "مطلوبين" في البناء بكامله.
ومن ناحية تأثير تلك الحادثة على سلوك الأطفال ونفسيتهم، فقد لخصتها السيدة "سهير" بملاحظاتها على طفلها "وديع"، فقالت:لاحظت بشكلٍ كبيرٍ جداً أن "وديع" أصبح عدوانياً، كثير البكاء، يحب تكسير ألعابه ورميها، ويخاف من صوت المركبات الضخمة التي يشبه صوتها صوت الجرافة، ؛ كثير التعلق بي ولا ينام دون أن أكون بقربه،ومما زاد في ذلك ابتعادي عنه حين أقضي ما يقارب نصف يومي في عملي بدائرة الشؤون الاجتماعية، أما بقية الأطفال فقد حرص أهلهم على أخذهم إلى العمارة مرات عدة؛ حتى يعتادوا الوضع الجديد، كما قامت مؤسسات مثل اليونسكو والصليب الأحمر بعمل جلسات تفريغ نفسي لهم ليعودوا لحالتهم النفسية الطبيعية .
أما عن الأيام التي تلت تلك الحادثة فلا تكتفي السيدة "سهير" بسرد الأحداث؛ بل وتمزجها بتنهيدة تخرج من أعماق الروح لتستقر كما الحقيقة الكاملة _دائما على السطح_حيث تقول :لا أعرف كيف أصفها لك؟ كأنها كابوس ولم نستيقظ منه ،فخلال ليلة وضحاها نفقد بيتنا ومتاعنا وأحلامنا، ويصبح الوصول إلى أبسط حاجاتنا مرهقاً كالحفر في الصخر، لقد كانت صدمة حقيقية لي جعلتني أتغيب عن عملي لمدة أسبوعين كاملين ،شردت عائلتي لمدة ليست بالقصيرة بحثا عن بيت وأثاث وحلم.
أهل الهندسة أدرى بالعمارة من زوارها:
بعد انتهاء الحملة الإسرائيلية التي امتدت من الساعة الواحدة والنصف وحتى الخامسة من مساء ذلك، اليوم سارعت الوفود الفضولية لاستكشاف المكان والوقوف على ما أحاط به من أضرار هائلة، لكن التبرعات الجماهيرية كانت الأسبق في الوصول إلى الأضرار، وتخفيف أثرها في نفوس المصابين، فاللجنة الأهلية قامت إثر الهجوم البربري بحملة تبرعات، وُكل على أثرها مكتبٌ هندسيٌ بإعادة عمل التصاميم اللازمة للترميم،ورست المناقصة آنذاك على المهندس والمقاول "وليد العامودي" الذي يصف عمله: بإعادة الترميم نظراً لكون البناء لم يدمر بالكامل، وإنما تم هدم بعض الواجهات والسقوف دون أن تؤثر على الأساسات التي ظلت متينة وثابتة، مؤكداً أن الهجمة الإسرائيلية لم تكن منظمة أو ممنهجة؛ بل اعترتها العشوائية والتخبط فالطابق الرابع وهو الأخير لم يصب إلا بطلقات الرصاص وشظايا الإنفجارات؛ فيما تم تدمير سقف الطابق الثاني وأرضية الطابق الثالث المشتركة بينهما، والتي سيتم ترميمها من خلال استحداث شرحات وجسر أرضي من الباطون المسلح لدعم الطابق الأول وبناء الطابق الثاني ،وأرجع المهندس "العامودي" الرغبة في إعادة الترميم وليس إعادة الإعمار؛ إلى أن الأخيرة تكلف جهداً ووقتاً وكلفةً باهظة تعادل ثلاثة أضعاف كلفة إعادة الترميم، فالبناء سيكون بحاجة إلى هدم ومن ثم إلى خطط وبناء جديدٍ ومكلف، وعن تقييمه لمدى صعوبة العمل في ظل منظر الدمار الهائل والذي يشكل تحديا أساسيا لأي مهندس قال المهندس "وليد العامودي" :العمل ليس صعباً كثيراً، فبفضل الإشراف والتعاون من قبل المركز الهندسي الاستشاري سيتم انجاز العمل بسرعة، وإحداث تقدم كبير خلال فترة زمنية قصيرة، فخلال ستة أشهر من تاريخ 18/1/2007وتبعاً ليوم العمل التقويمي سيتم تسليم العمارة لأهلها وفي الوقت المحدد بإذن الله تعالى .
أما عن الأساسات المخففة للزلازل والتي سيتم دمجها في البناء والحرص على تطبيقها قدر الإمكان فقد أوضح المهندس "وليد العامودي" دور كل من بلدية نابلس؛ ممثلة بالمهندسين "مهدي الحنبلي" و"عنان غزال"، ومركز علوم الأرض وهندسة الزلازل الذي يديره الدكتور "جلال الدبيك" في الإشراف على هذه التفصيلات،كما قام الدكتور "جلال" بعمل دراسات وفحوصات على العمارة وقدم نصائحه واستشاراته للمساهمة في التخفيف من أثر الزلازل والهزات الأرضية، والتي ضرب نابلس منها ثلاثة زلازل منذ تاريخ استهداف العمارة وحتى الآن.
فرع من العائلة يمتد بعيداً عنها:
أما "عمار لبادة"(أبو كريم) أحد أبناء تلك العائلة، فيقف في صمت أمام البناء الذي احتضن عائلته لما يزيد على الثلاثين عاماً ، ويقول :في هذا البناء أربع عشر عائلة ،أهلي وأخوتي وأعمامي وأبناء أعمامي وخمس عائلات مستأجرة، يسكنون في هذه الطوابق الأربعة، منذ ما ينيف عن الربع قرن خرجوا معاً، وكما خرجوا فسيرجعون معاً.
ويتساءل السيد "أبو كريم" عن سبب استهداف بيت عائلته ومرتع صباه فيقول :لا ندري ولم ندرِ كيف حصل هذا، هُدمت عمارتنا لأن قوات الاحتلال تبحث عن مطلوبين أحدهما يحمل اسم عائلتنا نفسه "لبادة"، وادعت أنهما يختبئان في داخل العمارة، ؛ وللعلم فمن كانت قوات الاحتلال تنادي عليه شاب لا دخل له بالمقاومة والمطلوبين على حد علمي ، بل ويوم حاصرت قوات الاحتلال عمارتنا؛ كان نائماً في بيت أهله في البلدة القديمة، فلم لم تذهب قوات الاحتلال وتحاصر بيته إن كانت تريده .
ويتابع "أبو كريم" إحصاء خسائر الهجوم العدواني :ثمان سيارات تم تحطيمها بالكامل ،هدم ديوان العائلة،وعدد من المخازن والمحال التجارية، ، البيوت القريبة لم تسلم أيضا ، فقوات الاحتلال اقتحمت عدداً منها وحولتها إلى ثكنات عسكرية، البقالات القريبة تم تكسير أبوابها وتدمير جزء كبير من محتوياتها ،بعض حالات إغماء ، الأطفال عانوا فيما بعد من التبول ألاإرادي والصراخ ليلاً والخوف الشديد ،والنساء حملن هم بيوتهن التي حطمتها الكواسر الإسرائيلية.
وعلى الرغم من ذلك فإن عمارة لبادة لم تكن تجربة فريدة في مستوى القهر بقدر ما كانت نهاية لحلم العجائز والرجال الذين أكل عليهم الدهر وشرب فجاءت جرافات الاحتلال لتأكل من أحلامهم وتشرب من دموعهم لعلها تروي مأساة متجددة في قاع الظلام.
يذكر ان أمين لبادة، الشاب الذي جاءت قوات الإحتلال الإسرائيلي للبحث عنه في عمارة لبادة قد استشهد في عملية الشتاء الحار التي قامت بها قوات الإحتلال الإسرائيلي على مدينة نابلس في الثاني والعشرين من إبريل من هذا العام، في هذه العملية بقي أمين وسفيان قنديل،واقفين لمدة ستة ساعات أمام الإحتلال المدجج بغطرسته، وحتى عندما استشهد أمين ورفيقه تركا الحياة وقوفا، تماما كالأشجار التي خلدها الموت كما خلدتها الحياة.
وداع مؤجل.. وذكريات حميمة تطيح بلحظة المكان.. صمت مرمري يتغلغل في الروح فيسلبها الرغبة في الوداع ...وكينونة تقاوم الصمت والروح والحكاية، لتُخرج في لحظة كل ما في الجعبة من ألم.. وكل ما في النفس من حنين.
تلك هي حكاية عمارة لبادة في مدينة نابلس، حكاية نقشتها في عمق الذاكرة جرافات الاحتلال الصهيوني ومتفجراته، حين أحالها من عمارة شامخة ثقف بين فكي شارعين رئيسيين، إلى ذكرى موحشة لمكان مر عليه غربان بثياب بشر وأرواح ذئاب؛ ففي السادس والعشرين من شهر آب "اللهاب" من العام المنصرم، وبعد منتصف الليل بساعة ونصف، أنصتت آذان تسع عشر عائلة لفحيح واحد وحصار واحد؛ يقول لهم: اخرجوا من بيوتكم... ارفعوا أيديكم... أنتم محاصرون ، لم يدرك أحد منهم السبب، ولكنهم خرجوا جميعا لتبدأ حكايتهم من هناك .
وشهد شاهد من أهلها:
ومن هنا تبدأ السيدة "أم وديع لبادة" والتي كانت تسكن في الطابق الأول من البناء حكايتها، فتقول:كان الحر في تلك الليلة شديداً، مما جعلنا نخرج _أنا وزوجي وطفلي وديع_ في جولة عائلية _على الرغم من علامات المرض وارتفاع الحرارة التي بدأت تظهر على وديع_ فذهبنا لمتنزه العائلات، ثم عدنا إلى البيت في الساعة العاشرة، وتناولنا طعام العشاء ثم خلدنا إلى النوم، وكما حال الجميع استيقظنا في عمق الليل على صوت الجيش يأمرنا بالخروج من بيوتنا ، وخوفاً على حياتنا تأخرت وزوجي في الخروج من البيت والانصياع لأوامر الجيش ،ولم نخرج إلى بعدما خرج جيراننا، وأخبرونا أن الجيش مصر على إخراج كل سكان العمارة، وأنه هدد بإطلاق النار على العمارة إن لم نمتثل لأوامره ، ومع ذلك فعندما خرجنا إلى الشارع لم يكن فيه سوى سبع عائلات من أصل تسع عشر عائلة، وبعد نصف ساعة كان كل سكان العمارة في الشارع باستثناء أخو زوجي، والذي يعاني من إعاقة منذ الانتفاضة الأولى، ولم يخرج من بيته إلا في الساعة السادسة صباحاً، وبعد أن اتصل واستنجد بالصليب الأحمر والإغاثة الطبية ومؤسسات حماية حقوق الإنسان ولجان رعاية المعاقين لإخراجه من منزله الذي بدأت جدرانه بالانهيار عليه بسبب جرافات الاحتلال.
وعن ساعات الجلوس في الشارع تقول السيدة "سهير" : بعد خروجنا بمدة بدأ الجيش الإسرائيلي ينادي على من وصفهم "بالمطلوبين" أحدهما اسمه (أمين لبادة والأخر يدعى سفيان قنديل)، وادعوا أنهما موجودان في الطابق الثاني من الجهة الشرقية؛ أي في شقة حماي "أبو بشار لبادة"، فنادى الجنود على عمي"والد زوجي"، وسألوه عن المطلوبين الموجودين في شقته، فأنكر وجود أحد هناك، أو معرفته لأحد بهذا الاسم، فلم يصدقوه؛ وأمروا أحد سكان العمارة بالصعود إليها، وفتح أبواب الشقق كافة وعلى مصراعيها، تمهيداً لصعودهم وتفتيش العمارة ولكنهم لم يفتشوا العمارة ولم يخرجوا من دورياتهم، وكل الذي قاموا به؛ هو الصراخ والتهديد وإخافة الأطفال وتخريب العمارة، وتضيف بتهكم ساخر: وهذا دليل على أنهم غير واثقين من معلوماتهم الاستخباراتية الدقيقة .
أما كيف انتقلت السيدة "سهير" وطفلها من الشارع إلى بيت آمن فتقول: عندما اشتد إطلاق النار على المنزل، وبدأت شظايا الرصاص والحجارة تقترب منا، هربنا إلى البيوت المجاورة، حيث استضافنا أهلها بروح طيبة ومودة متعاطفة يُشكرون عليها ،بعد ذلك بمدة وجيزة بدأت الجرافة بهدم العمارة وضربها في مناطق متفرقة، فخرج كل من حماي وزوجته وبدؤوا يصرخون في وجه الجنود طالبين منهم التوقف عن هدم "بيت العمر والعائلة"، وتعلق السيدة "أم وديع" على تلك اللحظات، بقولها :حينها خشيت على عمي وزوجته كثيراً فقد كانت العمارة تعني لهم كل شيء، كل ما في الذاكر من ماضٍ، وكل ما في الجسد من جهد، إضافة إلى أن جيش الاحتلال كان قاسياً جداً وخشناً في تعامله مع عمي الذي يتجاوز عمره السبعين عاماً، فقد هددوه بإطلاق النار عليه؛ ولكن عمي لم ييأس وإنما عرض عليهم الصعود إلى العمارة، والبحث عمن يصفونهم "بالمطلوبين" ويسلمهم إن وجدهم؛ وقد كان _كما كنا جميعاً_ على ثقة كبيرة من عدم وجود "مطلوبين" في البناء بكامله.
ومن ناحية تأثير تلك الحادثة على سلوك الأطفال ونفسيتهم، فقد لخصتها السيدة "سهير" بملاحظاتها على طفلها "وديع"، فقالت:لاحظت بشكلٍ كبيرٍ جداً أن "وديع" أصبح عدوانياً، كثير البكاء، يحب تكسير ألعابه ورميها، ويخاف من صوت المركبات الضخمة التي يشبه صوتها صوت الجرافة، ؛ كثير التعلق بي ولا ينام دون أن أكون بقربه،ومما زاد في ذلك ابتعادي عنه حين أقضي ما يقارب نصف يومي في عملي بدائرة الشؤون الاجتماعية، أما بقية الأطفال فقد حرص أهلهم على أخذهم إلى العمارة مرات عدة؛ حتى يعتادوا الوضع الجديد، كما قامت مؤسسات مثل اليونسكو والصليب الأحمر بعمل جلسات تفريغ نفسي لهم ليعودوا لحالتهم النفسية الطبيعية .
أما عن الأيام التي تلت تلك الحادثة فلا تكتفي السيدة "سهير" بسرد الأحداث؛ بل وتمزجها بتنهيدة تخرج من أعماق الروح لتستقر كما الحقيقة الكاملة _دائما على السطح_حيث تقول :لا أعرف كيف أصفها لك؟ كأنها كابوس ولم نستيقظ منه ،فخلال ليلة وضحاها نفقد بيتنا ومتاعنا وأحلامنا، ويصبح الوصول إلى أبسط حاجاتنا مرهقاً كالحفر في الصخر، لقد كانت صدمة حقيقية لي جعلتني أتغيب عن عملي لمدة أسبوعين كاملين ،شردت عائلتي لمدة ليست بالقصيرة بحثا عن بيت وأثاث وحلم.
أهل الهندسة أدرى بالعمارة من زوارها:
بعد انتهاء الحملة الإسرائيلية التي امتدت من الساعة الواحدة والنصف وحتى الخامسة من مساء ذلك، اليوم سارعت الوفود الفضولية لاستكشاف المكان والوقوف على ما أحاط به من أضرار هائلة، لكن التبرعات الجماهيرية كانت الأسبق في الوصول إلى الأضرار، وتخفيف أثرها في نفوس المصابين، فاللجنة الأهلية قامت إثر الهجوم البربري بحملة تبرعات، وُكل على أثرها مكتبٌ هندسيٌ بإعادة عمل التصاميم اللازمة للترميم،ورست المناقصة آنذاك على المهندس والمقاول "وليد العامودي" الذي يصف عمله: بإعادة الترميم نظراً لكون البناء لم يدمر بالكامل، وإنما تم هدم بعض الواجهات والسقوف دون أن تؤثر على الأساسات التي ظلت متينة وثابتة، مؤكداً أن الهجمة الإسرائيلية لم تكن منظمة أو ممنهجة؛ بل اعترتها العشوائية والتخبط فالطابق الرابع وهو الأخير لم يصب إلا بطلقات الرصاص وشظايا الإنفجارات؛ فيما تم تدمير سقف الطابق الثاني وأرضية الطابق الثالث المشتركة بينهما، والتي سيتم ترميمها من خلال استحداث شرحات وجسر أرضي من الباطون المسلح لدعم الطابق الأول وبناء الطابق الثاني ،وأرجع المهندس "العامودي" الرغبة في إعادة الترميم وليس إعادة الإعمار؛ إلى أن الأخيرة تكلف جهداً ووقتاً وكلفةً باهظة تعادل ثلاثة أضعاف كلفة إعادة الترميم، فالبناء سيكون بحاجة إلى هدم ومن ثم إلى خطط وبناء جديدٍ ومكلف، وعن تقييمه لمدى صعوبة العمل في ظل منظر الدمار الهائل والذي يشكل تحديا أساسيا لأي مهندس قال المهندس "وليد العامودي" :العمل ليس صعباً كثيراً، فبفضل الإشراف والتعاون من قبل المركز الهندسي الاستشاري سيتم انجاز العمل بسرعة، وإحداث تقدم كبير خلال فترة زمنية قصيرة، فخلال ستة أشهر من تاريخ 18/1/2007وتبعاً ليوم العمل التقويمي سيتم تسليم العمارة لأهلها وفي الوقت المحدد بإذن الله تعالى .
أما عن الأساسات المخففة للزلازل والتي سيتم دمجها في البناء والحرص على تطبيقها قدر الإمكان فقد أوضح المهندس "وليد العامودي" دور كل من بلدية نابلس؛ ممثلة بالمهندسين "مهدي الحنبلي" و"عنان غزال"، ومركز علوم الأرض وهندسة الزلازل الذي يديره الدكتور "جلال الدبيك" في الإشراف على هذه التفصيلات،كما قام الدكتور "جلال" بعمل دراسات وفحوصات على العمارة وقدم نصائحه واستشاراته للمساهمة في التخفيف من أثر الزلازل والهزات الأرضية، والتي ضرب نابلس منها ثلاثة زلازل منذ تاريخ استهداف العمارة وحتى الآن.
فرع من العائلة يمتد بعيداً عنها:
أما "عمار لبادة"(أبو كريم) أحد أبناء تلك العائلة، فيقف في صمت أمام البناء الذي احتضن عائلته لما يزيد على الثلاثين عاماً ، ويقول :في هذا البناء أربع عشر عائلة ،أهلي وأخوتي وأعمامي وأبناء أعمامي وخمس عائلات مستأجرة، يسكنون في هذه الطوابق الأربعة، منذ ما ينيف عن الربع قرن خرجوا معاً، وكما خرجوا فسيرجعون معاً.
ويتساءل السيد "أبو كريم" عن سبب استهداف بيت عائلته ومرتع صباه فيقول :لا ندري ولم ندرِ كيف حصل هذا، هُدمت عمارتنا لأن قوات الاحتلال تبحث عن مطلوبين أحدهما يحمل اسم عائلتنا نفسه "لبادة"، وادعت أنهما يختبئان في داخل العمارة، ؛ وللعلم فمن كانت قوات الاحتلال تنادي عليه شاب لا دخل له بالمقاومة والمطلوبين على حد علمي ، بل ويوم حاصرت قوات الاحتلال عمارتنا؛ كان نائماً في بيت أهله في البلدة القديمة، فلم لم تذهب قوات الاحتلال وتحاصر بيته إن كانت تريده .
ويتابع "أبو كريم" إحصاء خسائر الهجوم العدواني :ثمان سيارات تم تحطيمها بالكامل ،هدم ديوان العائلة،وعدد من المخازن والمحال التجارية، ، البيوت القريبة لم تسلم أيضا ، فقوات الاحتلال اقتحمت عدداً منها وحولتها إلى ثكنات عسكرية، البقالات القريبة تم تكسير أبوابها وتدمير جزء كبير من محتوياتها ،بعض حالات إغماء ، الأطفال عانوا فيما بعد من التبول ألاإرادي والصراخ ليلاً والخوف الشديد ،والنساء حملن هم بيوتهن التي حطمتها الكواسر الإسرائيلية.
وعلى الرغم من ذلك فإن عمارة لبادة لم تكن تجربة فريدة في مستوى القهر بقدر ما كانت نهاية لحلم العجائز والرجال الذين أكل عليهم الدهر وشرب فجاءت جرافات الاحتلال لتأكل من أحلامهم وتشرب من دموعهم لعلها تروي مأساة متجددة في قاع الظلام.
يذكر ان أمين لبادة، الشاب الذي جاءت قوات الإحتلال الإسرائيلي للبحث عنه في عمارة لبادة قد استشهد في عملية الشتاء الحار التي قامت بها قوات الإحتلال الإسرائيلي على مدينة نابلس في الثاني والعشرين من إبريل من هذا العام، في هذه العملية بقي أمين وسفيان قنديل،واقفين لمدة ستة ساعات أمام الإحتلال المدجج بغطرسته، وحتى عندما استشهد أمين ورفيقه تركا الحياة وقوفا، تماما كالأشجار التي خلدها الموت كما خلدتها الحياة.

التعليقات