فقهاء يرفضون مسابقة فتاة العرب المثالية

فقهاء يرفضون مسابقة فتاة العرب المثالية
غزة-دنيا الوطن

أدان مجموعة من العلماء والفقهاء ما أسماه بعضهم "محاولة الاختراق الجديدة" بإعلان فوز محجبة بحرينية بلقب فتاة العرب المثالية.. وأوضحوا أن منظمي هذه المسابقة هم نفس منظمي مسابقات العري المرفوضة شرعا، وأنهم غيروا المسمى كنوع من الخدعة والتحايل.

وتعجبوا من المواصفات المطلوبة في المتسابقات، متسائلين عما قدمته هذه الفتيات حتى يحملن هذه الصفة الرفيعة.

وأوضحوا أن الفتاة المثالية في منظور الإسلام هي العفيفة الشريفة التي تتصف بالحياء والمحافظة على نفسها، وإخفاء زينتها عن غير المحارم، ومناصرة المجاهدين في ميادين المقاومة للأعداء، بل التضحية بنفسها في نصرة دينها وأمتها، وليست من تعرض مفاتنها وتحول الحجاب إلى موضة ووسيلة جديدة للإغراء.

الشيخ محمد حسين مفتى القدس والديار الفلسطينية يتعجب من هذه المسابقة قائلا: "الإسلام ينظر إلى المرأة على أنها موطن للصيانة والحصانة، فهي رمز العفة والكرامة؛ وهؤلاء الذين يقيمون تلك المسابقات وما على شاكلتها إنما يمتهنون النساء المسلمات تحت المسميات الخادعة، ويتخذون المرأة سلعة ممتهنة سعيا إلى الكسب المالي".

ويتابع: "وأنا أتوجه لهم بسؤال: هل معنى أن من ترفض التقدم من فتيات المسلمات إلى هذه المسابقات أنها ليست على خلق وليست بمحتشمة؟! إن ما يفعله القائمون على أمر تلك المسابقات إنما إرضاء لرغباتهم وأهوائهم الشخصية، وبئس المقصد مقصدهم، وبئس السعي سعيهم".

ويضيف: "أنا شخصيا أعترض على مثل هذه المسابقات لأن فيها تقليدا للغرب.. وحتى لو زعم المنظمون أن المسابقة خاصة بملكة جمال الحشمة -الزائفة من وجهة نظري- فمع مرور الأيام سيتطور الأمر وتتغير الفكرة..".

ويستطرد: "وملكة الجمال كما يراها الإسلام هي تلك الفتاة التي صانت جمالها وحفظته لمن يرعاه ويقدره ويصونه، وليست الفتاة التي تعرض نفسها لمن يقيمها حتى لو ارتدت الحجاب".

ويوجه حسين حديثه إلى منظمي تلك المسابقات قائلا: "والمطلوب من هؤلاء الذين ينفقون الأموال الطائلة على تلك المسابقات أن يوجهوا أموالهم لما فيه خير المرأة؛ كأن يقيموا منابر دعوية تخاطب المرأة المسلمة، وتحصن عقلها ضد المحاولات الغربية الشرسة لغسل أدمغة بناتنا، لا أن نقوم بتقليد الغرب بهذه الصورة، حتى لو حاولنا صبغ الأمر بالصبغة الإسلامية".

ويختم قائلا: "إن تلك المسابقات التافهة ليس لها أي مردود إيجابي على مجتمعاتنا، حتى لو كانت تحمل أسماء ومعاني براقة" ويدلل على ذلك بقوله: "وانظروا إلى منظمي تلك المسابقات ستجدونهم نفس من يقيمون مسابقات العري والابتذال".

وصمة عار

الدكتور محمد إبراهيم المصري رئيس الكونجرس الإسلامي الكندي يؤكد أن مثل تلك المسابقات وصمة عار في جبين العالم العربي كله، معللا ذلك بقوله: "فبينما إخواننا في العراق وفلسطين ولبنان والشيشان وأفغانستان يموتون يوميا من جراء العنف والاحتلال إذا بنا ننشغل ونشغل أنفسنا بتوافه الأمور، والحديث عن مسابقة الفتاة المثالية في العالم العربي التي لا يجب أن يقل طولها عن كذا ووزنها عن كذا".

ويتساءل المصري: "ماذا ستقدم فتاة العالم العربي المثالية لإخواننا الجوعى في فلسطين؟! وماذا ستقدم لإخواننا المرابطين حول الأقصى؟! للأسف الشديد فإن تلك المسابقة ليست إلا وصمة عار جديدة في جبين العالم العربي كله".

ويتابع: "الفتاة المثالية في وجهة نظري هي تلك الفتاة التي نراها في الأراضي المسلمة المحتلة تدافع عن الإسلام وتربي أبناءها على الكرامة والشرف، والذود عن الأرض والعرض، لا تلك التي تبحث عن مجد زائل يتمثل في الألقاب التافهة".

ويستطرد المصري: "ولنا أن نعرف أن مسابقات ملكات الجمال عندما ظهرت لأول مرة في الغرب كان المقصود من ورائها إلهاء الشعب البريطاني عن ويلات الحرب العالمية الثانية.. وقد قوبلت المسابقة وقتها باستهجان شديد، ولكننا للأسف نهرول للمسابقة اليوم ونسعى إلى محاولة تمريرها تحت عباءة الإسلام، وهذا ما لا يرضي الله ولا يرضي رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم".

نفس الفكرة يتحدث عنها حمدي سباهيتشي مفتي صربيا، حيث يشير إلى أن مثل تلك المسابقات جزء من الخداع الذي يشن على الإسلام، مدللا على ذلك بأنهم يستخدمون في بعض الأحيان مسميات خادعة حتى يسهل تمرير المعاصي.

لذلك يؤكد سباهيتشي أنه حتى لو كانت هذه المسابقة تحمل شعار المثالية، فإننا يجب أن نحذر منها؛ لأنها مثالية خادعة، فالمثالية في الإسلام هي لمن يتحلى بمكارم الأخلاق، ويكون هدفه رضا الله عز وجل، ووسيلته مشروعة، يتساوى في ذلك كونه رجلا أو امرأة".

ويتابع: "أما المسابقات التي تتحايل تحت شعارات دينية خادعة حتى يتقبلها المجتمع فهذا أمر مرفوض شرعا، ويجب التصدي له؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ} [النور:19]. وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يعمنا البلاء إذا سكتنا عن الفواحش فقال: (ما تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء). وواجبنا تصحيح هذا الوضع بتقديم النصيحة وبيان خطأ ما يقومون به، حتى نرد الجميع إلى الصواب".

الغزو الثقافي

د. محمد أبو غدير الرئيس الأسبق لقسم الدراسات العبرية بجامعة الأزهر يرى تلك المسابقات - أيا كان المسمي الذي يطلق عليها- إحدى وسائل الغزو الثقافي الذي تشجعه الصهيونية العالمية للسيطرة على المجتمعات، وجعل أفرادها يلهثون وراء غرائزهم وشهواتهم، ويؤكد أن "العبرة هنا ليست بالمسمى أو الشعار، ولكن بما يتم خلال هذه المسابقات سيئة السمعة التي يرفضها العقلاء ذوي الفطرة السوية مهما كانت ديانتهم".

ويشير إلى أن بروتوكولات حكماء صهيون تنص صراحة على أن الصهيونية العالمية تعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، حتى تسهل لهم السيطرة على كل المجتمعات.. ولا شك فإن مسابقات الجمال إحدى هذه الوسائل.

على نفس فكرة الغزو الثقافي تؤكد الدكتورة آمنة نصير العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، متعجبة من الشعار الذي رفعه منظمو المسابقة "دعوة للحشمة والجمال".

وتتساءل: "أين الحشمة في ملابس المشاركات باستثناء الفائزة التي تم حصر معنى الحشمة فيها على مجرد الملبس فقط؟! مع أن معنى الحشمة أكبر من ذلك بكثير.. حيث تعني الابتعاد عن مواطن الابتذال والاختلاط، وأي مخالفة للشرع في العلاقات بين الجنسين، وألا تعْرض الفتاة نفسها، حتى ولو كانت ترتدي الحجاب، لأنه في هذه الحالة يكون مجرد زي للموضة والتجميل، وتكون الفتاة أو المرأة مجرد عارضة لنفسها كالسلعة".

وتتابع: "لنتأمل مفهوم العفة وغض البصر والاحتشام في قوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]. وأيضا في قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].

وتشدد آمنة نصير في النهاية على أننا "علينا أن نحذر من محاولات الغزو الثقافي والفكري التي تحول جسد المرأة إلى سلعة، وتشجع على إبراز مفاتنها لتكون وسيلة هدم للمجتمع، باعتبار أن المرأة هي الأم التي تربي الأجيال وترعى الأزواج، فبصلاحها يصلح المجتمع، وبانغماسها في المظاهر الخادعة واهتمامها بإظهار مفاتنها يضيع المجتمع".

وتحذر: "أخشى أن يكون هذا وسيلة لمزيد من الانهيار والضعف، حيث يقول المؤرخ الشهير أرنولد توينبي: لا شك أن سيطرة الغرائز الجنسية على السلوك والتقاليد تؤدي إلى تدهور الحضارات".

ثقافة الجسد

وتشدد الدكتورة سعاد صالح على أن محاولات التغريب الثقافي مستمرة ولن تتوقف والغرض هو انتزاع الهوية الإسلامية من قلوب المسلمين بكل السبل المتاحة، مشيرة إلى أن من يسعى إلى ذلك استفاد وبشدة من الازدواجية التي نعاني منها.

وتابعت: "وأنا أرى أن هذا النوع من المسابقات يشكل خطرا واضحا وصريحا على القيم الاجتماعية الكبرى وهي الدين والنفس والمال والعقل والعرض، رغم أن تلك القيم تشكل المقاصد العليا للشريعة، ومن الواضح أن هناك من يحاول العبث بتلك القيم".

وتدلل قائلة: "على سبيل المثال فإن السمعة الطيبة والطهارة والعفة يحافظ عليها الإسلام.. وكل ما من شأنه المساس بالعرض كقذف المحصنات والتشهير، والاغتصاب وهتك العرض.. كل هذا تنتهكه تلك المسابقات، لأنها حتى لو كانت لمحجبات فسوف تؤدي إلى تعرض المتسابقات للعديد من الشائعات التي يرفض الإسلام تعرض المرأة لها".

وترد د. سعاد على من يقولون إن تلك المسابقات دعوة للحشمة بأن "الحجاب دعوة للستر وللعفة ول يس دعوة للجمال، وللأسف فنحن نتعرض حاليا للتغريب حتى في الزى الإسلامي، حيث أصبحت بيوت الموضة تتفنن في ألوانه وكيفية لفاته، بصورة تجعل المحجبة أكثر لفتا لنظر الرجال من غيرها، وهو ما يعني أن الرجل ينظر إليها نظرة فتنة وشهوة، وهو ما يرفضه الإسلام ".

وتتساءل: "ما المثالية التي تتطلب من الفتاة طولا معينا، وإتقان لغة أجنبية بدلا من مطالبتها بإجادة اللغة العربية؟ ألا يعني هذا أن تلك المسابقة تحمل نوعا من التغريب الفكري والثقافي؟! ثم ألا يعد تأكيد كلمة منظمة تلك الفعاليات على أن الجمال شرط أساسي لدخول المسابقة عودة بالمرأة إلى عصر النخاسة التي قضى عليه الإسلام قضاء تاما".

وتدعو د. سعاد منظمي تلك المسابقة قائلة: "كان الأولى بكم دعم الجهود الساعية للقضاء على تزايد نسبة العنوسة بين الشباب والفتيات المسلمين؛ عن طريق فتح المزيد من مجالات العمل، ودعوة الأهل إلى نبذ العادات الغريبة في غلاء المهور، وغيرها من الأسباب التي رفعت من نسبة العنوسة، وأدت إلى هذا الانفلات الأخلاقي الذي وصل إلى حد نشر ثقافة الجسد بدلا من نشر ثقافة الفضيلة والأخلاق".

التعليقات