أسرة عبدالناصر تعرض منزله للبيع لضيق ذات اليد
غزة-دنيا الوطن
كانت المناسبة مدخلا إلي فكرة تحتفل وتتناول ثورة 23 يوليو وجمال عبدالناصر من زاوية أخري تبحث عن إجابة لسؤال مفاده: ماذا تبقي من تلك الثورة ونحن نحتفل بمرور 55 عاما علي قيامها؟
كان المكان الأنسب للاحتفال قرية 'بني مر'.. تلك القرية التي خرج منها جمال عبدالناصر وشهدت المخاض الأول لثورته ورفاقه.. وهي نفسها التي احتضنت الاجتماعات الأولي للضباط 'الأحرار' بديوان العائلة.. والموجود حتي الآن.
• هنا بني مر
أكثر من 5 ساعات عمر الرحلة التي قطعناها من القاهرة إلي محافظة أسيوط نترقب وننتظر في شغف وشوق أن تطأ أقدامنا تراب تلك 'القرية' العنيدة التي تحولت إلي قبلة لزعماء ورؤساء دول ومسئولين كبار ومواطنين عاديين يأتون إليها من مختلف بلدان العالم ليتعرفوا ويفتشوا في البيئة التي شكلت وجدان 'زعيم' وحىد قلوب شعوب أمة تمتد من المحيط إلي الخليج.. وظلت ذكراه عالقة في قلوبهم وعقولهم إلي اليوم.
والقرية 'نفسيا' فالمرى هو اسم القرية وعنوان لحالها ومن فيها من مواطنين بسطاء رأوا في رحيل 'ناصر' اغتيالا 'لحلم' كبير كانوا ينتظرون تحقيقه، وهي حالة تستطيع أن تشعر بها في أحاديثهم ومجالسهم وتعليقاتهم التي لا تخلو من الترحم.. والحسرة.. والتي كثيرا ما تنتهي إلي تسليم أمرهم إلي الله سبحانه وتعالي.
و'بني مرى' وصفا تشبه إلي حد كبير قري مصرية من حيث البيئة الفقيرة.. وطوابير العاطلين التي تمتلئ بهم 'المقاهي' المتواضعة للغاية والتي يقتصر دورها علي تقديم'الشاي' و'الشيشة' وغير ذلك فيعد من باب الترف والبذخ وفوق القدرات المادية لروادها.. ناهيك عن حالة الإهمال والتجاهل من قبل المسئولين لها.. واناس يتناولون كل يوم جرعات مكثفة من المعاناة في كل شيء.. العلاج.. التعليم.. محاولين جهد استطاعتهم التمرس علي عقبات الحياة اليومية والتغلب عليها وتستطيع أن تتابع إحدي معاركهم اليومية في أول مشهد تقع عليه عيناك عند دخولك القرية عبارة عن 'طابور' بعرض القرية وحالة من التزاحم الشديد وكتل من البشر البائسين في حالة 'غضب' من أجل الحصول علي 'رغيف' من كشك خشبي أقيم بالصدفة أمام بيت 'عم' الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في إشارة تقول 'حتي بعد رحيلي تسكن بجواري معاناتكم'.
و'بني مر' معماريا تنقسم إلي جزءين: 'القرية القديمة، والتوسعات الجديدة' وبها منزلا عمي الزعيم الراحل 'عطية حسين خليل' توفاه الله، والحاج 'طه حسين خليل' حي يرزق.. والتوسعات الجديدة تم إنشاؤها في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وبها مدرسة تحمل اسم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بها مدرسة لتحسين الخطوط، ومركز شباب متواضع، والوحدة المحلية ويغلب علي طرازها المعماري البيوت التي شيدت بأموال الخليج.. وعلي النقيض تماما نجد العديد من منازل القرية القديمة بنيت من الطوب اللبن وأغلب المنازل متواضعة تجمعها عشوائيات ونادرا ما تجد بيوتا بنيت 'بالأسمنت المسلح'.. وحالة القرية بشكل عام يرثي لها.. حيث أكوام القمامة، والباعة الجائلون، والعشوائيات، والمحلات المتواضعة التي تشبه محلات الحاج 'يوسف' في فيلم 'الأرض' ويزيد من بؤس الحالة وسوداوية المشهد حالة التعطل والبطالة التي يعيشها الغالبية العظمي من أبناء القرية، وهو ما يشعرك بأن حالة 'بني مر' صورة مصغرة لما تعانيه مصر بأسرها.
• بقايا عائلة عبدالناصر
رحل عبدالناصر.. تاركا إرثا عظيما لأسرته في 'بني مر'، لم يكن مالا أو جاها أو سلطانا، وإنما حالة فريدة من الحب والانتماء لإنسان عزيز، تلمس المكانة التي يتمتع بها في قلوب العامة من أبناء 'القرية' عند الحديث عنه كقائد وزعيم وقبل كل هذا.. إنسان، تعددت الروايات والحكايات والقصص التي تبرز جوانب شخصيته.. هذا الإرث والرصيد الهائل من حب الناس لعبد الناصر كان الثروة الحقيقية التي آلت لأسرته في 'بني مرى'، بعد رحيله، وأسرته هناك هي عمه الحاج 'طه حسين خليل' وأبناؤه 'ناصر ومحمد وخالد وحسين وصلاح' وعمه الحاج 'عطية حسين خليل' وأبناؤه 'حسين ومصطفي وعلي'.. والأخير وأقصد 'علي عطيه حسين' مهندس زراعي في الوحدة المحلية بالقرية حكي لي كيف أنه هو وأبناء أعمامه لم يستطيعوا أن يلتحقوا بأي وظيفة وفشلوا في إيجاد 'واسطة' لتعيينهم وتكوين أسرة وأن أخويه تحديدا تم تعيينهما بشق الأنفس: 'حسين' في التربية والتعليم و'مصطفي' في حي غرب أسيوط و'علي' ذاته موظف بسيط يتقاضي راتبا لا يزيد علي (300) جنيه.
وبحسرة شديدة حدثني عن ظروف تعيين أبناء آعمامه الآخرين قائلا: في أحد الأيام ذهب أبناء عمي إلي محافظ أسيوط الأسبق رجاء الطحلاوي للحصول منه علي تزكية لتعيينهم في إحدي الوظائف بالمحافظة تصادف وقتها وجود وزير البترول الأسبق 'حمدي البنبي' في زيارة لمحافظة أسيوط فما كان من المحافظ سوي التوسط لدي 'الوزير' بعد ان أخبره بأنهم أبناء عم الرئيس جمال عبدالناصر واستجاب الوزير لرغباتهم وعينهم في عدد من شركات وقطاعات البترول المختلفة، وإن أبدي اندهاشه من حالتهم متسائلا: كيف يحدث ذلك لأناس من 'ريحة عبدالناصر'؟!
وأضاف: هكذا يتعامل مع عبدالناصر وأقاربه فهل أحد يصدق أن الرجل الذي شيد المصانع،والسد العالي، وبني صروحا صناعية عظيمة لمصر فشل أقاربه في الحصول علي وظيفة 'بسيطة' ينفقون منها علي أبنائهم؟ وهل ذنب عبدالناصر وذنبنا معه أنه رفض أن يكنز لنفسه المال وأن يعلي مصلحة البلاد فوق المصلحة الشخصية؟
نفس الحال ينطبق علي ابن عمه 'محمد مصطفي خليل' الذي فشل في الحصول علي وظيفة من خلال المسابقات المختلفة حتي تم تعيينه عاملا بمسجد القرية يتقاضي مرتبا شهريا لا يزيد علي 160 جنيها ينفق منها علي أسرته، ويعيش في منزل متواضع جلسنا به بجوار المنزل القديم للرئيس جمال عبدالناصر.
• منزل عبدالناصر للبيع!
وبمناسبة 'البيت الكبير' لآل عبدالناصر في 'بني مر'.. فالمنزل قديم بني عام 1900 مكون من دورين مسقوف 'بالخشب'، مهجور لفترة طويلة علي مساحة تزيد علي 600 متر، وفي السنوات التي تلت رحيل عبدالناصر كان مقصدا لزعماء ورؤساء دول ومسئولين كبار ومواطنين من بلدان العالم، جاءوا ليروا البيئة التي عاش فيها زعيم كان لا يزال حديث الساسة، والأكاديميين، والباحثين، رغم كونه بيتا مهجورا وأمامه مساحة فضاء كبيرة تحولت فيما بعد إلي استراحة 'للبهائم' من الحمير والجاموس!!
وسط حالة من اللامبالاة من المسئولين، فكيف يصبح بيت 'عبدالناصر' بهذه الصورة ويأتي إليه اناس من شتي بقاع الدنيا، ولا يحاول أحد تجميله أو إظهاره بصورة تليق بسمعة 'زعيم' في حجم 'عبدالناصر'؟.
• 'إسرائيل' في البيت الكبير
روي لي أيضا أحد أقارب الرئيس الراحل عن زيارة غامضة قام بها عدد من السائحين إلي 'البيت الكبير' عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.. تبين بعد ذلك أنهم مجموعة من الساسة 'الصهاينة' جاءوا متخفين لزيارة المنزل في رسالة بعد توقيع الاتفاقية مغزاها 'ها نحن ندوس بأقدامنا علي تراب عبدالناصر وأهله'، كما روي لي كيف أصر وزير أوربي سابق علي اصطحاب حفنة من تراب 'البيت الكبير' عقب زيارته تذكارا لزيارته واحتفاء بعبد الناصر ذاته، وهذا يدل علي المكانة التي يتمتع بها عبدالناصر في الخارج وبين ألد أعدائه.
وقصى لي آخر عن احتضان 'البيت الكبير'.. وديوان العائلة المجاور له للاجتماعات الأولي للضباط الأحرار.. وكيف انطلقت الشرارة الأولي لقيام الثورة من هنا.. 'بني مر' أثناء وجود الرئيس جمال عبدالناصر في معسكر 'منقباد'.
ورغم الكم الهائل من الروايات والقصص حول 'البيت الكبير' وأهميته التاريخية فإن بعض أسرة الرئيس جمال عبدالناصر يهددون بعرضه 'للبيع' لضيق ذات اليد، وهو ما يلخص جيدا حالة هذه الأسرة التي لا تختلف تماما عن حالة أهل 'قريتهم'!!
• السادات في 'بني مر'
ولبيوت أسرة عبدالناصر في بني مر قصص أخري، ففي شتاء عام 1970 زار الرئيس الراحل عبد الناصرأنور السادات قرية بني مر في زيارة خاصة لأسرة الزعيم الراحل وكان في انتظاره عمه الحاج 'عطية حسين خليل'، ونزل ضيفا عزيزا في دوار العمدة آنذاك المرحوم 'محمد ماهر' وطلب منه الحاج 'عطية حسين خليل' أن يجلس في منزل العمدة وليس أحد بيوت الأسرة، فما كان من الرئيس أنور السادات سوي أن أعطي تعليماته بمنح الحاج عطية قطعة أرض لبناء 'دوار' يجمع الأسرة، لم تستطع الأسرة بنائه إلا في أوائل الثمانينيات مع سفر أحد أفراد الأسرة لإحدي دول الخليج وقدرته علي بنائه.
عندما بكي عبدالناصر.. الإنسان
من القصص التي رواها لنا ابن عم الرئيس الراحل المهندس 'علي عطية حسين' وتبرز حقيقة العلاقة التي ربطت بين عبدالناصر والسلطة وعبدالناصر وأهله، اللقاء الذي جمعه وعمه 'عطية حسين' في المكتب الرئاسي، حيث شكا 'العم' إلي 'الرئيس' ضيق الحال وكيف وصلت به الأمور إلي حد لا يستطيع معه الإنفاق علي أسرته، مطالبا بأن يعطيه ثمن شراء 'جاموسة' لفك ضائقته المالية، فأجهش عبدالناصر بالبكاء، وطلب من مدير مكتب أن يحضر 'المبلغ' الذي يحتاجه 'عمه' وقد كان، وعندما انصرف عمه طلب من مدير مكتبه إحضار إيصال أمانة مدون به 'المبلغ' وعندما جاء له بإيصال الأمانة قام عبدالناصر بالتوقيع عليه.. وعندما سأله مدير مكتبه مندهشا قال: هذا مال الشعب وعليك خصم هذا المبلغ من راتبي حتي أوفي بالدين.
تري أين يقف مسئولون سابقون وحاليون من هذا الموقف؟ وماذا عن الهباشين الجدد؟!
• عبدالناصر 2007
في زيارتنا لقرية 'بني مر' للاحتفال بثورة 23 يوليو كان واجبنا أن نقدم التهنئة إلي أهل عبدالناصر نفسه، فكما توجهنا إلي منزل عمه الأكبر عطية حسين ومقابلة أبنائه، توجهنا إلي منزل عمه الأصغر الحاج 'طه حسين'، لكننا لم نستطع مقابلته نظرا لتدهور حالته الصحية.. وأن استضافنا ابنه الأصغر المحاسب عبدالناصر بحفاوة كبيرة في منزلهم المكون من '3 أدوار' ملحق به استراحة لمقابلة 'الزوار' علق بداخلها صورة نادرة لعبدالناصر يشرب من 'القلة' مع عميه طه وخليل، وابن عمه صلاح طه في البيت الحرام ولقاءاتنا مع الابن 'عبدالناصر' وابن عم الرئيس الراحل أعطتنا صورة أخري من صور التجاهل والاضطهاد لقرية 'بني مر'، وأهلها وأسرة زعيمها فقد حكي لنا عن تجربته السياسية، وكيف رشح نفسه مستقلا في انتخابات مجلس الشعب عام 1995، ورغم حصوله علي أكبر عدد من الأصوات في بداية العملية الانتخابية إلا أنه حدثت بعض التدخلات التي حالت دون فوزه، وعاود الكرة مرة أخري في انتخابات عام 2000 وهذه المرة أراد أن يخوض المعركة علي قائمة الحزب الوطني، إلا أن الحزب استبعده من قائمته، فما كان منه سوي أن تقدم باستقالته من الحزب الوطني وقال: اتصلت بمسئولين بارزين في الدولة فنصحوني بعدم خوض الانتخابات وأعطوني وعدا بالإتيان علي قائمة الحزب في انتخابات الشوري التي أجريت عام 2003 وهو ما لم يحدث، وعندما سألت عن السبب لم يجبني أحد، وكأن هناك رفضا لكل ما هو ناصري، أو يمت لعبدالناصر بصلة.
• غياب الاحتفال بالثورة وناصر
الشيء اللافت للانتباه في زيارتنا لمحافظة أسيوط وقرية 'بني مر' مسقط رأس جمال عبدالناصر صبيحة يوم الاحتفال بمرور 55 عاما علي قيام ثورة 23 يوليو.. اختفاء أي مظهر من مظاهر الاحتفال بالثورة وقائدها.. لا يافطات ولا لافتات وقلنا في أنفسنا: إن اللافتات التي تعلقها المحافظة في مختلف قراها ومركزها بمناسبة حملة تطعيمات الأطفال أكثر بكثير مما حدث لتكريم الثورة في عيدها الخامس والخمسين، وتساءلنا عن السبب وراء عدم وجود تمثال لعبدالناصر في قلب المحافظة التي ينتمي إليها، أو حتي قريته مسقط رأسه، وعلمنا من بعض أهالي القرية أن محاولات جرت لتشييد تمثال لعبدالناصر في القرية لكنهم وضعوا أمامها المعوقات والعقبات المتتالية حتي لا تظهر الفكرة للنور.. ورووا لنا أن بعض أعضاء المجلس المحلي بالقرية تطوعوا منذ 3 أشهر تقريبا لعمل صورة 'بوستر' لعبدالناصر في مدخل القرية كلفتهم ثلاثة آلاف جنيه، ولكن أمين الحزب الوطني السابق بأسيوط محمد عبدالمحسن صالح رفض تعليق 'البوستر' بصفته رئيس المجلس الشعبي المحلي، وعندما حاولوا سؤاله عن أسباب رفضه أجابهم: 'دي تعليمات عليا.. ومحدش يدخل نفسه في اللي ملهوش فيه'.. هذا بخلاف معركة إطلاق اسم جمال عبدالناصر علي مدرسة القرية، وكان إصرار أهلها دافعا لرضوخ المسئولين لرغبتهم، والاكتفاء بطلاء منزله باللون الأزرق تمهيدا لتجهيزه كمتحف وهو ما لم يتحقق حتي الآن.. لتظل الثورة وقائدها في طي النسيان والتجاهل.
*الاسبوع المصرية-محسن شرقاوي
كانت المناسبة مدخلا إلي فكرة تحتفل وتتناول ثورة 23 يوليو وجمال عبدالناصر من زاوية أخري تبحث عن إجابة لسؤال مفاده: ماذا تبقي من تلك الثورة ونحن نحتفل بمرور 55 عاما علي قيامها؟
كان المكان الأنسب للاحتفال قرية 'بني مر'.. تلك القرية التي خرج منها جمال عبدالناصر وشهدت المخاض الأول لثورته ورفاقه.. وهي نفسها التي احتضنت الاجتماعات الأولي للضباط 'الأحرار' بديوان العائلة.. والموجود حتي الآن.
• هنا بني مر
أكثر من 5 ساعات عمر الرحلة التي قطعناها من القاهرة إلي محافظة أسيوط نترقب وننتظر في شغف وشوق أن تطأ أقدامنا تراب تلك 'القرية' العنيدة التي تحولت إلي قبلة لزعماء ورؤساء دول ومسئولين كبار ومواطنين عاديين يأتون إليها من مختلف بلدان العالم ليتعرفوا ويفتشوا في البيئة التي شكلت وجدان 'زعيم' وحىد قلوب شعوب أمة تمتد من المحيط إلي الخليج.. وظلت ذكراه عالقة في قلوبهم وعقولهم إلي اليوم.
والقرية 'نفسيا' فالمرى هو اسم القرية وعنوان لحالها ومن فيها من مواطنين بسطاء رأوا في رحيل 'ناصر' اغتيالا 'لحلم' كبير كانوا ينتظرون تحقيقه، وهي حالة تستطيع أن تشعر بها في أحاديثهم ومجالسهم وتعليقاتهم التي لا تخلو من الترحم.. والحسرة.. والتي كثيرا ما تنتهي إلي تسليم أمرهم إلي الله سبحانه وتعالي.
و'بني مرى' وصفا تشبه إلي حد كبير قري مصرية من حيث البيئة الفقيرة.. وطوابير العاطلين التي تمتلئ بهم 'المقاهي' المتواضعة للغاية والتي يقتصر دورها علي تقديم'الشاي' و'الشيشة' وغير ذلك فيعد من باب الترف والبذخ وفوق القدرات المادية لروادها.. ناهيك عن حالة الإهمال والتجاهل من قبل المسئولين لها.. واناس يتناولون كل يوم جرعات مكثفة من المعاناة في كل شيء.. العلاج.. التعليم.. محاولين جهد استطاعتهم التمرس علي عقبات الحياة اليومية والتغلب عليها وتستطيع أن تتابع إحدي معاركهم اليومية في أول مشهد تقع عليه عيناك عند دخولك القرية عبارة عن 'طابور' بعرض القرية وحالة من التزاحم الشديد وكتل من البشر البائسين في حالة 'غضب' من أجل الحصول علي 'رغيف' من كشك خشبي أقيم بالصدفة أمام بيت 'عم' الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في إشارة تقول 'حتي بعد رحيلي تسكن بجواري معاناتكم'.
و'بني مر' معماريا تنقسم إلي جزءين: 'القرية القديمة، والتوسعات الجديدة' وبها منزلا عمي الزعيم الراحل 'عطية حسين خليل' توفاه الله، والحاج 'طه حسين خليل' حي يرزق.. والتوسعات الجديدة تم إنشاؤها في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وبها مدرسة تحمل اسم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بها مدرسة لتحسين الخطوط، ومركز شباب متواضع، والوحدة المحلية ويغلب علي طرازها المعماري البيوت التي شيدت بأموال الخليج.. وعلي النقيض تماما نجد العديد من منازل القرية القديمة بنيت من الطوب اللبن وأغلب المنازل متواضعة تجمعها عشوائيات ونادرا ما تجد بيوتا بنيت 'بالأسمنت المسلح'.. وحالة القرية بشكل عام يرثي لها.. حيث أكوام القمامة، والباعة الجائلون، والعشوائيات، والمحلات المتواضعة التي تشبه محلات الحاج 'يوسف' في فيلم 'الأرض' ويزيد من بؤس الحالة وسوداوية المشهد حالة التعطل والبطالة التي يعيشها الغالبية العظمي من أبناء القرية، وهو ما يشعرك بأن حالة 'بني مر' صورة مصغرة لما تعانيه مصر بأسرها.
• بقايا عائلة عبدالناصر
رحل عبدالناصر.. تاركا إرثا عظيما لأسرته في 'بني مر'، لم يكن مالا أو جاها أو سلطانا، وإنما حالة فريدة من الحب والانتماء لإنسان عزيز، تلمس المكانة التي يتمتع بها في قلوب العامة من أبناء 'القرية' عند الحديث عنه كقائد وزعيم وقبل كل هذا.. إنسان، تعددت الروايات والحكايات والقصص التي تبرز جوانب شخصيته.. هذا الإرث والرصيد الهائل من حب الناس لعبد الناصر كان الثروة الحقيقية التي آلت لأسرته في 'بني مرى'، بعد رحيله، وأسرته هناك هي عمه الحاج 'طه حسين خليل' وأبناؤه 'ناصر ومحمد وخالد وحسين وصلاح' وعمه الحاج 'عطية حسين خليل' وأبناؤه 'حسين ومصطفي وعلي'.. والأخير وأقصد 'علي عطيه حسين' مهندس زراعي في الوحدة المحلية بالقرية حكي لي كيف أنه هو وأبناء أعمامه لم يستطيعوا أن يلتحقوا بأي وظيفة وفشلوا في إيجاد 'واسطة' لتعيينهم وتكوين أسرة وأن أخويه تحديدا تم تعيينهما بشق الأنفس: 'حسين' في التربية والتعليم و'مصطفي' في حي غرب أسيوط و'علي' ذاته موظف بسيط يتقاضي راتبا لا يزيد علي (300) جنيه.
وبحسرة شديدة حدثني عن ظروف تعيين أبناء آعمامه الآخرين قائلا: في أحد الأيام ذهب أبناء عمي إلي محافظ أسيوط الأسبق رجاء الطحلاوي للحصول منه علي تزكية لتعيينهم في إحدي الوظائف بالمحافظة تصادف وقتها وجود وزير البترول الأسبق 'حمدي البنبي' في زيارة لمحافظة أسيوط فما كان من المحافظ سوي التوسط لدي 'الوزير' بعد ان أخبره بأنهم أبناء عم الرئيس جمال عبدالناصر واستجاب الوزير لرغباتهم وعينهم في عدد من شركات وقطاعات البترول المختلفة، وإن أبدي اندهاشه من حالتهم متسائلا: كيف يحدث ذلك لأناس من 'ريحة عبدالناصر'؟!
وأضاف: هكذا يتعامل مع عبدالناصر وأقاربه فهل أحد يصدق أن الرجل الذي شيد المصانع،والسد العالي، وبني صروحا صناعية عظيمة لمصر فشل أقاربه في الحصول علي وظيفة 'بسيطة' ينفقون منها علي أبنائهم؟ وهل ذنب عبدالناصر وذنبنا معه أنه رفض أن يكنز لنفسه المال وأن يعلي مصلحة البلاد فوق المصلحة الشخصية؟
نفس الحال ينطبق علي ابن عمه 'محمد مصطفي خليل' الذي فشل في الحصول علي وظيفة من خلال المسابقات المختلفة حتي تم تعيينه عاملا بمسجد القرية يتقاضي مرتبا شهريا لا يزيد علي 160 جنيها ينفق منها علي أسرته، ويعيش في منزل متواضع جلسنا به بجوار المنزل القديم للرئيس جمال عبدالناصر.
• منزل عبدالناصر للبيع!
وبمناسبة 'البيت الكبير' لآل عبدالناصر في 'بني مر'.. فالمنزل قديم بني عام 1900 مكون من دورين مسقوف 'بالخشب'، مهجور لفترة طويلة علي مساحة تزيد علي 600 متر، وفي السنوات التي تلت رحيل عبدالناصر كان مقصدا لزعماء ورؤساء دول ومسئولين كبار ومواطنين من بلدان العالم، جاءوا ليروا البيئة التي عاش فيها زعيم كان لا يزال حديث الساسة، والأكاديميين، والباحثين، رغم كونه بيتا مهجورا وأمامه مساحة فضاء كبيرة تحولت فيما بعد إلي استراحة 'للبهائم' من الحمير والجاموس!!
وسط حالة من اللامبالاة من المسئولين، فكيف يصبح بيت 'عبدالناصر' بهذه الصورة ويأتي إليه اناس من شتي بقاع الدنيا، ولا يحاول أحد تجميله أو إظهاره بصورة تليق بسمعة 'زعيم' في حجم 'عبدالناصر'؟.
• 'إسرائيل' في البيت الكبير
روي لي أيضا أحد أقارب الرئيس الراحل عن زيارة غامضة قام بها عدد من السائحين إلي 'البيت الكبير' عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.. تبين بعد ذلك أنهم مجموعة من الساسة 'الصهاينة' جاءوا متخفين لزيارة المنزل في رسالة بعد توقيع الاتفاقية مغزاها 'ها نحن ندوس بأقدامنا علي تراب عبدالناصر وأهله'، كما روي لي كيف أصر وزير أوربي سابق علي اصطحاب حفنة من تراب 'البيت الكبير' عقب زيارته تذكارا لزيارته واحتفاء بعبد الناصر ذاته، وهذا يدل علي المكانة التي يتمتع بها عبدالناصر في الخارج وبين ألد أعدائه.
وقصى لي آخر عن احتضان 'البيت الكبير'.. وديوان العائلة المجاور له للاجتماعات الأولي للضباط الأحرار.. وكيف انطلقت الشرارة الأولي لقيام الثورة من هنا.. 'بني مر' أثناء وجود الرئيس جمال عبدالناصر في معسكر 'منقباد'.
ورغم الكم الهائل من الروايات والقصص حول 'البيت الكبير' وأهميته التاريخية فإن بعض أسرة الرئيس جمال عبدالناصر يهددون بعرضه 'للبيع' لضيق ذات اليد، وهو ما يلخص جيدا حالة هذه الأسرة التي لا تختلف تماما عن حالة أهل 'قريتهم'!!
• السادات في 'بني مر'
ولبيوت أسرة عبدالناصر في بني مر قصص أخري، ففي شتاء عام 1970 زار الرئيس الراحل عبد الناصرأنور السادات قرية بني مر في زيارة خاصة لأسرة الزعيم الراحل وكان في انتظاره عمه الحاج 'عطية حسين خليل'، ونزل ضيفا عزيزا في دوار العمدة آنذاك المرحوم 'محمد ماهر' وطلب منه الحاج 'عطية حسين خليل' أن يجلس في منزل العمدة وليس أحد بيوت الأسرة، فما كان من الرئيس أنور السادات سوي أن أعطي تعليماته بمنح الحاج عطية قطعة أرض لبناء 'دوار' يجمع الأسرة، لم تستطع الأسرة بنائه إلا في أوائل الثمانينيات مع سفر أحد أفراد الأسرة لإحدي دول الخليج وقدرته علي بنائه.
عندما بكي عبدالناصر.. الإنسان
من القصص التي رواها لنا ابن عم الرئيس الراحل المهندس 'علي عطية حسين' وتبرز حقيقة العلاقة التي ربطت بين عبدالناصر والسلطة وعبدالناصر وأهله، اللقاء الذي جمعه وعمه 'عطية حسين' في المكتب الرئاسي، حيث شكا 'العم' إلي 'الرئيس' ضيق الحال وكيف وصلت به الأمور إلي حد لا يستطيع معه الإنفاق علي أسرته، مطالبا بأن يعطيه ثمن شراء 'جاموسة' لفك ضائقته المالية، فأجهش عبدالناصر بالبكاء، وطلب من مدير مكتب أن يحضر 'المبلغ' الذي يحتاجه 'عمه' وقد كان، وعندما انصرف عمه طلب من مدير مكتبه إحضار إيصال أمانة مدون به 'المبلغ' وعندما جاء له بإيصال الأمانة قام عبدالناصر بالتوقيع عليه.. وعندما سأله مدير مكتبه مندهشا قال: هذا مال الشعب وعليك خصم هذا المبلغ من راتبي حتي أوفي بالدين.
تري أين يقف مسئولون سابقون وحاليون من هذا الموقف؟ وماذا عن الهباشين الجدد؟!
• عبدالناصر 2007
في زيارتنا لقرية 'بني مر' للاحتفال بثورة 23 يوليو كان واجبنا أن نقدم التهنئة إلي أهل عبدالناصر نفسه، فكما توجهنا إلي منزل عمه الأكبر عطية حسين ومقابلة أبنائه، توجهنا إلي منزل عمه الأصغر الحاج 'طه حسين'، لكننا لم نستطع مقابلته نظرا لتدهور حالته الصحية.. وأن استضافنا ابنه الأصغر المحاسب عبدالناصر بحفاوة كبيرة في منزلهم المكون من '3 أدوار' ملحق به استراحة لمقابلة 'الزوار' علق بداخلها صورة نادرة لعبدالناصر يشرب من 'القلة' مع عميه طه وخليل، وابن عمه صلاح طه في البيت الحرام ولقاءاتنا مع الابن 'عبدالناصر' وابن عم الرئيس الراحل أعطتنا صورة أخري من صور التجاهل والاضطهاد لقرية 'بني مر'، وأهلها وأسرة زعيمها فقد حكي لنا عن تجربته السياسية، وكيف رشح نفسه مستقلا في انتخابات مجلس الشعب عام 1995، ورغم حصوله علي أكبر عدد من الأصوات في بداية العملية الانتخابية إلا أنه حدثت بعض التدخلات التي حالت دون فوزه، وعاود الكرة مرة أخري في انتخابات عام 2000 وهذه المرة أراد أن يخوض المعركة علي قائمة الحزب الوطني، إلا أن الحزب استبعده من قائمته، فما كان منه سوي أن تقدم باستقالته من الحزب الوطني وقال: اتصلت بمسئولين بارزين في الدولة فنصحوني بعدم خوض الانتخابات وأعطوني وعدا بالإتيان علي قائمة الحزب في انتخابات الشوري التي أجريت عام 2003 وهو ما لم يحدث، وعندما سألت عن السبب لم يجبني أحد، وكأن هناك رفضا لكل ما هو ناصري، أو يمت لعبدالناصر بصلة.
• غياب الاحتفال بالثورة وناصر
الشيء اللافت للانتباه في زيارتنا لمحافظة أسيوط وقرية 'بني مر' مسقط رأس جمال عبدالناصر صبيحة يوم الاحتفال بمرور 55 عاما علي قيام ثورة 23 يوليو.. اختفاء أي مظهر من مظاهر الاحتفال بالثورة وقائدها.. لا يافطات ولا لافتات وقلنا في أنفسنا: إن اللافتات التي تعلقها المحافظة في مختلف قراها ومركزها بمناسبة حملة تطعيمات الأطفال أكثر بكثير مما حدث لتكريم الثورة في عيدها الخامس والخمسين، وتساءلنا عن السبب وراء عدم وجود تمثال لعبدالناصر في قلب المحافظة التي ينتمي إليها، أو حتي قريته مسقط رأسه، وعلمنا من بعض أهالي القرية أن محاولات جرت لتشييد تمثال لعبدالناصر في القرية لكنهم وضعوا أمامها المعوقات والعقبات المتتالية حتي لا تظهر الفكرة للنور.. ورووا لنا أن بعض أعضاء المجلس المحلي بالقرية تطوعوا منذ 3 أشهر تقريبا لعمل صورة 'بوستر' لعبدالناصر في مدخل القرية كلفتهم ثلاثة آلاف جنيه، ولكن أمين الحزب الوطني السابق بأسيوط محمد عبدالمحسن صالح رفض تعليق 'البوستر' بصفته رئيس المجلس الشعبي المحلي، وعندما حاولوا سؤاله عن أسباب رفضه أجابهم: 'دي تعليمات عليا.. ومحدش يدخل نفسه في اللي ملهوش فيه'.. هذا بخلاف معركة إطلاق اسم جمال عبدالناصر علي مدرسة القرية، وكان إصرار أهلها دافعا لرضوخ المسئولين لرغبتهم، والاكتفاء بطلاء منزله باللون الأزرق تمهيدا لتجهيزه كمتحف وهو ما لم يتحقق حتي الآن.. لتظل الثورة وقائدها في طي النسيان والتجاهل.
*الاسبوع المصرية-محسن شرقاوي

التعليقات