سماح ومحسن فقدا البصرعلى معبر رفح الحدودي

غزة-دنيا الوطن

فقدت شابة وطفل فلسطينيان من العالقين على معبر رفح الحدودي من الجانب المصري بصريهما إثر تدهور حالتهما الصحية من طول انتظار تشغيل المعبر وعودتهما إلى قطاع غزة.

سماح يحيى إبراهيم (26 سنة) ومحسن عدنان (5 سنوات) من أبناء قطاع غزة كانا من ضمن أبناء القطاع الذين غادروه قبل ثلاثة شهور، بحثاً عن أمل في علاج لمرض أصابهما في العين فأضعف بصريهما، وحطت بهما ركاب البحث عن الدواء لهذا الداء في المملكة العربية السعودية ولكن لم تفلح جهود الأطباء في الوصول إلى علاج ليعودا من حيث أتيا ولكن قبل أن يصلا إلى حدود أرضهما المحتلة كان قد سبقهما قرار إغلاق المعبر أمامهما وأمام آلاف آخرين لتلصق بهما هوية “عالق” الى حين انفراج الأزمة، التي طال أمدها وعاشا خلالها يعتصران آلام الشوق إلى الأهل بدموع غزيرة قضت على آخر ما تبقى لهما من نور البصر.

قالت سماح" إنها ذهبت برفقة والدتها إلى السعودية للعلاج من ضعف البصر الذي فاجأها قبل نحو عام، ولكنها عادت فاقدة الأمل بعدما أخبرها الأطباء بعدم وجود علاج لمثل حالتها في المملكة.

تستطرد سماح: أديت العمرة واعتبرت ذلك نعمة من الله تغنيني عن أي شيء آخر وعند عودتنا إلى غزة عبر الأراضي المصرية فوجئنا بإغلاق المعبر ولأن لا أحد معي إلا والدتي (وهي سيدة مسنة) وما نحمله من أموال بالكاد يكفي، فقد تقطعت بنا السبل إلى أن دلنا أهل الخير على رجل فاضل من أبناء فلسطين المقيمين في رفح المصرية وهو الشيخ عبدالساتر الغلبان الذي فتح منزله لكل من تقطعت بهم السبل من الفلسطينيين العائدين إلى غزة ولا يجدون مأوى، وبالفعل استقبلنا هو وزوجته وأولاده في منزله مع مئات آخرين من العالقين ممن يعيشون المأساة وتزيد أحزانهم وآلامهم عما نعانيه بكثير، ومع طول الانتظار واشتداد المرض ودموع الألم الذي أصاب عيني وأيضا دموع الشوق إلى إخوتي ومنزلي ووطني الذي أغلقت أبوابه أمامي، حتى أصبحت ذات يوم لأجد أنني فقدت نور البصر من عيني ولا أشاهد إلا الظلام “لا أستطيع أن أصف هول المفاجأة” (هكذا قالت سماح) ولكن قوة إيماني وأملي في رب العالمين أنه حتما سيخرجني من هذه الظلمة هوّنت علي مصاعب كثيرة.

أما الطفل محسن الذي شارك سماح مأساة المرض وهَم فراق الأهل فقد قال والده إنه أيضا كان قادما من المملكة العربية السعودية التي ذهب إليها لعلاج ابنه وإنقاذه من مرض يصيب الأسرة بالعمى إذا ما أصبحوا في الخامسة من عمرهم وهو ما قضى على بصر أبنائه الأربعة الآخرين ومع ذلك لم تفلح جهوده لمحاولة إنقاذه بعدما اخبروه هناك بأن علاج مثل هذه الحالة غير ممكن في الوقت الحالي وعاد كما ذهب ولكن شاء القدر أن يستبق طفله وقته ويفقد بصره وهو يتألم على أبواب وطنه بانتظار من يسمح له بالدخول.

الطفل الصغير محسن ذو الخامسة من العمر قال” في براءة الأطفال إنه يتمنى أن يشارك الأطفال اللعب دون أن تتعثر قدماه أو يقوده أحد من يديه، وأنه يئس جدا من الظلام الذي أصبح يلازمه، وتساءل: هل سيبقى هكذا إلى الأبد؟ ومتى سيحظى بمغادرة هذا السجن ويودع هذا الكدر الذي أصبح يعيش فيه ويعود إلى وطنه ليحتضن أمه وإخوته الأربعة؟ وما ذنبه ليغلق المعبر أمامه حتى بعد أن فقد بصره.

مرارة وألم ما ألمّ بالشابة سماح والطفل محسن لم ينسيا الفلسطينيين العالقين أن يحيوا “سبوع” الطفلة “بيسان” التي أنجبتها أمها وهي بانتظار الدخول إلى غزة، وعلى الطريقة الفلسطينية في إحياء “سبوع” الطفلة تجمع العشرات من الفلسطينيين العالقين حول “بيسان” وهم يوزعون “حلويات” المولودة الجديدة التي احتضنتها جدتها بينهم، لأن والدتها خولة صالح حمدان لم تستطع المشاركة فهي مصابة بمرض السرطان الذي كانت تعالج منه في المستشفيات المصرية، وهو ما قادها إلى رحلة مغادرة القطاع إلى أن انقطعت بها السبل وهي في رحلة العودة لتضع مولودتها التي كتب في التاريخ اسمها كأول مولودة فلسطينية تتحمل آلام الاقتتال والصراع على مقاليد الأمور في غزة بين أشقاء الوطن والدم وهي لا تزال في المهد.

وإذا كانت مأساة “بيسان” أنها ولدت من رحم الأزمة التي عاشها معها والداها، فإن مأساة الطفل خالد صالح جازي ذي الثمانية أشهر أنه محروم من مشاهدة والده الدكتور صالح الذي يعمل في قطر، وهو أحد اللاجئين الفلسطينيين الممنوع دخولهم إلى غزة كما قالت زوجته سماح عبد الستار، حيث ذكرت أنها تزوجته قبل عامين وسافرت إليه في قطر حتى أنجبت مولودها، وهناك انتهت تأشيرة إقامتها لتعود إلى غزة ومعها طفلها، في حين أن زوجها ممنوع من دخول غزة وأصبح الطفل عمره 8 أشهر وهي تتمنى أن يصل صوتها إلى أمير قطر لاستثنائها وسرعة لم شملها مع زوجها لأجل مستقبل هذا الطفل الذي أصبح غامضا.

ويروي الشيخ عبدالكريم صبحي (50 سنة) مأساته مع مرض السرطان الذي يعالج منه في المستشفيات المصرية، وزادت صعوبة المرض مع طول مدة انتظار العودة إلى غزة. قال إنه يتمنى أن يحقق له الله على يد أهل الخير أمله الأخير وهو على فراش المرض بأداء العمرة هو وزوجته، فقد ضاقت الدنيا أمام عينيه بعد إصابته بهذا المرض، ولم يعد في الإمكان تدبير نفقات العمرة، وهو يتمنى أن يزور الكعبة قبل مماته.

وعلى الرصيف المقابل لمجلس مدينة رفح المصرية على بعد أمتار قليلة من حدود مصر مع غزة جلس العشرات من الفلسطينيين العالقين وهم يحملون معونات غذائية قدمها لهم “الهلال الأحمر المصري”، وكان من المشاهد المؤثرة في مسار أزمة العالقين في البحث عن الطعام بعد أن نفدت أموالهم.

تعرض صابر سليم زعرب من رفح وهو رجل مسن وصل بالكاد إلى من يقومون بتوزيع المعونات ليستلم حصته التي هي عبارة عن “كرتونة” فيها قليل من الطعام يكفي لمد يوم ونصف اليوم ليختطفها ويعود بها قاطعا الطريق في الاتجاه الآخر لتفاجئه حافلة تتبع قوات الأمن المركزي المصري وينجو هذا الشيخ من تحت عجلاتها من الموت بأعجوبة ليكتب له عمر جديد ويعود الى أطفاله حاملا المعونة التي دبرها اليوم ولا يعلم هل سيجدها غدا أم لا؟

منصور سالم حسين، أحد العالقين، قال إن المئات من العالقين أصبحوا لا يجدون مكانا يقيمون فيه في رفح المصرية بعد ما امتلأت شقق المدينة الصغيرة بهم كذلك منازل أهلها الذين استقبلوا العالقين وحتى القرى المجاورة لها مما اضطر البعض لأن يجلس تحت أشجار الخوخ واللوز المنتشرة على طول الحدود عسى أن يأتي الفرج قريبا ويعودوا إلى وطنهم لتبقى هذه الأزمة والمأساة مجرد محطة عابرة في تاريخهم الذي لم يعد مخضبا بدم الشهداء في مواجهة العدو ولكن بدموع العالقين وهم ينتظرون انتهاء مباراة الشقيقين على كراسي القيادة عسى بعد انتهائها أن يريحوا ويستريحوا وتفتح أبواب معبر رفح منفذهم الوحيد على العالم، ليعودوا إلى حضن الوطن الذي أصبح بعيدا من خلف الأسوار، رغم أنه قريب بحسابات المسافات.

التعليقات