خادمات المنازل في مصر جامعيات ومن حملة المؤهلات العليا

غزة-دنيا الوطن

يبدو أن ملف «الخادمات» في مصر لن يغلق بعد ان بعثرت أوراقه وزيرة القوى العاملة المصرية منذ أشهر عندما أعلنت عن رغبتها في تصدير الخادمات إلى الخارج لمواجهة البطالة المتزايدة في المجتمع، ورغم المعارضة الشرسة للفكرة من المثقفين والمفكرين، إلا ان الفكرة لاقت وقتها ترحيباً كبيراً من اصحاب المهنة وتدافعن بالآلاف على مبنى الوزارة أملا في الحصول على «استمارة سفر»، وهو ما اطلق عليه خبير اجتماعي ظاهرة «هجرة الخادمات»، وفي وقت سابق كانت مصر تعاني من ظاهرة عكسية أو ما عرف بـ«موضة الشغالة الأجنبية» وهي موضة لم تستمر طويلا بسبب ارتفاع رواتبهن مقارنة بالمصرية.

وقد ارتبطت مهنة الخادمة في مصر على مدار سنوات عديدة بصورة نمطية تحمل ملامحها تفاصيل الفقر والأمية والحاجة، ولكن يبدو أن الايام المقبلة ستشهد نوعاً من التغيير في ملامح تلك الصورة وذلك بعد دخول الجامعيات اللاتي فشلن في العثور على فرصة عمل الى سوق المهنة وبتن يلجأن الي مكاتب التخديم التي تتولى الاعلان عنهن في الصحف المتخصصة في إعلانات تشير الى رغبتهن في العمل كخادمات براتب يتراوح بين 800 جنيه و1300 جنيه حسب المؤهل. وأصبح الحصول على خادمة جامعية امراً يسير ما عليك الا أن تطلب مكتب التخديم الذي يحدد لك موعداً للحضور لمقابلة الخادمة، وإذا رأيت أنها مناسبة يتم الاتفاق على شروط العمل وعدد ساعاته وما إذا كانت ستقيم بشكل دائم في المنزل أم ستحضر في الصباح وتنصرف مع حلول المساء، وكلها أمور تساهم في تحديد الراتب.

«سميحة»، 25 سنة، إلتقيناها في أحد مكاتب «التخديم»، بدأت هي الحديث بأنها حاصلة علي بكالوريوس تجارة منذ ثلاثة أعوام، وفشلت في الحصول على فرصة عمل كغيرها من الشباب فاضطرت للعمل كبائعة في أحد محال الملابس في وسط القاهرة، إلا أن الراتب لم يكن مجزياً مقارنة بعدد ساعات العمل، فقد كانت تحصل على 350 جنيها وتعمل لمدة 12 ساعة يومياً. وأضافت: في أحد الايام قرأت إعلاناً جذب انتباهي في جريدة «الاهرام» المصرية كان يقول: «أسرة سفير مصري تطلب خادمة متعلمة براتب 1000 جنيه في الشهر». الحقيقة أذهلني المبلغ، وقررت خوض التجربة وهاتفت أصحاب الاعلان وطلبوا مني الحضور الى منزلهم وعندما ذهبت نلت موافقتهم على العمل وكان الاتفاق أن تبدأ ساعات العمل في الثامنة صباحاً وتنتهي في السابعة من كل يوم أذهب بعدها الى منزلي. سميحة أكدت في حديثها أن حياتها تغيرت على مدار العام الأول لعملها كخادمة بعد أن حصلت على 1000 جنيه في الشهر مع عدد محدد ومناسب من ساعات العمل وأن هذا المبلغ شجعها بعد شهرين من العمل على الاعتراف لأسرتها بحقيقة عملها الذي رفضوه في بادئ الامر وتقبلوه أمام إغراء المبلغ في النهاية.

«بكالوريوس سميحة» ليس المؤهل الوحيد في مكتب التخديم، فهناك العديد من المؤهلات الأخرى والتي تبدأ من الحاصلات على الثانوية العامة والدبلومات الفنية وتنتهي بالليسانس والبكالوريوس، ولكن السمة الوحيدة التي تجمع كل هؤلاء هي الحاجة لفرصة عمل ودخل مرتفع يواجهن به ظروف الحياة.

عادل كريم المسؤول في مكتب التخديم أخبرنا أن هناك العديد من الباحثات عن العمل من المتعلمات يأتين اليه ويملأن طلبات للالتحاق بالخدمة في المنازل ويقوم المكتب بالإعلان عنهن في الصحف، ويجري المكتب لقاء بين الزبائن والعاملات للاتفاق على الشروط ويحصل المكتب على عمولته ربع شهر من الخادمة، و«أي شيء» من الزبون، وأختتم حديثه قائلا: «لم يعد هناك خجل من تلك المهنة، الظروف الاقتصادية أجبرت الجميع على العمل في أي شيء».

يذكر أن معدلات البطالة في مصر قدرتها الارقام الدولية بنحو 8 ملايين عاطل عن العمل، وأن نسبة العاطلين عن العمل ممن هم دون الثلاثين من العمر بلغت 92% من إجمالي النسبة الكلية.

دكتور أحمد المجدوب أستاذ الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية علق على تلك الظاهرة بقوله: الفترة المقبلة ستشهد العديد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ستفرزها الظروف الحالية التي يمر بها المجتمع، بالإضافة الي فكر العولمة الذي بات له التأثير الاكبر في حياة سكان الكرة الارضية، ففي الخارج لا أحد يخجل من عمله أيا كان طالما أنها مهنة شريفة تضمن له عائداً مجزياً يمنحه حياة كريمة. ولكن إذا كان هؤلاء المتعلمات امتلكن قدراً من المرونة في التعامل مع الواقع فعلى الدولة أن تضمن لهن قدراً من الضمانات الخاصة بقوانين العمل وبشكل يكفل لهن الحماية.

على سبيل المثال هل لو تعرضت واحدة منهن للضرب أو محاولة تحرش سيكون هناك القانون الذي يضمن لها حقها كما حدث مع خادمة ناعومي كامبل؟ بالطبع لا وذلك لوجود قصور في ذهن المجتمع والمشرع حتي وقتنا هذا فيما يتعلق بالقوانين الخاصة بحماية العامل أيا كانت مهنته وهو ما يجب اعادة النظر فيه.

التعليقات