مصر:شرطي يصارع كل يوم لإقناع السائقين أن الأحمر ليس أخضر
القاهرة: مايكل سلاكمان *
ربما يشغل احمد حسين اكثر الوظائف اثارة للخوف في القاهرة. فصباح كل يوم وفي الساعة السابعة يأخذ موقعه في وسط طريق ما، في مدينة تسير مليوني سيارة ويحاول توجيه المرور.
واليوم يقف في شارع طلعت حرب، في قلب القاهرة. وهو يواجه خمسة صفوف من السيارات في طريق ليس به الا ثلاثة مسارات، وهو مشهد يثير الخوف من حيث الشكل والصوت. ومهمته هي التأكد من ان السيارات تقف بالفعل علي اشارات المرور قبل ان تدور حول الميدان. ففي مصر الضوء الأحمر والأخضر يعني نفس الشيء. وقال احمد حسين «اهم شيء بالنسبة لنا هو اتباع القواعد المرورية». تجدر الاشارة إلى ان المرور هنا، وجيش عناصر الشرطة الذين يحاولون تنظيمه، يوضح الكثير عن مصر الحديثة بكل الوسائل الكبيرة والصغيرة. الانطباع الاول هو انه بغض النظر عن الازدحام، وهي تتعدى الازدحام، وبغض النظر عن الفوضى، وهي تتعدى الفوضى، فإن الامور في مصر تسير.
الفقراء يتمكنون من تناول الطعام. والاطفال يذهبون للمدارس. والمكاتب الحكومية تفتح وتغلق. والقمامة تجمع. والمرور يتدفق، او ربما يزحف.
وفي الواقع، يبدو الأمر معجزة في امكانية انتقال شخص من نقطة لأخرى في وقت معين من اليوم، لدرجة ان البعض يقول ربما كان نتيجة للعناية الالهية. وهي النقطة الثانية. لا احد يقول ان المرور هو المسؤول عن الصحوة الاسلامية في مصر، ولكن البعض يقول ان الضغوط في الشوارع، مثل صراع الحياة اليومية، قد اكدت قناعة ان الله يساعد الناس على استمرار حياتهم اليومية.
ويقول اسامة انور عكاشة وهو كاتب تلفزيوني تفحص اعماله الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر «من الغريب كيفية استمرار الناس في الحياة، وكيف تستمر مصر في الوقوف، وكيف يمكن للناس، اذا ما كانوا يتسمون بالصبر، يمكنهم بعض الاحيان الوصول إلى هدفهم. يبدو الامر وكأن هناك معجزة. الحل في يد قوى خفية».
السائقون لا ينظرون خلفهم. ونادرا ما ينظرون إلى جانبهم. وبدلا من ذلك تتحرك السيارات مثل مجموعة من الاسماك، إلى الامام، ثم ينطلقون ويتحركون في توحد. ويتوقف المرور، عندما يقف ضابط المرور في الطريق.
ويقول العميد حسين بدير المشرف على الضباط «في كل الدول المتحضرة لا يوجد شخص يقف في وسط الطريق يصدر تعليمات لمدة 10 ساعات. ولكن هنا اعتاد الناس على ذلك».
بينما ذكر عصام قاسم سائق سيارة اجرة وهو يناضل عبر شارع حسن صبري في حي الزمالك «نحن شعب لا يقوم بأي شيء الا اذا كان هناك شخص يجعلنا نقوم به. لا نلتزم بالقواعد بأنفسنا».
الا ان الناس هنا يقولون ان طبيعة السائقين الفوضوية ليست بلا سبب. فنفس ضباط المرور الذين يتولون مهمة تدفق المرور يطلب منهم وقف تدفق المرور. فهم يغلقون الشوارع كي لا يتعرض الاشخاص المهمون لمشاكل المرور. وهو ما يثير جنون الناس.
وهذا الاحساس بالظلم الذي يشعر به الشخص العادي المحاصر في الطرق لعدة ساعات، يؤدي إلى عدم احترام قواعد المرور.
ويقول صلاح عيسى رئيس تحرير صحيفة «القاهرة» وهي صحيفة اسبوعية تصدرها وزارة الثقافة «المشكلة في مصر ليست ان المصريين لا يحبون النظام. بل هي مشكلة الاستثناءات في تطبيق النظام ـ وهو ينطبق على المواصلات. وهو امر يستفز المصريين ويدفعهم للتفكير بأنه ما دام الامر يتعلق بـ«الفتونة»، فكل شخص يعتمد على نفسه ويتحول لفتوة».
وفي شارع طلعت حرب كان اليوم يزداد حرارة وتنبعث ضوضاء من جهاز الراديو الخاص به. عوادم. ابواق. سائقون عدوانيون. وقال حسين «تعتاد عليها».
وتجدر الاشارة إلى وجود 6 الاف ضابط مرور في مصر، وتقدر الشرطة في القاهرة انهم ينظمون مرور مليوني سيارة في شبكة مصممة اساسا لنصف مليون سيارة.
وينقسم ضباط المرور في تقاطعات الطرق طبقا للرتبة، والرجال يرتدون اكماما بيضاء هو في ذيل القائمة.
وقال جلال احمد البالغ من العمر 21 سنة في يوم وصلت فيه درجة الحرارة إلى مائة درجة فهرنهايت (38 درجة مئوية). نعم انها في غاية الحرارة. وهو مجند يحصل على ما يوازي 26 دولارا في الشهر. ويجب ان يخدم لمدة ثلاث سنوات. ووظيفته الوحيدة هو الوقوف في الشارع لايقاف السيارات والتلويح لها بالمرور عندما يحين الوقت.
الا ان حسين يشغل منصبا اكبر. فقد كان يرتدي قميصا نصف كم ويحمل جهاز لا سلكي، وهو رمز السلطة في الشرق الأوسط. فأي شخص يمكنه حمل سلاح في مصر، ولكن جهاز اللاسلكي يشير إلى ان الشخص هو جزء من شيء اكبر، شيء له سلطة: وفي هذه الحالة الشرطة المصرية.
وخلال وجود رؤسائه حوله اقتصر حسين على الابتسام وبعض العبارات المحدودة. ولكن عبر المدينة كان ضابط شرطة اسمه محمد احمد اكثر صراحة. فقد قال انه حقق 400 جنيه مصري في الشهر يدفع منها 150 جنيها ايجارا.
ولمواجهة اعباء الحياة، قال انه يعمل في وظائف اخرى، وبدون التحدث بصراحة اعترف بحقيقة اخرى للحياة في مصر: شرطة المرور يحصلون على «بقشيش» للسماح للناس بإيقاف السيارات في الممنوع، والنظر للجانب الاخر.
وقال احمد عصام، وهو مسؤول علاقات عامة في شرطة المرور، «في الوقت الذي نعترف فيه بأن المرتبات ضعيفة، فهذه هي امكانيات البلاد».
والبقشيش ليس مقبولا تماما في البلاد، ولكنه يعتبر صمام امان، ووسيلة للشعب للحصول على بضعة جنيهات في وقت ترتفع فيه الاسعار ولا تزيد فيه المرتبات. وهو منتشر على جميع المستويات.
وقال عبد الفتاح الجبالي في مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية في صحيفة الاهرام «الفساد منتشر على نطاق واسع في المجتمع لانه اصبح جزءا من الحياة هنا، وبدأت الثقافة الاجتماعية في تبريره ـ ويعتبره الناس رزقا».
وقال احمد انه مع دخله ونفقاته لا يمكنه ان يشرح كيف يعيش، وهو ما يعيدنا إلى مناقشتنا، النظام يعمل ولكن لا بد وانه يحدث بمساعدة من الله، كما ذكر احمد. واضاف لا تسأل كيف نعيش شهريا ولكن بمساعدة من الله نتمكن من الاستمرار».
* «نيويورك تايمز»
ربما يشغل احمد حسين اكثر الوظائف اثارة للخوف في القاهرة. فصباح كل يوم وفي الساعة السابعة يأخذ موقعه في وسط طريق ما، في مدينة تسير مليوني سيارة ويحاول توجيه المرور.
واليوم يقف في شارع طلعت حرب، في قلب القاهرة. وهو يواجه خمسة صفوف من السيارات في طريق ليس به الا ثلاثة مسارات، وهو مشهد يثير الخوف من حيث الشكل والصوت. ومهمته هي التأكد من ان السيارات تقف بالفعل علي اشارات المرور قبل ان تدور حول الميدان. ففي مصر الضوء الأحمر والأخضر يعني نفس الشيء. وقال احمد حسين «اهم شيء بالنسبة لنا هو اتباع القواعد المرورية». تجدر الاشارة إلى ان المرور هنا، وجيش عناصر الشرطة الذين يحاولون تنظيمه، يوضح الكثير عن مصر الحديثة بكل الوسائل الكبيرة والصغيرة. الانطباع الاول هو انه بغض النظر عن الازدحام، وهي تتعدى الازدحام، وبغض النظر عن الفوضى، وهي تتعدى الفوضى، فإن الامور في مصر تسير.
الفقراء يتمكنون من تناول الطعام. والاطفال يذهبون للمدارس. والمكاتب الحكومية تفتح وتغلق. والقمامة تجمع. والمرور يتدفق، او ربما يزحف.
وفي الواقع، يبدو الأمر معجزة في امكانية انتقال شخص من نقطة لأخرى في وقت معين من اليوم، لدرجة ان البعض يقول ربما كان نتيجة للعناية الالهية. وهي النقطة الثانية. لا احد يقول ان المرور هو المسؤول عن الصحوة الاسلامية في مصر، ولكن البعض يقول ان الضغوط في الشوارع، مثل صراع الحياة اليومية، قد اكدت قناعة ان الله يساعد الناس على استمرار حياتهم اليومية.
ويقول اسامة انور عكاشة وهو كاتب تلفزيوني تفحص اعماله الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر «من الغريب كيفية استمرار الناس في الحياة، وكيف تستمر مصر في الوقوف، وكيف يمكن للناس، اذا ما كانوا يتسمون بالصبر، يمكنهم بعض الاحيان الوصول إلى هدفهم. يبدو الامر وكأن هناك معجزة. الحل في يد قوى خفية».
السائقون لا ينظرون خلفهم. ونادرا ما ينظرون إلى جانبهم. وبدلا من ذلك تتحرك السيارات مثل مجموعة من الاسماك، إلى الامام، ثم ينطلقون ويتحركون في توحد. ويتوقف المرور، عندما يقف ضابط المرور في الطريق.
ويقول العميد حسين بدير المشرف على الضباط «في كل الدول المتحضرة لا يوجد شخص يقف في وسط الطريق يصدر تعليمات لمدة 10 ساعات. ولكن هنا اعتاد الناس على ذلك».
بينما ذكر عصام قاسم سائق سيارة اجرة وهو يناضل عبر شارع حسن صبري في حي الزمالك «نحن شعب لا يقوم بأي شيء الا اذا كان هناك شخص يجعلنا نقوم به. لا نلتزم بالقواعد بأنفسنا».
الا ان الناس هنا يقولون ان طبيعة السائقين الفوضوية ليست بلا سبب. فنفس ضباط المرور الذين يتولون مهمة تدفق المرور يطلب منهم وقف تدفق المرور. فهم يغلقون الشوارع كي لا يتعرض الاشخاص المهمون لمشاكل المرور. وهو ما يثير جنون الناس.
وهذا الاحساس بالظلم الذي يشعر به الشخص العادي المحاصر في الطرق لعدة ساعات، يؤدي إلى عدم احترام قواعد المرور.
ويقول صلاح عيسى رئيس تحرير صحيفة «القاهرة» وهي صحيفة اسبوعية تصدرها وزارة الثقافة «المشكلة في مصر ليست ان المصريين لا يحبون النظام. بل هي مشكلة الاستثناءات في تطبيق النظام ـ وهو ينطبق على المواصلات. وهو امر يستفز المصريين ويدفعهم للتفكير بأنه ما دام الامر يتعلق بـ«الفتونة»، فكل شخص يعتمد على نفسه ويتحول لفتوة».
وفي شارع طلعت حرب كان اليوم يزداد حرارة وتنبعث ضوضاء من جهاز الراديو الخاص به. عوادم. ابواق. سائقون عدوانيون. وقال حسين «تعتاد عليها».
وتجدر الاشارة إلى وجود 6 الاف ضابط مرور في مصر، وتقدر الشرطة في القاهرة انهم ينظمون مرور مليوني سيارة في شبكة مصممة اساسا لنصف مليون سيارة.
وينقسم ضباط المرور في تقاطعات الطرق طبقا للرتبة، والرجال يرتدون اكماما بيضاء هو في ذيل القائمة.
وقال جلال احمد البالغ من العمر 21 سنة في يوم وصلت فيه درجة الحرارة إلى مائة درجة فهرنهايت (38 درجة مئوية). نعم انها في غاية الحرارة. وهو مجند يحصل على ما يوازي 26 دولارا في الشهر. ويجب ان يخدم لمدة ثلاث سنوات. ووظيفته الوحيدة هو الوقوف في الشارع لايقاف السيارات والتلويح لها بالمرور عندما يحين الوقت.
الا ان حسين يشغل منصبا اكبر. فقد كان يرتدي قميصا نصف كم ويحمل جهاز لا سلكي، وهو رمز السلطة في الشرق الأوسط. فأي شخص يمكنه حمل سلاح في مصر، ولكن جهاز اللاسلكي يشير إلى ان الشخص هو جزء من شيء اكبر، شيء له سلطة: وفي هذه الحالة الشرطة المصرية.
وخلال وجود رؤسائه حوله اقتصر حسين على الابتسام وبعض العبارات المحدودة. ولكن عبر المدينة كان ضابط شرطة اسمه محمد احمد اكثر صراحة. فقد قال انه حقق 400 جنيه مصري في الشهر يدفع منها 150 جنيها ايجارا.
ولمواجهة اعباء الحياة، قال انه يعمل في وظائف اخرى، وبدون التحدث بصراحة اعترف بحقيقة اخرى للحياة في مصر: شرطة المرور يحصلون على «بقشيش» للسماح للناس بإيقاف السيارات في الممنوع، والنظر للجانب الاخر.
وقال احمد عصام، وهو مسؤول علاقات عامة في شرطة المرور، «في الوقت الذي نعترف فيه بأن المرتبات ضعيفة، فهذه هي امكانيات البلاد».
والبقشيش ليس مقبولا تماما في البلاد، ولكنه يعتبر صمام امان، ووسيلة للشعب للحصول على بضعة جنيهات في وقت ترتفع فيه الاسعار ولا تزيد فيه المرتبات. وهو منتشر على جميع المستويات.
وقال عبد الفتاح الجبالي في مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية في صحيفة الاهرام «الفساد منتشر على نطاق واسع في المجتمع لانه اصبح جزءا من الحياة هنا، وبدأت الثقافة الاجتماعية في تبريره ـ ويعتبره الناس رزقا».
وقال احمد انه مع دخله ونفقاته لا يمكنه ان يشرح كيف يعيش، وهو ما يعيدنا إلى مناقشتنا، النظام يعمل ولكن لا بد وانه يحدث بمساعدة من الله، كما ذكر احمد. واضاف لا تسأل كيف نعيش شهريا ولكن بمساعدة من الله نتمكن من الاستمرار».
* «نيويورك تايمز»

التعليقات