العائد والهارب

العائد والهارب

بقلم: حافظ البرغوثي

يشن بعض الملوثة عقولهم والمؤلفة جيوبهم حملة غريبة على الشاعر الكبير محمود درويش لمناسبة احيائه امسيته الاولى في حيفا، ويقال ان الغضبة على الشاعر الكبير تنبع من كونه لم يستل قلمه ويؤلف قصيدة مدح في عزمي بشارة ليصف بطولاته وصولاته التي هرب بسببها الى الخارج تاركاً مقعد الكنيست وحيداً. وربما ليس بشارة غاضباً لكن صبيته غاضبون.

ذات سنة هرب الشاعر الكبير محمود درويش من الاحتلال بشعره، وزاد على شعره شعراً وعلى حرفه حروفاً وأمسك بزمام القصيدة حتى تاريخه والآن ها هو عائد الى حيفا مع شعره فيما هرب السياسي لغير الشعر وربما للتبر.

لا مقارنة بين الاثنين فلماذا يوضع الشاعرالكبير في موقع المحامي عن السياسي وما علاقة الشاعر بالسمسرة السياسية؟

درويش قيمة فلسطينية أخذت بعداً عالمياً فهو لن ينزل من عليائه حتى يمدح الظل.. الواطي بل العالي وهو لن يتأثر بحملة الشتم والبذاءة التي تشن عليه براً وبحراً وجواً عبر الانترنت ويتردد صداها في صحيفة بيروتية ذات اتجاه سياسي معروف وتطال حتى والدته الكريمة، من فئة تقرأ الارقام والدولار ولا علاقة لها بالأبجدية.

لم أكتب في يوم ما حرفاً عن عزمي بشارة، ولم احادثه الا مصادفة بكلام عابر في مناسبات قليلة لأنني لم أجد فيه ما يمكن ان يقال او يثار فهو صنع حالة اعلامية حول نفسه واعطاها فوق حقها وانتهى به المطاف الى حيث يقيم وما زلت أدعو له بالتوفيق في طريقه، ومع ذلك لم يحاول أحد مهاجمته او الطعن فيه فلماذا يقيم بعض انصاره هذا الكرنفال البذيء ضد معلم ثقافي فلسطيني نفاخر به امام العالم، ويعطينا الثقة بأننا في النهاية قادرون على البقاء ويضفي على القضية المقدسة ابعاداً انسانية فيما الآخرون يلوثونها ويحقرونها ويستبعدونها ويدنسونها.

ربما نحن الشعب الوحيد بين شعوب العالم الذي يحطم رموزه ويهيل التراب على قيمه ويفرز قيماً وشخوصاً دميمة تشوه المشهد الفلسطيني بل تدميه وتحجبه عن الانظار والابصار في كل البلدان والاقطار.

الآن يمد بعض السياسيين حوافرهم نحو المثقفين واصحاب القلم فما الذي يبقى من القضية بعد ذلك؟ أنجزنا التدمير الذاتي وتثبيت بدعة الجهل وتمزيق الشعب والارض وإذلال الفلسطيني ودعونا كل ذي مأرب خبيث لكي يمارس ساديته على جلودنا وعلى ارضنا وعلى مخيماتنا في الوطن والشتات، والآن يريدون الحط من قدر رموزنا الوطنية والفكرية. فما الذي أبقيتموه للاعداء؟

لا يضير الشاعر رفس الحوافر ولا يضير اصحاب القلم هذا التخويف المستمر، لأن شعبنا أنقى في اغلبيته وابقى من كل هذه المظاهر الشاذة فهؤلاء مثل غيرهم عابرون في زمن عابر.

* انا سكر على لسانك فلا تلفظني فتداهمك المرارة قال الشاعر..

* أنا ملح الارض باق فيها ما بقيت فلا تتجاهلني لأني أكسير الحياة قال الشهيد..

* أنا زبد أذهب هباء ولا يرصدني غير عمال البلدية، قال عابر للدولارات والنفايات.

التعليقات