تصريحات لمستشارة المالكي تثير زوبعة رئاسية

تصريحات لمستشارة المالكي تثير زوبعة رئاسية
غزة-دنيا الوطن

أثارت تصريحات لمستشارة نائب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قبل ايام حول صلاحيات رئاسة الجمهورية زوبعة رئاسية حيث رد عليها مكتب نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي مسهبا في شرح الصلاحيات الامر الذي حدا بمكتب رئيس الوزراء بالتبروء منها واعتبارها غير مسؤولة وفقا للبيان الذي وصلت نسخة منه لايلاف ظهر اليوم ، مضيفا انها أثارت إستياء رئيس الوزراء نوري كامل المالكي وهي لاتعبر بأي حال عن وجهة نظر المالكي الذي ينظر إلى رئيس الجمهورية بإعتباره رمزاً وطنياً للعراق.

وكانت مريم الريس مستشارة رئيس الحكومة العراقية افادة في لقاء اجرته معها جريدة الشرق الاوسط اللندينية يوم الرابع من شهر تموز الجاري مفندة تصريح سابق لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي جاء فيه ان «هذه الحكومة ليست حكومة وحدة وطنية، وانهم لا يشاركون باتخاذ القرارات»، فرد الريس بان «صلاحيات رئيس الجمهورية تشريفية، فكيف هي صلاحيات نائب رئيس الجمهورية، وهم يعرفون عندما تسلموا مناصبهم هذه هي صلاحياتهم. «من يحتج اليوم على عمل الحكومة ويعارضها هم من يشارك فيها، وهذا امر غريب؛ وبدلا من المعارضة عليهم العمل لإصلاح الاخطاء ومساعدة رئيس الوزراء على تقديم افضل الخدمات للشعب العراقي وليس إشغاله باحتجاجات وتهديدات بالمقاطعة»، مشيرة الى ان «خروج هذه الكتلة او تلك من الحكومة لن يؤثر على عملها، وكان على هذه الجهات ان تقرر منذ البداية اما خدمة العراق او خدمة مصالحها الشخصية. لماذا لا يتحدث الدكتور برهم صالح مثلا عن صلاحياته، بل هو من يصنع صلاحياته ويعمل بموجبها". وتأتي تصريحات الهاشمي ورد الريس عليها في خضم الازمة الحكومية العراقية والصراع على السلطات في البلاد.

اذ علقت جبهة التوافق السنية حضورها في مجلس الوزراء احتجاجا على صدور مذكرة القاء قبض على وزير الثقافة المنتمي اليها بتهمة اشتراكه في قتل نجلي النائب مثال الالوسي عام 2005ز وعلق نوابها الـ 44 حضور جلسات البرلمان احتجاجا على مطالبة كتلتي الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي باقلة رئيس مجلس النواب محمود المشهداني المنتمي لجبهة التوافق على خلفية تحريضه لافراد حماية بالاعتداء ضربا على احد النواب الشهر الماضي.

ويتكون مجلس الرئاسة وفقا للدستور العراقي من رئيس الجمهورية ونائبيه وهو جلال الطالباني من الاحالف الكردستاني ونائباه الشيعي عادل عبد المهدي والسني طارق الهاشمي ولايشترط الدستور قومية او طائفة من يشغل هذه المناصب بل يعتمد على نتائج الانتخابات وتصويت مجلس النواب.

ولم يصدر ردا من مكتب رئيس الجمهورية او نائبه الهاشمي لكن مكتب نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي رد على تصريحات مريم الريس في بيان وصلت نسخة منه لايلاف لليوم جاء فيها: "نشرت صحيفة الشرق الاوسط تصريحات في عددها المرقم 10445 بتاريخ 4 تموز 2007 منسوبة الى مريم الريس "مستشارة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي". ومن جملة ما نسب اليها كلام يقول ان "صلاحيات رئيس الجمهورية تشريفية، فكيف هي صلاحيات نائب رئيس الجمهورية، وهم يعرفون عندما تسلموا مناصبهم هذه هي صلاحياتهم"، وهذا الكلام –ان صح- مشوش وغير مقبول، يمس واحدة من اهم مؤسسات الدولة خصوصاً انه لم يصدر اي تكذيب او تصحيح بشأنه. ولا ندري كيف يمكن ارتكاب مثل هذا التجاوز. فمعرفتنا بالريس انها ناشطة ولها دور ايجابي وبناء في تشييد صرح العراق الجديد. العراق الضامن حق المشاركة والضامن حقوق الافراد والجماعات في اطار القانون والدستور. العراق الساعي للابتعاد عن شخصنة مفاهيم المسؤوليات والخدمة العامة في التقريب او الابعاد او في الموافقة او الاعتراض على اساس المزاج او الموالاة وليس على اساس المهنية والدستورية والقانونية والمصالح العليا.. ان يصدر مثل هذا الرأي من مواطن اومواطنة تجتهد.. فتخطىء.. فيصوبها رأي مضاد، فهذا امر طبيعي يساهم في التدافع السياسي والفكري ويعمل في النهاية على صناعة الرأي ووضوحه، وهو من سمات العراق الجديد.. لكن ان يصدر من شخص يتكلم بعنوان رسمي فانه يتطلب توضيحاً من موقع رسمي ايضاً وهو ما استدعى هذا البيان.

1- لم تفرق المادة 138 من الدستور بين صلاحيات ومهام اعضاء مجلس الرئاسة من رئيس ونائبين. بل نصت ان "يحل تعبير (مجلس الرئاسة) محل تعبير (رئيس الجمهورية) اينما ورد في هذا الدستور" و اشترطت ان يكون الترشيح بقائمة واحدة وان تكون قرارات مجلس الرئاسة بالاجماع، وبالتالي لا توجد صلاحيات يتمتع بها رئيس الجمهورية ولا يتمتع بها احد نوابه.

2- اعطى الدستور مجلس الرئاسة صلاحيات واناط به واجبات هي ابعد ما تكون عن التشريفية. وان قراءة سريعة للدستور ستوضح جيداً انه اناط به مهمة رئاسة الدولة والسهر على ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته.. وجعل الدستور من مجلس الرئاسة في هذه المرحلة رمز وحدة الوطن والممثل لسيادة البلاد والمحافظ على سلامة اراضيه. (المادة 67).. هذه مهام خطيرة وحساسة وهي غير تشريفاتية بالتأكيد. وسيرتب عليها المشرع سلسلة من الصلاحيات والاجراءات تسمح بحسن اداء الواجبات اعلاه، كما سيتبين من 3و4و5 ادناه، وهي اشارات ليس الا.

3- لعل سبب الكلمات التي ذكرتها السيدة الريس هو ما ورد في المادة (73تاسعاً) التي تشير ان مجلس الرئاسة "يقوم بمهمة القيادة العليا للقوات المسلحة للاغراض التشريفية والاحتفالية".. وهذه المهمة لا تتحمل التهكمية التي طبعت كلمات السيدة الريس.. اذ نسيت ان مهمة مجلس الرئاسة لا تقف عند هذه الحدود كقيادة عليا للقوات المسلحة بل اناطت به بالاشتراك مع رئيس مجلس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، نقول اناطت بهما مشتركين اعلان الحرب وحالة الطوارىء واستحصال موافقة مشتركة من مجلس النواب بذلك. (المادة 91 تاسعاً). بل اشترط قانون السلامة الوطنية، خصوصاً بموجب المواد 1، 8، 9و10 العمل مشتركاً بين مجلس الرئاسة مجتمعين والسيد رئيس مجلس الوزراء في الاتفاق على اعلان حالة الطوارىء والامر باحالة او حفظ الدعاوى والمصادقة على القرارات والاجراءات الاستثنائية واعلان انتهاءها.

4- ان مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء هما مكونا السلطة التنفيذية (المادة 66).. ورغم اختلاف ادوار كل من مجلس الرئاسة ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء حسب الصلاحيات والواجبات الدستورية لكنهم جميعاً شركاء متضامنين لا انفصام بينهم في ممارسة ادوارهم في رئاسة الدولة ومسؤولية الحكومة في تنفيذ السياسة العامة للدولة تخطيطاً و/او تنفيذاً و/او اشرافاًً و/او متابعة. وهذه عينة من الصلاحيات والمهام تبين هذه الحقيقة الدستورية والتنفيذية:

أ‌- ففي الوقت الذي اناط فيه الدستور مهمة المسؤول التنفيذي المباشر للسياسة العامة للدولة لرئيس مجلس الوزراء فانه اناط بمجلس الرئاسة اختيار رئيس مجلس الوزراء نفسه (المادة 76)، ليقوم بدوره باختيار وزرائه الذين يقوم بعرضهم على مجلس النواب لاستحصال الثقة بحكومته وبرنامجها.

ب‌- التقدم بطلب الى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء(المادة 61 ثامناً/ب)

ت‌- يقوم مجلس الرئاسة مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب لاي سبب كان. (المادة 81 اولاً)

ث‌- يشترك مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء في اقتراح تعديل الدستور (المادة 126).

ج‌- يحق لمجلس الرئاسة ورئيس مجلس الوزراء مجتمعين الطلب بحل مجلس النواب. ويدعو مجلس الرئاسة الى الانتخابات العامة في حالة حل مجلس النواب (المادة 64)

ح‌- الطلب منفرداً او مجتمعاً مع رئيس مجلس الوزراء..... لجلسة استثنائية لمجلس النواب لمناقشة موضوعاً محدداً.. وكذلك طلب تمديد الفصل التشريعي لدورة انعقاد مجلس النواب (المادة 58)

خ‌- اقتراح مشروعات القوانين الى مجلس النواب منفرداً او بالاشتراك مع مجلس الوزراء بموجب المادة 60

د‌- ناهيك عن صلاحيات كثيرة اخرى يمكن العودة فيها الى الدستور والى القوانين المعمول بها او الصادرة بموجب الدستور وفي شتى المجالات.

5- اجلت المادة 137 العمل باحكام المواد الخاصة بمجلس الاتحاد (المادة 65) وقضت بموجب المادة 138 منح مجلس الرئاسة ممارسة الدور التوازني او التوافقي الذي كان من المؤمل ان يلعبه مجلس الاتحاد بما في ذلك دور مراقبة القوانين التي يصدرها مجلس النواب. فعدا الصلاحية التي يتمتع بها باعتباره مكوناً من مكونات السلطة التنفيذية بتقديم مشروعات القوانين حسب المادة (60)، عدا ذلك فان دوره لم يقتصر على التصديق على القوانين بل منح صلاحية الموافقة على هذه القوانين وفي حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة عليها فانها ترد الى مجلس النواب مع النواحي المعترض عليها.. ووضع لذلك اليات سعى لان يوفر من خلالها حالة التوازن والتوافق. وهذه بمفردها صلاحية غاية في الاهمية والخطورة بما لها من علاقة بعمل السلطتين التنفيذية والتشريعية على حد سواء.

لا يسعنا في الختام الا ان نحيي السيدة مريم الريس على نشاطاتها ودورها في الدفاع عن المصالح العليا للبلاد. اننا نعلم ان التجربة الديمقراطية والدستورية في بلادنا هي تجربة حديثة وناشئة.. واننا على يقين ان مثل هذه التدافعات بما فيها من سلبيات وايجابيات ستقود في النهاية الى توضيح وترسخ تقاليد العمل لدى العاملين والمؤسسات المختلفة. فالاحتجاج بالدستور والقوانين هو الحصانة الحقيقية التي تبعدنا عن التأويلات الخاصة والممارسات الخاطئة. وان نتذكر ان لا سبب لكل التغييرات والتضحيات التي شهدها العراق ومنها نزول ملايين الناس للاستفتاء على الدستور وانتخاب مجلس النواب وقيام حكومة دستورية تحظى بثقة مجلس النواب باعتباره ممثلاً للشعب، ان لم نعمل سوية ومشتركين وبالتعاون بعضنا مع البعض الاخر لاحلال الحياة الديمقراطية الدستورية بدل التقاليد والاخلاقيات التي عملت بها الانظمة السابقة.. فالتقيد الواعي بالدستور والقانون والقضاء هو الذي ينصف الجميع، وهو الذي يبعد عمل المؤسسات عن التأويلات الشخصية او الفردية ويضمن حقوق المشاركة كما يضمن عدم المس باي شكل كان بالصلاحيات والمسؤوليات التي حددها الدستور لكل مؤسسة.. اننا على ثقة بان اول من سيدافع عن هذه المبادىء هو مجلس الرئاسة ورئيس الوزراء ومجلس الوزراء ناهيك عن السلطتين التشريعية والقضائية. وبهذا فقط سنتمكن من بناء عراق ديمقراطي مؤسساتي دستوري لا يمكن ان تنال منه الاطماع الشخصية او المغامرات الفردية او الاستقطابات الفئوية او المؤامرات المحلية والخارجية.

ندعو الله العلي القدير ان يحمي العراق وشعبه.. كما ندعو الشعب العراقي ان يدعم الحكومة الوطنية الحائزة على ثقة وتأييد جماهيرنا، وندعو انفسنا واخواننا في السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ان نتقيد بالقوانين والضوابط والمهنية ومفاهيم الخدمة العامة وان نحاسب انفسنا قبل ان يحاسبنا الاخرون.. وان نرفع مستوى الاداء والكفاءة والمسؤولية لنبقى دائماً عند حسن ظن شعبنا ولنتمكن من تحقيق الوعود التي قطعناها على انفسنا. والله الموفق والمسدد.

التعليقات