فوز بيريس بمنصب الرئاسة يعتبر جائزة جليلة عن مشروع حياته

فوز بيريس بمنصب الرئاسة يعتبر جائزة جليلة عن مشروع حياته



سيجد الطريق الي جعل المنصب شيئا مختلفا تماما

قبل بضعة ايام من انتخابات 1996، التي خسرها لنتنياهو، أجري رئيس الحكومة شمعون بيريس جولة انتخابات من غديره الي الخضيرة. كانت قافلة محروسة حراسة شديدة، وسيارة مدرعة قعد فيها هو، والحارس، وأحد الصحافيين وداليا ايتسيك، التي كانت عضوة كنيست شابة ومجهولة تقريبا من حزب العمل. كان بيريس مرهقا.

مرت ستة اشهر منذ قُتل اسحق رابين، وما زال لم ينم ليلة واحدة متصلة. في المساء الذي سبق ذلك ذبحه بيبي نتنياهو في المواجهة التلفازية. تقلص الفرق في استطلاعات الرأي سريعا، كل يوم. كان بيريس علي شفا انهيار جسماني ونفساني.

كانت عينه مصابة بالتهاب حاد وقطرت له ايتسيك فيها، بلطف ورقة، قطرات للتخفيف. كان الجو داخل السيارة كئيبا، كما في فيلم نهايته معروفة سلفا. ستكون وزيرة التربية في الحكومة التي سأقيمها بعد الانتخابات ، كشف بيريس للصحافي، وهمست ايتسيك المتأثرة ليت ذلك يكون . في هذه الاثناء تقدم بيريس خائفا، ومئات نشطاء في المفترقات، يرفعون لافتات بيبي جيد لليهود . تعكر مزاجه سريعا. اتصل من السيارة بحاخام الاماكن المقدسة، شموئيل رابينوفيتش، لاسترداد كرامته. بعد مرور يومين خسر في الانتخابات. لم تصبح داليا ايتسيك وزيرة التربية ولم يُقم حكومة. أمس، مع اغلاق دائرة مدهش، توجته داليا ايتسيك نفسها، رئيسة الكنيست، ليكون الرئيس التاسع لدولة اسرائيل. واستقبله الحاخام نفسه، شموئيل رابينوفيتش عند الحائط الغربي.

2 ـ عندما حل بيريس محل اسحق شامير في منصب رئيس الحكومة في 1984، أجري كلاهما محادثة بينهما. كانت الدولة في وضع سيئ. تلقي الجيش الاسرائيلي خسائر باهظة في لبنان، وبلغ التضخم عنان السماء، وانتشر الاكتئاب سريعا. أنا أنقل اليك طاولة نظيفة ، قال شامير لبيريس، الذي لم يعرف هل يضحك أم يبكي، عندي طلب واحد فقط . تفضل، قال بيريس. أطلب أن تُجيز نقل بيبي نتنياهو من عمل سفير في السفارة في واشنطن الي عمل سفير في الامم المتحدة ، طلب شامير. لا مشكلة ، أجاب بيريس. بعد ذلك، عندما قص علي مستشاريه وعده لشامير، كادوا ينفجرون. لماذا فعلت ذلك؟ ، سألوه، من اجل يوني ، قال. وما تبقي أصبح تاريخا. كان بيريس يستطيع أن يقول لشامير سأفكر في ذلك ، وألا ينفذ التعيين، كما فعل مئات المرات في حياته المهنية. في حالة كهذه، لم يكن نتنياهو ليصبح سفيرا في الامم المتحدة، ولم يكن ليعلو في حياته المهنية وربما لم يكن ايضا ليحط بعد ذلك في البلاد لينتهي الي المكان الأول في الليكود. قد يكون بيبي مدينا بما هو فيه اليوم لشمعون بيريس. أمس، عندما أعلن نتنياهو بأن الليكود قرر تأييد بيريس في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، أُغلقت هذه الدائرة ايضا.

3 ـ بعد اسبوع من انتخابات 1996، التي خسرها لنتنياهو، تم اللقاء الجدي الأول بين بيريس وايهود باراك، وريثه القادم. تم في ساعة متأخرة من الليل في بيت بيريس في تل ابيب. قال بيريس ايهود، هذا هو، أنا أدرك معني نتائج الانتخابات. ستضطر الي تحمل القيادة والي قيادة الحزب. أنا أنقل اليك الصولجان . فتحا زجاجة نبيذ فاخرة. خصص بيريس لباراك نسخة من كتاب للمؤرخ برنارد لويس، الذي يحبه محبة خاصة. رفرفت أجنحة التاريخ في سكون في الغرفة، مشيرة الي تبدل الأجيال. كان الجو حميما تقريبا. سأستقيل، يجب أن أفعل ذلك سريعا ، قال بيريس، لكي تستطيع معالجة بيبي . عاد باراك الي بيته في كوخاف يئير قُبيل الصبح. عندما قص علي نافا الأنباء المدوية، رفضت التصديق. وبحق. بعد مرور يومين أو ثلاثة صحا بيريس، واستشار مقربيه وقرر اعادة بناء الحزب . بدأت معركة شديدة قبيحة استمرت اشهرا طويلة. أمس أُغلقت الدوائر مرة اخري. فباراك، الذي استقال هو نفسه، عاد ليُعيد بناء الحزب . وفاز بيريس في معركة الرئاسة. وماذا عن بيبي؟ ما يزال هو ايضا معنا وكذلك باراك الذي سيضطر الي معالجته كما كان الامر مرة.

4 ـ عندما مات الحسن ملك المغرب، جاء العالم كله الي الجنازة. كان هناك كلينتون وشيراك والأمين العام للامم المتحدة ورؤساء جميع الدول والملوك والأمراء، وايهود باراك علي رأس وفد اسرائيلي جليل وغيرهم كثيرون. تجمع ثلاثة ملايين مغربي في حِداد، بعضهم يبكون وآخرون ينتفون شعور رؤوسهم، علي امتداد الجادة التي خطت فيها مسيرة الجنازة. مشي كبار العالم هناك، في حُلل سوداء، يُشيعون الملك المغربي في طريقه الأخير. نظرت الجماهير التي كانت في الحداد الي جميع كبار العالم بعيون غير مكترثة. حظي شخص واحد فقط بانتباههم. مسيو بيريس، مسيو بيريس ، ناداه الآلاف علي امتداد المسيرة، ولوحوا بأيديهم، وباركوا، وشكروا له أن حضر ليشاركهم حزنهم. لولا أن كنت هناك، لما صدّقت. حتي الي جانب كلينتون، وبوتين، وشيراك ومبارك، كان شمعون بيريس في المغرب رجلا فذا. أربما لانه كانت له أم عربية؟ يبدو أن لا. بل بسبب ما هو عليه.

في كل مرة خسر فيها وأتي كما هي الحال علي الدوام الي مكتبه في الساعة السابعة صباحا، جريحا مضروبا، ومُتعبا، سأل رجاله أنفسهم ممَّ صنع هذا الشخص. أهو من لحم ودم؟ كيف يواصل؟ ما الذي يجعله يبقي حيا؟ ألم ترهقه العذابات؟ لماذا استيقظ هذا الصباح في الخامسة والنصف، وقام بتمرينات حني الظهر ، وشرب الشاي، وتصفح الصحف وجاء الي المكتب مع الفجر؟ هل من اجل أن ينقل عمله بعد اسبوع الي ذاك الذي هزمه؟ كيف لا ينكسر؟ احتفظ بيريس بالاجابات في قلبه. قال مرة لصديق انه اذا استقال فسيموت بعد وقت قصير. يجب عليه أن يستمر قُدما. لقد أمل في اعماق قلبه أن يعرف النصر. أمس عرفه وعلي نحو عظيم. في ذروة الاحتفالات، اتصل شخص ما بامرأة ما حول بيريس وبعد التهنئات قال لها ضاحكا: يبدو أنه لن يموت البتة. لا يموت أناس كبيريس. بيريس نفسه، يتحدث عن الموت بحرية. لماذا يتحدث الجميع عن عمري ، قال في اثناء حملته الانتخابية، في الحد الأقصي ستخرج جنازة حسنة من بيت الرئيس في القدس الي جبل هرتسل في اثناء الولاية وسيصبح لكم رئيس جديد . قبل عدة اسابيع، نظر بيريس لأول مرة الي الموت من قريب. حدث له ذلك في بيته مع حب حياته ، مع سونيا، في ساعة متأخرة من الليل. كان ذلك بعد الليالي الصعبة في حياته. يعرف القليلون ما الذي مر به في تلك الليلة، وكيف حاول أن يستصرخ نجدة ولم ينجح، وكيف شهد الفريق الطبي يُجري إنعاشا لسونيا، وكيف كان شاحبا كالجص، ومذعورا كطفل وكيف دعا الله أن يُسلمها ويحيي المرأة التي كانت هناك طول الوقت من اجله، لكنها لم تكن معه دائما حقا. اليوم، وهي علي ما يرام، ستضطر سونيا بيريس الحضور مع شمعون الي بيت الرئيس في القدس. لا اعتقد ستفعل ذلك. هربت مرة من هناك عندما كان رئيس الحكومة وعادت الي الصديقات والي الحياة في رمات أفيف. ويبدو انها ستبقي في البيت هذه المرة ايضا. أقرت الكنيست أمس العدل مع شمعون بيريس والفضل معنا. كان الرجل مختلفا فيه طول حياته، لكن إسهامه العظيم في بناء هذه البلاد، وبناء قوتها، يغطي علي جميع الساسة الأحياء بيننا. أمس حظي بأن يخطب خطبة نصر، آخر الأمر. زال السواد الذي غطاه. صحيح، هو مجرد رئيس، والحديث عن منصب مراسمي وعن صلاحية تقبل قسم السفراء، لكن اعتمدوا علي شمعون بيريس ـ فسيجد الطريق الي جعل هذا المنصب شيئا مختلفا تماما. لقد حصل أمس علي جائزة جليلة عن مشروع حياته. هذه الجائزة تُشرفه وتُشرفنا ايضا. فوق الاختلافات، وفوق الاحزاب، وفوق الكتل والخصومات. سيوجد الوقت لكل ذلك بعد ذلك. في هذه الاثناء، كما يقول روبي ريفلين، يحيا الرئيس، وتحيا دولة اسرائيل.

بن كاسبيت

مراسل سياسي في الصحيفة

(معاريف) 14/6/2007

التعليقات