ندوة علمية بابوظبي تؤكد جزيرة سوقطرى اليمنية تتعرض للدمار البيئي
ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة
اكدت ندوة عقدت في ابوظبي إن جزيرة سوقطرى تتعرض لزحف كبير من جانب الرحلات السياحية المتكررة إليها وهو ما سيكون له أثر سلبي على تنمية وتطور سلالاتها النادرة ، ودعت الندوة التي نظمها مكتب شؤون الإعلام لنائب رئيس مجلس الوزراء الاماراتي إلى أهمية تكاتف جهود العلماء والمنظمات الدولية والسكان المحليين لإبراز أن سوقطرى ليست ملائمة للاستغلال السياحي وتنظيم الأنشطة التي تتسبب في تدمير بيئتها وتعريض توازنها الحيوي للدمار.
وقدم الباحثان البلجيكيان الأستاذ بيير دي جيست المحاضر بجامعة بروكسيل الحرة، والدكتور كاي فان دام الباحث في قسم علم الأحياء بجامعة جنت البلجيكية ورقة عمل مشتركة حول (معالم التاريخ الجيولوجي لجزيرة سوقطرى اليمنية) ، تناولا فيها الدراسات الحديثة التي أجراها الباحثان حول إعادة بناء المناخ القديم للجزيرة باستخدام الأبحاث الجيوكيماوية والنظائرية على الرواسب المعدنية المتكونة في كهوف الجزيرة وإعداد الخرائط الجيولوجية لتاريخها القديم .
وفي البداية أوضح الدكتور كاي فان دام أن جزيرة سوقطرى لم تكن قائمة بذاتها وإنما كانت تابعة لجنوب الجزيرة العربية منذ القدم ، وقد لعبت بعض الأحداث الجيولوجية دوراً كبيراً في انفصال الجزيرة، مشيرا إلى أن طبقة الجرانيت في سوقطرى ترجع إلى الزمن الجيولوجي البروتيروزويك ( زمان الحياة الابتدائية ) كما أن جزءاً منها قد تشكل بواسطة بركانين قديمين .
وأضاف أنه في الحقبة الجيولوجية الميسوزويك (حقبة الحياة المتوسطة)، أدى انفصال قارة جندوانا العملاقة إلى انشطار الهند ومدغشقر وسيشل من أفريقيا والجزيرة العربية ، مما كان له تأثير كبير على سوقطرى، مؤكدا أنه في الفترة الجيولوجية الثالثة وفي الحقبة الجيولوجية الساينوزويك ، أدى تصدع خليج عدن إلى أن تصبح سوقطرى جزيرة في الفترة ما بين 35 – 16 مليون سنة، لافتا إلى أنها ليست جزيرة بالمعنى المعروف ، وإنما طبقة من الجرانيت الأدنى ، قارية في أصلها وذات تاريخ قديم .
وذكر الدكتور كاي فان دام أنه يمكن وبسهولة رؤية التاريخ الجيولوجي في المعالم البارزة للجزيرة، مبينا أن أقدم التكوينات الجيولوجية هي طبقة الجرانايت التي تظهر في العديد من الأماكن وتصل إلى أعلى قممها في جبال الجرانايت الوسطى جبال حجهر. وأشار في هذا السياق إلى أن معظم أراضي الجزيرة يكثر بها الحجر الجيري ، كما تشكل الترسبات الكثيفة من طبقات العصر الجيولوجي لما قبل التاريخ والعصر الايكوسيني معظم الهضبة السوقطرية والتي تعتبر نموذجاً حقيقياً للجزيرة والتي أدت إلى تواجد أنواع معينة من الحيوانات إضافة إلى أنها أصبحت منشأ الكهوف .
وأوضح أنه يمكن ملاحظة امتداد جغرافي يرتفع قليلاً عن سطح البحر على السواحل الجنوبية والشمالية يحوي ترسبات بحرية وكثبان ترجع للعصر الجيولوجي الرابع، مؤكدا أن تنوع الطبوغرافيا والارتفاعات والأودية المحمية قد أدى إلى التنوع في المناخات وسمح بوجود ونمو فصائل نادرة قد تقتصر في تقسيمها على منطقة محددة بالجزيرة .
كما قدم شرحا مستفيضا حول البعثات الحيوية والنباتية في الجزيرة ، مشيرا إلى أنه منذ ما يقرب من قرن اهتم العلماء بسوقطرى لموقعها المنعزل ومنتجاتها المذكورة في المصادر التاريخية، ومنها "دم التنين" الذي يؤخذ من شجرة دم الأخوين . وأظهر أهمية هذه الرحلات العلمية وتأثيرها الهام على تاريخ الجزيرة التي أصبحت قيمتها العلمية معروفة عالمياً، لافتا إلى أنه قد تمت دراسة الحياة النباتية للجزيرة لأول مرة بواسطة بعثة بلفور للحدائق النباتية الملكية بأدنبرة.
ونوه الباحث البلجيكي إلى أن البعثات العلمية حول الحياة الحيوانية بدأت في نهاية القرن التاسع عشر بواسطة عدد من العلماء الأوروبيين وبخاصة بعثة فوربس من متحف ليفربول التي وصفت عدداً من الفصائل التي تعيش بالجزيرة بما فيها الطيور، مشيرا إلى البعثات العلمية لدراسة الحياة الحيوانية والنباتية بالجزيرة مستمرة ويقوم بها علماء من معاهد أوروبية ( جامعات إيطالية وألمانية وبلجيكية ) بالتعاون مع الباحثين اليمنيين.
وأوضح الدكتور فان دام أن أرخبيل سوقطرى يزخر بحوالي 825 نوعاً من النباتات، منها حوالي 37% لا توجد إلا على الجزيرة وحدها التي تعتبر من ضمن أول عشر جزر تضم أعلى نسبة مستوطنة من التنوع الحيوي في العالم . مبينا أنه يوجد على الجزيرة حوالي 95% من الفصائل المختلفة من الرخويات ، إلى جانب سبع فصائل من الطيور مستوطنة منها طائر (الشمس) ، وهناك فصيلتان تحتاجان لمزيد من الدراسة .
وذكر المحاضر أنه بسبب تفرد جزيرة سوقطرى على المستوى العالمي ، اعترفت بها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو ) ضمن الشبكة العالمية لمحميات المحيط الحيوي الذي تم إقراره من قبل برنامج الإنسان والمحيط الحيوي التابع لليونسكو، كما كانت الجزيرة قد أعلنت رسمياً محمية طبيعية في 27 سبتمبر 2000 .
ومن جانبه تطرق الأستاذ بيير دي جيست إلى المناخ السائد في الجزيرة الذي يدخل في إطار المناخ المداري الحار المعروف بتفاوتات منطقة الالتقاء الاستوائي والنظام الموسمي للمحيط الهندي ورغم أن مناخها شديد الحرارة مقارنة بالأراضي اليمنية إلا أن تنوع التضاريس يخلق أشكالاً من تقاسيم المناخ. وذكر أن طبيعة التنوع والآليات التي تدفع الرياح الموسمية ليست واضحة إلى حد كبير ، كما أن العلاقة بين التصعد الصهاري المداري وكثافة وتنوع تساقط الرطوبة المتكاثفة للرياح الموسمية أمر بالغ الأهمية إذ أنه يؤثر في حياة حوالي 60% من سكان العالم ويبدو أنه يعمل كمحرك حراري لكوكبنا .
ونوه بالدراسات الحديثة حول " الرسابات الكهفية " (القرارة القشرية الصلدة من كربونات الكالسيوم) في جنوب عُمان التي أظهرت أن أنواع النظائر المستقرة عالية التحليل تسجل تغيرات هامة في كثافة هطول الأمطار في المنطقة ، موضحا طبيعة الترسبات الكربونية الثانوية في الكهوف والمقصود الرسابات الكهفية مثل الصواعد (عمود من ترسبات كربونات الكالسيوم صاعد من أرض الكهف) والهوابط (عمود من ترسبات كربونات الكالسيوم مدلى من سقف الكهف) والأسقف المتكلسة من "كربونات الكالسيوم البلورية ".
وقال العالم البلجيكي إن الرسابات الكهفية تشتمل على بيانات تحمل تاريخ القياسات الإشعاعية، مشيرا إلى أن ترسبات كربونات الكالسيوم الصاعدة يمكن أن تصبح وثائق أرشيفية هامة للمناخ القديم ، إذ يمكنها تشكيل كميات سنوية من نظائر الكربون والأكسجين الأثقل والأخف التي ترتبط بهطول الأمطار الموسمية، ويمكن من خلال المعلومات المخزنة في العصور الزمنية السابقة ، تكييف الأهمية المناخية لهذه السجلات والحصول على معلومات خلال تاريخ نظام الرياح الموسمية للتنبؤ بالتغيرات المستقبلية .
وأشار الأستاذ جيست إلى أنه خلال العمل الميداني تم تجميع عينات من المياه الجوفية والمياه المتقطرة في الكهوف والترسبات الحديثة لكربونات الكالسيوم البلورية بغرض تحليل تركيب نظائرها المستقرة حيث لا تجمع الرسابة الكهفية إلا في المواضع التي لا يمكن فيها الإضرار بالتنوع الجيولوجي وبعد وضع تواريخ مسبقة للتأكد من أهميتها في حيز الدراسة التي تقدم فحصاً للرسابة الكهفية من مغارة هوك ومغارة كاس كاس اللتين تشكلت خلال آلاف السنوات الماضية، لافتا إلى أن تشكيل النظائر المستقرة يوفر معلومات حول الرطوبة في العهد القديم في هذه البيئة البحرية الفريدة .
وأوضح أن الطريقة الوحيدة للحصول على المعلومات هي بالتصوير المباشر للكهوف والتي سمحت باكتشاف الكثير من البقايا الأثرية في مغارة هوك ، والمخلفات القديمة مثل الأواني الفخارية المتكلسة والرسومات الجدارية والمخطوطات الأثرية وشظايا الفحم وآثار الأقدام وحتى أقراص خشبية عليها كتابات من القرن الثالث الميلادي. وذكر أن معظم هذه النصوص ترجع إلى تجار وصلوا من شرق أفريقيا ( الحبشة ) وجنوب الجزيرة العربية ( العرب الأوائل) وتدمر ولكن معظمهم جاء من غرب الهند وحتى باكستان، الأمر الذي جعل مغارة هوك مركزاً عالمياً خلال القرون الميلادية الأولى .
وتطرق الباحث البلجيكي إلى مصادر المياه الجوفية في الجزيرة ، مشيرا إلى أنه كان على سكان سوقطرى التأقلم مع ظروف انعدام الماء في الفصل الجاف والأمطار الموسمية والفيضانات المفاجئة في الفصول غير الجافة ، خاصة أنه يتم امتصاص مياه الأمطار سريعاً من خلال عملية جريان مياه الأمطار عبر نظام الأودية أو إلى داخل الأرض عبر أنظمة الكهوف والأحجار الجوفية الجيرية، معتبرا أن سوقطرى "إسفنجة" مكربنة مملوءة بالمياه العذبة في البحر، حيث أدت كشوف الكهوف مباشرة إلى اختبارات إمكانية تصريف المياه العذبة بدون الإضرار بالبيئة.
وأضاف الأستاذ جيست أنه ستكون هناك فوائد مباشرة للإدارة المستقبلية لمصادر المياه العذبة الجوفية بالجزيرة ، منها المشروع الرائد بالقرب من قرية ري دي اريسل في 2003 ، فقد سهل ارتفاع مدخل أيرهر بحوالي 350 متر فوق سطح البحر نقل المياه لمسافة 16 كلم بواسطة أنابيب بلاستيك رخيصة التي تنتهي إلى خزان مياه مغلق ، وذلك فقط بمساعدة الجاذبية، حيث يتاح لحوالي 500-600 شخص من الصيادين الذين يقطنون الطرف الشرقي الأقصى أن يحصلوا على المياه العذبة وذلك بفضل هذا الاكتشاف، ويمكن للمشروعات الأخرى أن تبدأ وتعمل بواسطة السكان المحليين باستخدام مصادر الطاقة الطبيعية مثل الرياح و/أو الطاقة الشمسية.
وحول اكتشافات الحياة الحيوانية في كهوف سوقطرى أشار الدكتور كاي فان دام إلى أن هذه الكهوف تزخر بأشكال من الحياة تأقلمت مع ظروف خاصة، حيث فقدت ألوانها وقدرتها على النظر بعد مليون عام من العيش في الظلام ، مبينا أنه استطاع الخبراء تسجيل العديد من الأنواع الجديدة والفصائل من سوقطرى والجزر المجاورة لها أثناء رحلة استكشافية لمجموعة الحدائق النباتية الملكية بأدنبرة عام 1999 ، وكان من بينها القشريات "طائفة من الحيوانات المائية المفصلية" مثل السرطانات والروبيانات .
واعتبر أن أرخبيل سوقطرى يشكل الآن مأوىً لبعض الفصائل النادرة التي اكتشفت حديثاً، مؤكدا أنه لا زال الكشف يجرى عن المزيد من هذه اللافقاريات ومنها السرطانات العنكبوتية التي وجدت أربع فصائل منها في جزيرة سوقطرى . وإحدى هذه المجموعات القديمة من الأحياء التي تعيش فقط في الظلام الدامس ولا زالت البحوث من علماء إيطاليين وألمان وبلجيك تكشف المزيد من الفصائل .
وفيما يتعلق بالفائدة العلمية المرجوة لبعض الاكتشافات في جزيرة سوقطرى ومنها اكتشاف حشرة عمياء تموت فور تعرضها للضوء، أشار إلى وجود العديد من هذه السلالات داخل الكهوف وهو ما يزيد من القيمة العلمية للجزيرة، ويدل على أن التنوع الحيوي في الجزيرة ما زال متجددا وهو ما يحتاج إلى مزيد من الوقت لتوصيفه علميا .
وحول الإدارة والحماية المستدامة للكهوف في جزيرة سوقطرى أكد الأستاذ بيير دي جيست أن هذه الكهوف تعتبر أثرا حضاريا وثقافيا فريدا وذات مصادر غير متجددة من القيم العلمية والحيوية الهامة ، مشددا على أهمية أن تكون إدارة وحماية الكهوف قائمة على أسلوب متعدد الأنظمة يأخذ في الحسبان الإلمام بتفرد المصادر الموجودة . وحذر في هذا الصدد من الأضرار الكبيرة التي ستلحق بالتنوع الحيوي في هذه الكهوف نتيجة إنشاء طرق للنقل أو مد خطوط للكهرباء داخل الكهوف وهو ما سيقضي على الكائنات الحية التي تعيش هناك وتتسبب في انقراضها قسريا .
وأيان الخطورة التي قد تعكسها المشاريع التنموية الكبيرة في هذه الجزء من اليمن على مستقبل التنوع البيئي الحيوي الذي تمتاز به الجزيرة خاصة أن تنمية الجزيرة تقتضي تنفيذ العديد من المشاريع التي من شأنها أن تغير في النمط البيئي والحضاري الحالي للجزيرة.
اكدت ندوة عقدت في ابوظبي إن جزيرة سوقطرى تتعرض لزحف كبير من جانب الرحلات السياحية المتكررة إليها وهو ما سيكون له أثر سلبي على تنمية وتطور سلالاتها النادرة ، ودعت الندوة التي نظمها مكتب شؤون الإعلام لنائب رئيس مجلس الوزراء الاماراتي إلى أهمية تكاتف جهود العلماء والمنظمات الدولية والسكان المحليين لإبراز أن سوقطرى ليست ملائمة للاستغلال السياحي وتنظيم الأنشطة التي تتسبب في تدمير بيئتها وتعريض توازنها الحيوي للدمار.
وقدم الباحثان البلجيكيان الأستاذ بيير دي جيست المحاضر بجامعة بروكسيل الحرة، والدكتور كاي فان دام الباحث في قسم علم الأحياء بجامعة جنت البلجيكية ورقة عمل مشتركة حول (معالم التاريخ الجيولوجي لجزيرة سوقطرى اليمنية) ، تناولا فيها الدراسات الحديثة التي أجراها الباحثان حول إعادة بناء المناخ القديم للجزيرة باستخدام الأبحاث الجيوكيماوية والنظائرية على الرواسب المعدنية المتكونة في كهوف الجزيرة وإعداد الخرائط الجيولوجية لتاريخها القديم .
وفي البداية أوضح الدكتور كاي فان دام أن جزيرة سوقطرى لم تكن قائمة بذاتها وإنما كانت تابعة لجنوب الجزيرة العربية منذ القدم ، وقد لعبت بعض الأحداث الجيولوجية دوراً كبيراً في انفصال الجزيرة، مشيرا إلى أن طبقة الجرانيت في سوقطرى ترجع إلى الزمن الجيولوجي البروتيروزويك ( زمان الحياة الابتدائية ) كما أن جزءاً منها قد تشكل بواسطة بركانين قديمين .
وأضاف أنه في الحقبة الجيولوجية الميسوزويك (حقبة الحياة المتوسطة)، أدى انفصال قارة جندوانا العملاقة إلى انشطار الهند ومدغشقر وسيشل من أفريقيا والجزيرة العربية ، مما كان له تأثير كبير على سوقطرى، مؤكدا أنه في الفترة الجيولوجية الثالثة وفي الحقبة الجيولوجية الساينوزويك ، أدى تصدع خليج عدن إلى أن تصبح سوقطرى جزيرة في الفترة ما بين 35 – 16 مليون سنة، لافتا إلى أنها ليست جزيرة بالمعنى المعروف ، وإنما طبقة من الجرانيت الأدنى ، قارية في أصلها وذات تاريخ قديم .
وذكر الدكتور كاي فان دام أنه يمكن وبسهولة رؤية التاريخ الجيولوجي في المعالم البارزة للجزيرة، مبينا أن أقدم التكوينات الجيولوجية هي طبقة الجرانايت التي تظهر في العديد من الأماكن وتصل إلى أعلى قممها في جبال الجرانايت الوسطى جبال حجهر. وأشار في هذا السياق إلى أن معظم أراضي الجزيرة يكثر بها الحجر الجيري ، كما تشكل الترسبات الكثيفة من طبقات العصر الجيولوجي لما قبل التاريخ والعصر الايكوسيني معظم الهضبة السوقطرية والتي تعتبر نموذجاً حقيقياً للجزيرة والتي أدت إلى تواجد أنواع معينة من الحيوانات إضافة إلى أنها أصبحت منشأ الكهوف .
وأوضح أنه يمكن ملاحظة امتداد جغرافي يرتفع قليلاً عن سطح البحر على السواحل الجنوبية والشمالية يحوي ترسبات بحرية وكثبان ترجع للعصر الجيولوجي الرابع، مؤكدا أن تنوع الطبوغرافيا والارتفاعات والأودية المحمية قد أدى إلى التنوع في المناخات وسمح بوجود ونمو فصائل نادرة قد تقتصر في تقسيمها على منطقة محددة بالجزيرة .
كما قدم شرحا مستفيضا حول البعثات الحيوية والنباتية في الجزيرة ، مشيرا إلى أنه منذ ما يقرب من قرن اهتم العلماء بسوقطرى لموقعها المنعزل ومنتجاتها المذكورة في المصادر التاريخية، ومنها "دم التنين" الذي يؤخذ من شجرة دم الأخوين . وأظهر أهمية هذه الرحلات العلمية وتأثيرها الهام على تاريخ الجزيرة التي أصبحت قيمتها العلمية معروفة عالمياً، لافتا إلى أنه قد تمت دراسة الحياة النباتية للجزيرة لأول مرة بواسطة بعثة بلفور للحدائق النباتية الملكية بأدنبرة.
ونوه الباحث البلجيكي إلى أن البعثات العلمية حول الحياة الحيوانية بدأت في نهاية القرن التاسع عشر بواسطة عدد من العلماء الأوروبيين وبخاصة بعثة فوربس من متحف ليفربول التي وصفت عدداً من الفصائل التي تعيش بالجزيرة بما فيها الطيور، مشيرا إلى البعثات العلمية لدراسة الحياة الحيوانية والنباتية بالجزيرة مستمرة ويقوم بها علماء من معاهد أوروبية ( جامعات إيطالية وألمانية وبلجيكية ) بالتعاون مع الباحثين اليمنيين.
وأوضح الدكتور فان دام أن أرخبيل سوقطرى يزخر بحوالي 825 نوعاً من النباتات، منها حوالي 37% لا توجد إلا على الجزيرة وحدها التي تعتبر من ضمن أول عشر جزر تضم أعلى نسبة مستوطنة من التنوع الحيوي في العالم . مبينا أنه يوجد على الجزيرة حوالي 95% من الفصائل المختلفة من الرخويات ، إلى جانب سبع فصائل من الطيور مستوطنة منها طائر (الشمس) ، وهناك فصيلتان تحتاجان لمزيد من الدراسة .
وذكر المحاضر أنه بسبب تفرد جزيرة سوقطرى على المستوى العالمي ، اعترفت بها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو ) ضمن الشبكة العالمية لمحميات المحيط الحيوي الذي تم إقراره من قبل برنامج الإنسان والمحيط الحيوي التابع لليونسكو، كما كانت الجزيرة قد أعلنت رسمياً محمية طبيعية في 27 سبتمبر 2000 .
ومن جانبه تطرق الأستاذ بيير دي جيست إلى المناخ السائد في الجزيرة الذي يدخل في إطار المناخ المداري الحار المعروف بتفاوتات منطقة الالتقاء الاستوائي والنظام الموسمي للمحيط الهندي ورغم أن مناخها شديد الحرارة مقارنة بالأراضي اليمنية إلا أن تنوع التضاريس يخلق أشكالاً من تقاسيم المناخ. وذكر أن طبيعة التنوع والآليات التي تدفع الرياح الموسمية ليست واضحة إلى حد كبير ، كما أن العلاقة بين التصعد الصهاري المداري وكثافة وتنوع تساقط الرطوبة المتكاثفة للرياح الموسمية أمر بالغ الأهمية إذ أنه يؤثر في حياة حوالي 60% من سكان العالم ويبدو أنه يعمل كمحرك حراري لكوكبنا .
ونوه بالدراسات الحديثة حول " الرسابات الكهفية " (القرارة القشرية الصلدة من كربونات الكالسيوم) في جنوب عُمان التي أظهرت أن أنواع النظائر المستقرة عالية التحليل تسجل تغيرات هامة في كثافة هطول الأمطار في المنطقة ، موضحا طبيعة الترسبات الكربونية الثانوية في الكهوف والمقصود الرسابات الكهفية مثل الصواعد (عمود من ترسبات كربونات الكالسيوم صاعد من أرض الكهف) والهوابط (عمود من ترسبات كربونات الكالسيوم مدلى من سقف الكهف) والأسقف المتكلسة من "كربونات الكالسيوم البلورية ".
وقال العالم البلجيكي إن الرسابات الكهفية تشتمل على بيانات تحمل تاريخ القياسات الإشعاعية، مشيرا إلى أن ترسبات كربونات الكالسيوم الصاعدة يمكن أن تصبح وثائق أرشيفية هامة للمناخ القديم ، إذ يمكنها تشكيل كميات سنوية من نظائر الكربون والأكسجين الأثقل والأخف التي ترتبط بهطول الأمطار الموسمية، ويمكن من خلال المعلومات المخزنة في العصور الزمنية السابقة ، تكييف الأهمية المناخية لهذه السجلات والحصول على معلومات خلال تاريخ نظام الرياح الموسمية للتنبؤ بالتغيرات المستقبلية .
وأشار الأستاذ جيست إلى أنه خلال العمل الميداني تم تجميع عينات من المياه الجوفية والمياه المتقطرة في الكهوف والترسبات الحديثة لكربونات الكالسيوم البلورية بغرض تحليل تركيب نظائرها المستقرة حيث لا تجمع الرسابة الكهفية إلا في المواضع التي لا يمكن فيها الإضرار بالتنوع الجيولوجي وبعد وضع تواريخ مسبقة للتأكد من أهميتها في حيز الدراسة التي تقدم فحصاً للرسابة الكهفية من مغارة هوك ومغارة كاس كاس اللتين تشكلت خلال آلاف السنوات الماضية، لافتا إلى أن تشكيل النظائر المستقرة يوفر معلومات حول الرطوبة في العهد القديم في هذه البيئة البحرية الفريدة .
وأوضح أن الطريقة الوحيدة للحصول على المعلومات هي بالتصوير المباشر للكهوف والتي سمحت باكتشاف الكثير من البقايا الأثرية في مغارة هوك ، والمخلفات القديمة مثل الأواني الفخارية المتكلسة والرسومات الجدارية والمخطوطات الأثرية وشظايا الفحم وآثار الأقدام وحتى أقراص خشبية عليها كتابات من القرن الثالث الميلادي. وذكر أن معظم هذه النصوص ترجع إلى تجار وصلوا من شرق أفريقيا ( الحبشة ) وجنوب الجزيرة العربية ( العرب الأوائل) وتدمر ولكن معظمهم جاء من غرب الهند وحتى باكستان، الأمر الذي جعل مغارة هوك مركزاً عالمياً خلال القرون الميلادية الأولى .
وتطرق الباحث البلجيكي إلى مصادر المياه الجوفية في الجزيرة ، مشيرا إلى أنه كان على سكان سوقطرى التأقلم مع ظروف انعدام الماء في الفصل الجاف والأمطار الموسمية والفيضانات المفاجئة في الفصول غير الجافة ، خاصة أنه يتم امتصاص مياه الأمطار سريعاً من خلال عملية جريان مياه الأمطار عبر نظام الأودية أو إلى داخل الأرض عبر أنظمة الكهوف والأحجار الجوفية الجيرية، معتبرا أن سوقطرى "إسفنجة" مكربنة مملوءة بالمياه العذبة في البحر، حيث أدت كشوف الكهوف مباشرة إلى اختبارات إمكانية تصريف المياه العذبة بدون الإضرار بالبيئة.
وأضاف الأستاذ جيست أنه ستكون هناك فوائد مباشرة للإدارة المستقبلية لمصادر المياه العذبة الجوفية بالجزيرة ، منها المشروع الرائد بالقرب من قرية ري دي اريسل في 2003 ، فقد سهل ارتفاع مدخل أيرهر بحوالي 350 متر فوق سطح البحر نقل المياه لمسافة 16 كلم بواسطة أنابيب بلاستيك رخيصة التي تنتهي إلى خزان مياه مغلق ، وذلك فقط بمساعدة الجاذبية، حيث يتاح لحوالي 500-600 شخص من الصيادين الذين يقطنون الطرف الشرقي الأقصى أن يحصلوا على المياه العذبة وذلك بفضل هذا الاكتشاف، ويمكن للمشروعات الأخرى أن تبدأ وتعمل بواسطة السكان المحليين باستخدام مصادر الطاقة الطبيعية مثل الرياح و/أو الطاقة الشمسية.
وحول اكتشافات الحياة الحيوانية في كهوف سوقطرى أشار الدكتور كاي فان دام إلى أن هذه الكهوف تزخر بأشكال من الحياة تأقلمت مع ظروف خاصة، حيث فقدت ألوانها وقدرتها على النظر بعد مليون عام من العيش في الظلام ، مبينا أنه استطاع الخبراء تسجيل العديد من الأنواع الجديدة والفصائل من سوقطرى والجزر المجاورة لها أثناء رحلة استكشافية لمجموعة الحدائق النباتية الملكية بأدنبرة عام 1999 ، وكان من بينها القشريات "طائفة من الحيوانات المائية المفصلية" مثل السرطانات والروبيانات .
واعتبر أن أرخبيل سوقطرى يشكل الآن مأوىً لبعض الفصائل النادرة التي اكتشفت حديثاً، مؤكدا أنه لا زال الكشف يجرى عن المزيد من هذه اللافقاريات ومنها السرطانات العنكبوتية التي وجدت أربع فصائل منها في جزيرة سوقطرى . وإحدى هذه المجموعات القديمة من الأحياء التي تعيش فقط في الظلام الدامس ولا زالت البحوث من علماء إيطاليين وألمان وبلجيك تكشف المزيد من الفصائل .
وفيما يتعلق بالفائدة العلمية المرجوة لبعض الاكتشافات في جزيرة سوقطرى ومنها اكتشاف حشرة عمياء تموت فور تعرضها للضوء، أشار إلى وجود العديد من هذه السلالات داخل الكهوف وهو ما يزيد من القيمة العلمية للجزيرة، ويدل على أن التنوع الحيوي في الجزيرة ما زال متجددا وهو ما يحتاج إلى مزيد من الوقت لتوصيفه علميا .
وحول الإدارة والحماية المستدامة للكهوف في جزيرة سوقطرى أكد الأستاذ بيير دي جيست أن هذه الكهوف تعتبر أثرا حضاريا وثقافيا فريدا وذات مصادر غير متجددة من القيم العلمية والحيوية الهامة ، مشددا على أهمية أن تكون إدارة وحماية الكهوف قائمة على أسلوب متعدد الأنظمة يأخذ في الحسبان الإلمام بتفرد المصادر الموجودة . وحذر في هذا الصدد من الأضرار الكبيرة التي ستلحق بالتنوع الحيوي في هذه الكهوف نتيجة إنشاء طرق للنقل أو مد خطوط للكهرباء داخل الكهوف وهو ما سيقضي على الكائنات الحية التي تعيش هناك وتتسبب في انقراضها قسريا .
وأيان الخطورة التي قد تعكسها المشاريع التنموية الكبيرة في هذه الجزء من اليمن على مستقبل التنوع البيئي الحيوي الذي تمتاز به الجزيرة خاصة أن تنمية الجزيرة تقتضي تنفيذ العديد من المشاريع التي من شأنها أن تغير في النمط البيئي والحضاري الحالي للجزيرة.

التعليقات