رشيدة داتي الوزيرة المغاربية في حكومة ساركوزي طلبت المساعدة من كل من قابلها

رشيدة داتي الوزيرة المغاربية في حكومة ساركوزي طلبت المساعدة من كل من قابلها
غزة-دنيا الوطن

المسافة بعيدة جدا بين قرية سان ريمي، القريبة من مدينة شالون سور سون والواقعة في منطقة بورغوني بجنوب شرقي فرنسا، حيث ولدت رشيدة داتي في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1965، وقصر وزارة العدل في باريس الذي تشغله حاليا وزيرة للعدل، مسافة «ضوئية» إذا أخذ بعين الاعتبار أن الشابة السمراء ذات القامة النحيفة والعينين السوداوين ابنة لوالدين مهاجرين فقيرين، فوالدها عامل بناء مغربي وأمها جزائرية أمية. إنها عائلة من عائلات المهاجرين المغاربيين المنتشرة بجانب الآلاف والآلاف من العائلات على كل الأراضي الفرنسية، جذبها السعي الى لقمة العيش والبحث عن مستقبل أفضل من الذي توفره بلدان المنشأ. عائلة رشيدة داتي كبيرة: 12 ولدا تتعين إعالتهم بوسائل محدودة، وفي بيئة تتحكم فيها الأفكار الجاهزة والمسبقة إزاء المهاجرين، وحيث النجاح ليس دائما مضمونا.

ترتيب رشيدة داتي الثانية في العائلة الكبيرة. وككل العائلات الشرقية يتحمل كبار الأبناء والبنات مسؤولية مساعدة الأهل على الإعالة والإهتمام بالأخوة والأخوات. وهذا ما فعلته رشيدة التي وضعها أهلها في مدرسة كاثوليكية خاصة، إدراكا منهم أن التعليم هو الاستثمار الأهم للنجاح وللخروج من حالة البؤس والعوز.

ومنذ مراهقتها، اضطرت رشيدة داتي للعمل. ففي الرابعة عشرة من عمرها، كانت تتنقل بين البيوت عارضة بيع مستحضرات التجميل. وتفيد سيرتها الذاتية بأنها ولجت عالم العمل باكرا لدفع تكلفة دراستها من جهة، ولمساعدة أهلها من جهة أخرى. وساعدت رشيدة داتي والدتها التي كانت تعمل خادمة في المنازل وعملت بصفتها بائعة في محلات السوبر ماركت في شالون سور سون، قبل أن تجد وظيفة وهي في السادسة عشرة من عمرها كعاملة هاتف، ثم مساعدة ممرضة في إحدى العيادات الخاصة. أبدت وزيرة العدل الجديدة منذ شبابها طموحا من غير حدود تغذيه إرادة حديدية ورغبة في النجاح والخروج من حالتها الاجتماعية والمادية، من خلال المراهنة على العمل والدراسة. وبعد دراستها الثانوية، انتقلت الى جامعة ديجون لمتابعة دراستها في الإقتصاد والحقوق. تروي داتي أنها كانت، خلال عملها في العيادة الخاصة تأخذ المجلات الموضوعة في غرف الانتظار، وخصوصا تلك التي تتحدث عن المشاهير ونجوم الفن والمجتمع وأهل السياسة. ويقال إنها كانت تقص الصفحات الخاصة بالأشخاص الذين نجحوا في الحياة منطلقين من لا شيء والصفحات الخاصة بالأشخاص الذين كانت ترغب في لقائهم. وذات يوم علمت أن السفارة الجزائرية تنوي الدعوة الى حفل بمناسبة عيد الاستقلال، وأن وزير العدل الأسبق ألان شالوندون سيكون من بين الحاضرين. وعملت داتي على الحصول على بطاقة دعوة من السفارة الجزائرية. وفي الحفلة، وجدت نفسها في عالم مختلف عن الذي اعتادت عليه. والتقت الممثل روجيه هانان قريب الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران وشالندون الذي طلبت منه موعدا للقائه، عارضة عليه حالتها وظروفها، ورغبتها في الحصول على «عمل تدريبي» في إحدى الشركات. وقبل الوزير الأسبق أن يلتقيها في إطار غداء. وقالت داتي لمجلة «نوفيل ايكونوميست» إن شالوندون نبهها بقوله: «سأساعدك على وضع رجل في الركاب، وعليك أن تظهري أنك أهل لوضع الرجل الأخرى في الركاب الآخر». وفى شالوندون بوعده فرتب لها دورة تدريبية في شركة «ألف أكيتان» النفطية الفرنسية، التي عملت في قسم المحاسبة فيها. ومنذ تلك الفترة اصبح شالوندون راعيا لها، وهي الآن تجلس في المقعد الوزاري، الذي كان يحتله في وزارة العدل.

يقول الأشخاص الذين خبروا رشيدة داتي عن قرب، إن سر نجاحها يكمن في إرادتها الفولاذية وعزمها الذي لا يلين ورغبتها الجامحة في الوصول والنجاح. ولكن بعكس من سبقها الى الوزارة من أصول عربية ومغاربية مثل تقية صيفي (حكومة جان بيار رافاران) وعزوز بيغاغ (حكومة دومينيك دو فيلبان) اللذين وصل الى الحكومة عبر العمل العام، إما عبر الجمعيات أو عبر الآحزاب، فإن رشيدة داتي اختارت المسار الشخصي والنجاح الفردي. ويأخذ عليها منتقدوها أنها منذ البداية «كانت مسكونة بهم نجاحها الخاص غير عابئة بالآخرين، الذين يعانون من المشاكل نفسها التي عانت منها». الواقع أن رشيدة داتي لا تؤمن لا بالصدفة ولا بالحظ وترى أن سر النجاح هو المبادرة.

وكما فعلت مع ألان شالوندون فعلت مع غيره من الشخصيات ذات الوزن الثقيل في عالم المال والاقتصاد والسياسة. وتفيد سيرتها الذاتية التي أدخلت منذ بداية هذا العام الى موسوعة «هو از هو» للمشاهير أن داتي كانت تشارك عام 1989 في احتفال منح جائزة لأختها الكبرى من قبل «مؤسسة المواهب» التي كان يرأسها الصناعي الكبير جان لوك لاغاردير، المساهم الأكبر في شركة ماترا للصناعات الدفاعية وفي شركة هاشيت للإعلام والصحافة والنشر. وفي نهاية الحفل، ذهبت رشيدة داتي الى لاغاردير وقالت له: «أنني أحلم بالعمل معك». ومرة أخرى، نجحت خطة داتي التي دخلت الى القسم القانوني في شركة ماترا عام 1990. وفي عملها أظهرت رغبة في التقدم الى درجة أنها نجحت في إقناع مسؤوليها بتوفير منحة لها لتحضير شهادة في القانون. واستمرت رشيدة داتي على انطلاقتها واتسعت دائرة معارفها. ومن الشخصيات التي وصلت اليها جاك أتالي، المستشار الدبلوماسي للرئيس ميتران طيلة سبع سنوات والرجل الذي يملك في فرنسا اوسع شبكة علاقات ذات نفوذ وتأثير في الداخل والخارج، وقد عين أتالي رئيسا للبنك الأوروبي للإنماء والإعمار، الذي كان الغرض منه مساعدة دول أوروبا الشرقية التي تخلت عن الشيوعية ودخلت النظام الاقتصادي الحر. وصلت داتي الى جاك اتالي بفضل توسط مارسو لانغ وهو قاض كبير كان ساعتها نائب رئيس مجلس الدولة، عرفها لانغ على جاك أتالي وعلى الوزيرة السابقة ورئيسة البرلمان الأوروبي سيمون فيل. وبفضل تعرفها على أتالي، نجحت في إقناعه في توظيفها في البنك الجديد الذي اقيم مقره في لندن. ودخلت البنك في قسمه القانوني الذي يتلاءم مع الشهادات التي حصلتها. ولم تبق في البنك المذكور سوى عام واحد. لكن صداقتها لأتالي ما زالت قائمة. أما بالنسية لسيمون فيل، فقد أعدت لها تقريرا عن سياسة الاندماج والانصهار في المدن والأحياء، خصوصا بالنسبة للمتحدرين من أصول مهاجرة. وتعترف داتي بفضل لانغ وفيل عليها إذ هما نصحاها بالدخول الى الجسم القضائي. وبعد عملها في شركة «ليونيز دي زو» المتخصصة في توزيع المياه، قدمت طلب انتساب الى المعهد الوطني للقضاء، ولم تقدم امتحان الدخول بل قبلت استنادا الى الشهادات التي تحملها. وهكذا كان، فقد أمضت فيه ثلاثة أعوام (1997 الى 1999) لتتخرج بعدها قاضية، ولتنتقل عقب ذلك في عدة مناصب قضائية (محكمة بوبينيي في ضاحية باريس، ثم في محكمة ايفري، جنوب العاصمة). غير أن الوظائف التي شغلتها كانت متواضعة، وكانت في أسفل الهرم القضائي، وليست هي السبب في وصولها الى الموقع الذي تحتله الآن.

قد يكون السر في نجاح رشيدة داتي، أنها نجحت في أقناع كل الذين التقت بهم وطلبت مساعدتهم أنها جديرة بثقتهم وأن توثبها وتوقها للنجاح يبرران الثقة التي وضعت فيها.

وبفضل ذلك، حافظت داتي على صداقات غالية الثمن وهذه الصداقات هي التي فتحت لها طريق النجاح، لأنها بنيت على أسس الجدارة والأهلية. والجدير بالملاحظة أن غالبية من التقت بهم رشيدة داتي عادت للقائهم بمناسبة الانتخابات الرئاسية، سيمون فيل كانت رئيسة للجنة الدعم والمساندة للمرشح سركوزي. برنار كوشنير الذي يدخل ايضا في دائرة داتي أصبح وزيرا للخارجية رغم اشتراكيته. جاك اتالي صديق قديم ودائم لرئيس الجمهورية الجديد، وقال مؤخرا إنه جاهز لمساعدته. لكن داتي تدين بمنصبها الحالي أولا وأخيرا لساركوزي نفسه ولزوجته سيسيليا.

فحتى الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) الماضي، لم تكن داتي معروفة إلا في إطار ضيق. لكن مساء ذلك اليوم الذي شهد تكريس ساركوزي مرشحا رسميا عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني، صدر قرار بتعيينها ناطقة رسمية باسم المرشح اليميني الى جانب الناطق الآخر كزافيه برتراند ـ وزير الصحة السابق. وتساءل كثيرون بمن في ذلك مقربون من المرشح الرئاسي، ومن مسؤولي الحزب اليميني عن هوية هذه المرأة الشابة التي تخفي تحت ابتسامتها شبه الدائمة ولغتها الفائقة التهذيب طبعا متأصلا وشخصية قوية. ومع إطلالاتها الأولى على شاشات التلفزة ـ لاحظ الفرنسيون أن لدى هذه المرأة الشابة، شيئا مختلفا عن السياسيين التقليديين الذين الفوا وجوههم بمن فيهم الشباب. علاقة ساركوزي مع داتي تبدأ مع عام 2002، عندما فاز الرئيس جاك شيراك بالرئاسة للمرة الثانية على التوالي، وفي الحكومة التي رأسها جان بيار رافاران، كلف نيكولا ساركوزي، الذي كان يحلم وقتها برئاسة الحكومة بوزارة الداخلية. ولم تلبث رشيدة داتي ان كتبت مجموعة رسائل لساركوزي تعرب فيها عن رغبتها في العمل الى جانبه. ولا نعرف ما إذا كانت قد طلبت من صداقاتها العديدة التوسط لها عند ساركوزي الذي تقول إنها التقته «صدفة» عام 1996 في مدينة نويي التي يرأس بلديتها. وتقول داتي إن ساركوزي قال لها عند ذلك: «إذا احتجتني يوما، فلا تترددي في مفاتحتي بذلك». وبعد الرسالة الثالثة، جاء داتي اتصال من ساركوزي الذي التقته في مكتبه. وبعد أن عرضت عليه العمل الى جانبه والقيمة المضافة التي تحملها اليه، قال لها ساركوزي: «ليس عندي سبب يجعلني أحرم نفسي من مواهبك». وهكذا كان: فقد دخلت داتي الى مكتب وزير الداخلية بصفتها مستشارة مكلفة شؤون «تدارك الجنح» خصوصا لدى الأحداث والشباب وبقيت في ظله أريع سنوات. وقامت بين القاضية الشابة والمرشح الشاب وكذلك مع زوجته سيسيليا علاقة صداقة وإعجاب متبادل. ويقول بعض العارفين إن فكرة تعيينها ناطقة باسم ساركوزي، جاءت من سيسيليا، عقيلة الرئيس، التي اقنعت زوجها بتعيينها ناطقة لأن داتي «مجلية». وتلقت الأخيرة تدريبا إعلاميا على يدي مذيع سابق في القناة التلفزيونية الأولى، قبل أن تباشر عملها. وفي الأسابيع الأخيرة، برز تغير واضح في لبس وتسريحة شعر هذه المرأة السمراء النحيلة، واصبحت أمام العدسات أكثر ثقة بنفسها. وكلما كانت تسأل عن مستقبلها الى جانب الرئيس الجديد، وعن الحقيبة الوزارية التي ستشغلها، كانت تكتفي بالابتسام ما يعني أنها متيقنة بالدخول الى الحكومة.

ولم تنتسب داتي الى الحزب الذي يرأسه ساركوزي، إلا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وفي مهرجان انتخابي في مدينة بربينيان، جنوب فرنسا، تحدث ساركوزي عن الناطقة باسمه قائلا: «إن اختيارها (ناطقة باسمه) كان قرارا محملا بالمعاني، خصوصا أنها لا تملك الخبرة (السياسية) وتحمل اسم رشيدة. هذه رسالة للفرنسيين ومفادها بأن فرنسا متنوعة ومتعددة، ولا ينبغي عليها أن تخاف هذا التعدد».

وتقول داتي عن الرئيس الجديد: «إنني معجبة بمسار ساركوزي السياسي. إنه رجل لم يمنحه أحد شيئا بل كل ما حصل عليه انتزعه انتزاعا. لديه أمور أجد أصداءها في حياتي مثل رفض الحتميات. إنني متعلقة به وتعلقي هذا يذهب أبعد من التزامه وتوجهه السياسي».

وعندما قال ساركوزي، إنه ينوي تعيين داتي وزيرة للعدل قيل له: «من المؤكد أن داتي ستنال إعجاب الصحافة، ولكن هل ستنال إعجاب الفرنسيين؟». الجواب جاءت به استطلاعات الرأي، إذ أظهر أحدها أن رشيدة داتي ثالث أكثر الوزراء شعبية في حكومة فرنسوا فيون، بعد جان لوي بورلو وزير الاقتصاد، وبرنار كوشنر وزير الخارجية.

إذا كانت داتي التي أثبتت قدرة وكفاءة خلال الفترة التي كانت فيها الناطقة باسم المرشح ساركوزي، قد وصلت الى حيث هي الآن، فإن عوامل عدة لعبت لصالحها وأولها أنها امرأة شابة ومكللة بالشهادات «حقوق، اقتصاد، قضاء» وخصوصا أنها متحدرة من أصول مغاربية. فالمرشح ساركوزي المتحدر هو أيضا من أبوين مهاجرين «والده مجري الأصل وأمه متحدرة من عائلة يهودية، جاءت الى فرنسا من اليونان» كان بحاجة الى «رموز» شابة تعكس نظرته الى المجتمع وخطته السياسية. وساركوزي أحد اكثر المدافعين عن خطة «التمييز الإيجابي» أي توفير الفرص للمتحدرين من أصول أجنبية، وتسهيل وصولهم الى الوظائف العليا في الدولة والمجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن داتي يمكن أن تكون «رمزا» للنجاح لفئة من المجتمع غالبا ما ترى الأبواب موصدة بوجهها بسبب لون بشرتها أو لهجتها أو اسمها. كذلك، يمكن اعتبار إعطاء داتي وزارة أساسية او سيادية لا تشبه بأي حال «نصف» الوزارات السابقة التي اعطيت لمتحدرين من أصول أجنبية في السابق، ردا على الذين يتهمونه بالتعصب واليمينية وكره الأجانب بسبب سياسته المتشددة تجاه المهاجرين وتشديد شروط وصولهم وإقامتهم في فرنسا. داتي هي النموذج المعاكس الذي يمكن لساركوزي أن يرفعه امام كل من يتهمه بالانغلاق والتحيز. وخلال الحملة الانتخابية الطويلة سعت داتي عن طريق علاقاتها الى «تحسين» صورة ساركوزي في الضواحي الصعبة، ولدى الشباب المتحدر من أصول مهاجرة. غير أن نجاحها في هذا الباب ليس مؤكدا، إذ أن الرئيس الحالي بقي بعيدا عن المناطق والأحياء الحساسة، التي أعطت أصواتها للمرشحة الاشتراكية. ولم ينس الشبان كلمات ساركوزي في ضاحية أرجنتوي الباريسية التي وصف فيها الشبان بـ«الرعاع» واعدا بتخليص الضواحي منهم.

ورشيدة داتي يمكن أن تعتبر كذلك شعارا للتغيير الذي جعله الرئيس الجديد في قلب حملته الانتخابية. فهذه المرأة البالغة من العمر 41 عاما «مثال» حي لما توفره الجمهورية الفرنسية من إمكانيات للاندماج والانصهار والنجاح بما في ذلك في بيئة سياسية «ذكورية» بامتياز. وتقول داتي التي فتحت بوجهها قصور إن «كل شيء ممكن» إذا ما توافرت الإرادة والرغبة في النجاح.

وفي منصبها الجديد، يتعين على رشيدة داتي، أن تظهر كفاءة في عملية إصلاح النظام القضائي والتعاطي مع القضايا الحساسة التي ستطرح في القريب العاجل ومنها احتمال ملاحقة الرئيس السابق جاك شيراك قانونيا، وتنفيذ الوعود الإنتخابية «القضائية» للرئيس الجديد. وقد رفضت داتي منذ البداية أن تكلف وزارة يكون دورها الاهتمام بالمهاجرين، لأنها تريد أن تكون وزيرة ككل الوزراء وليست الوزيرة العربية أو المغاربية، التي تهتم بالعرب والمغاربة. وبأي حال، يرى هؤلاء فيها «كوة» للأمل في وضع معقد.

التعليقات