الفلسطينيون يتعرون من لباسهم التقليدي
غزة-دنيا الوطن-وكالة وفا-جميل ضبابات
يحافظ سعيد حسن خضير الشهير بـ"بأبو خضير" على مهنته كخياط يتيم للباس التقليدي الفلسطيني في طوباس في الضفة الغربية.
وتعلم أبو خضير حياكة اللباس التقليدي الفلسطيني في العام 1945، وظل آخر خياط في بلدته يقاوم تيار الحداثة الجارف دون أن يدري.
ومعروف عن الفلسطينيين في القرى تمسكهم بالعادات والتقاليد الاجتماعية الراسخة كما هي, لكن عندما يتعلق الأمر باللباس التقليدي فيختلف الأمر كثيراً.
"انتهت الديمايات، تغير اللباس بالنسبة لهذا الجيل"، قال أبو خضير بينما راح يقلب لفة قماش أبيض تصنع منه سراويل الرجال التقليدية الفضفاضة.
وعملياً دق كثير من الباحثين في قضايا الهوية الثقافية ناقوس الخطر خوفاً من تدني الاهتمام بهذا اللباس، لكن بالنظر إلى نمط اللباس السائد اليوم في الأراضي الفلسطينية، يمكن القول إن الفلسطينيين تخلوا عن جزء من هويتهم الثقافية., وخلال الشهر الماضي فقط رجل واحد طلب من أبو خضير حياكة ديماية له، وقال الحائك: إنه قد يمر شهران دون أن يطلب أحدهم ديماية.
وخلال ساعة في دكان أبو خضير كما يدعوه أهالي المدينة، مر رجل واحد يريد بيع قطعة قماش، لأن لديه من الديمايات ما يكفي للبسها دون أن تبلى حتى مماته، كما يقول.
أراد الخياط أبو خضير أن يؤثره قطعة قماش من المحل، لأنه لا يريد أن يكدس المزيد منها، لكن الرجل البائع رفض والرجال الذين ما زالوا محافظين على هذا النوع من اللباس يلبسون الديماية(القمباز) والحطة والعقال، فيما تلبس المرأة الثوب وتتمنطق بزنار ملون من الحرير، تلفه حول خصرها عدة لفات.
ويسود اعتقاد واسع في المجتمع الفلسطيني بأن هذا اللباس جزء من الماضي المقترن بالفلاحة والفروسية والحكمة، ويتوقع باحثون في موضوع اللباس التقليدي أن يختفي هذا اللباس من الشارع، لكن ليس من حياة الفلسطينيين، وسيحل محله لباس آخر، لكنه قريب منه في التفاصيل العامة.
وفي القرى والبلدات الفلسطينية يمكن رؤية رجال مدثرين بلباسهم التقليدي، لكن في المدن يندر هذا رؤية المشهد ـومن الرجال يتدثر بعباءة لها أكمام قصيرة يلبسونها في المناسبات، تعطيهم بعض الهيبة والوقار والرفعة، وكما واجه هذا الجيل ظهور البنطلون بإدراة ظهره له, لم تبالِ كثيراً الأجيال التي تلت بذلك المبدأ.
وفي طوباس المدينة الصغيرة جداً الآخذة باللحاق في ركب الحداثة تتناقص أعداد المتمسكين بهذا اللباس سنة بعد أخرى.
ويقول أبو خضير: إنه لا يذكر خلال الأربعينات والخمسينات أن رأى رجلاً يلبس بنطلوناً وقميصاً، لكن الآن انقلب المشهد رأساَ على عقب وأخذ الناس يبدلون لباسهم شيئاً فشيئاً حتى بداية السبعينات التي طغى فيها اللباس الحديث على اللباس التقليدي.
والديماية التي فقدت وظيفيتها عبر التغيير الاجتماعي والاقتصادي الحاصل في المجتمع, فقدت أيضاً مبررات ارتدائها، فكثير من الرجال والنساء الذين كانوا يتدثرون بنمط معين من اللباس في مناسبات خاصة، عزفوا عن ذلك، فمثلا اللباس النسائي التقليدي تحول إلى لباس مناسبات وأدوات للعرض في المعارض، لذلك ليس من السهل استمرار اللباس التقليدي في ظل كل هذه التغييرات.
وما يميز طوباس مثلاً أن نساءها يرتدين لباساً تقليدياً لا ترتديه أي امرأة أخرى في عموم فلسطين التاريخية، ولباس المرأة الطوباسية التقليدي محكوم بتقيدها بارتداء عدد كبير من القطع.
ويتكون هذا اللباس من الشلحة واللباس والقميص والثوب ذي الأكمام التي تتوسع كلما اقتربت من كف اليد, والكبر وهو الرداء الرئيس الذي يلف حوله زنار من الحرير، وتمتد من الثوب قطعة قماش لتلتف على رأس المرأة وتربط عقدة واحدة، وتحتها تلبس المنديل الحريري الأخضر وفوقه (الخرقة) وهي غطاء الرأس الرئيس، ويتجاوز طوله أكثر من متر وكذلك عرضه, وينسدل منه نطاقان طويلان نحو الزنار ويثبتان به.
وعلى جدران محل أبو خضير المطلية بطبقة رقيقة من الأسمنت، ثبت الرجل عدة مشاجب حديدية علق عليها أثواباً نسائية زاهية من (أثواب الردان) وعلى مشاجب أخرى علقت ديمايات وسراويل.
أما زنانير النساء وخرقهن والمناديل الخضراء الحريرية فقد رتبت بشكل عشوائي مع قطع أخرى على رفوف خشبية عمرها من عمر المحل.
وفي جرار الطاولة بدت خيطان ملونة عديدة يستخدمها أبو خضير في رتق ما بلي من الألبسة التقليدية.
وفي هذا المكان الذي يختزل زمان "موديل" يكاد أن يندثر ويعبق برائحة الماضي، هناك الكثير من الأشياء المفقودة في الأسواق الحديثة كالقبعات البيضاء التي مازال يرتديها بعض الرجال تحت حطاتهم البيضاء.
يتذكر أبو خضير تلك النظرة الاستهجانية التي كان ينظر بها أهالي بلدته للرجال الذين تحولوا من لبس الديماية إلى لبس البنطلون.
"كانوا يصفون من يلبس البنطلون بالمجنون ويحثونه على تركه، لأن تغيير اللباس من وجهة نظرهم ضرب من الجنون، "قال الخياط أبو خضير فيما كانت قدماه تتبادلان الضغط على كفتي ماكينة الخياطة القديمة.
واللباس التقليدي النسوي هو عبارة عن لغة وهوية جغرافية تعكس الحالة النفسية والاجتماعية والغضب والحزن الذي يعتري حالة من تلبسه.
وعملياً هذا طرح منطقي، فلباس المرأة فيه تفاصيل تميز بلداً عن آخر، كما فيه إشارات تميز المتزوجة عن غيرها والكبيرة عن الصغيرة.
واللباس التقليدي للمرأة الفلسطينية يتميز في الشمال عنه في الوسط والساحل والجنوب، وفي الشمال تلبس النساء أثواباً زاهية بسيطة التطريز, وفي الوسط والساحل تزداد مساحة التطريز, بينما في الجنوب خاصة في منطقة السبع تبدو الملابس أكثر قتامة واسوداداً".
هذا التمايز أخذ يتلاشى من المجتمع الفلسطيني تحت وطأة التغيير والانفتاح، فبالنسبة للجيل الذي مازال يلبس القمباز يدخل التخلي عنه في سياق العيب والانجرار نحو الصبيانة, أما بالنسبة للجيل المنغمس بالحداثة فإن أمر هذا اللباس لا يعنيه البتة ويدخل في طور "الجنون".
ومجرد المبادرة إلى طرح فكرة الالتزام باللباس التقليدي في المناسبات الوطنية العامة التي يحييها الشعب الفلسطيني, ربما تكون فرصة للحفاظ على جزء من الهوية الوطنية.
فهل يعود الفلسطينيون يوما إلى لباسهم التقليدي.؟
يحافظ سعيد حسن خضير الشهير بـ"بأبو خضير" على مهنته كخياط يتيم للباس التقليدي الفلسطيني في طوباس في الضفة الغربية.
وتعلم أبو خضير حياكة اللباس التقليدي الفلسطيني في العام 1945، وظل آخر خياط في بلدته يقاوم تيار الحداثة الجارف دون أن يدري.
ومعروف عن الفلسطينيين في القرى تمسكهم بالعادات والتقاليد الاجتماعية الراسخة كما هي, لكن عندما يتعلق الأمر باللباس التقليدي فيختلف الأمر كثيراً.
"انتهت الديمايات، تغير اللباس بالنسبة لهذا الجيل"، قال أبو خضير بينما راح يقلب لفة قماش أبيض تصنع منه سراويل الرجال التقليدية الفضفاضة.
وعملياً دق كثير من الباحثين في قضايا الهوية الثقافية ناقوس الخطر خوفاً من تدني الاهتمام بهذا اللباس، لكن بالنظر إلى نمط اللباس السائد اليوم في الأراضي الفلسطينية، يمكن القول إن الفلسطينيين تخلوا عن جزء من هويتهم الثقافية., وخلال الشهر الماضي فقط رجل واحد طلب من أبو خضير حياكة ديماية له، وقال الحائك: إنه قد يمر شهران دون أن يطلب أحدهم ديماية.
وخلال ساعة في دكان أبو خضير كما يدعوه أهالي المدينة، مر رجل واحد يريد بيع قطعة قماش، لأن لديه من الديمايات ما يكفي للبسها دون أن تبلى حتى مماته، كما يقول.
أراد الخياط أبو خضير أن يؤثره قطعة قماش من المحل، لأنه لا يريد أن يكدس المزيد منها، لكن الرجل البائع رفض والرجال الذين ما زالوا محافظين على هذا النوع من اللباس يلبسون الديماية(القمباز) والحطة والعقال، فيما تلبس المرأة الثوب وتتمنطق بزنار ملون من الحرير، تلفه حول خصرها عدة لفات.
ويسود اعتقاد واسع في المجتمع الفلسطيني بأن هذا اللباس جزء من الماضي المقترن بالفلاحة والفروسية والحكمة، ويتوقع باحثون في موضوع اللباس التقليدي أن يختفي هذا اللباس من الشارع، لكن ليس من حياة الفلسطينيين، وسيحل محله لباس آخر، لكنه قريب منه في التفاصيل العامة.
وفي القرى والبلدات الفلسطينية يمكن رؤية رجال مدثرين بلباسهم التقليدي، لكن في المدن يندر هذا رؤية المشهد ـومن الرجال يتدثر بعباءة لها أكمام قصيرة يلبسونها في المناسبات، تعطيهم بعض الهيبة والوقار والرفعة، وكما واجه هذا الجيل ظهور البنطلون بإدراة ظهره له, لم تبالِ كثيراً الأجيال التي تلت بذلك المبدأ.
وفي طوباس المدينة الصغيرة جداً الآخذة باللحاق في ركب الحداثة تتناقص أعداد المتمسكين بهذا اللباس سنة بعد أخرى.
ويقول أبو خضير: إنه لا يذكر خلال الأربعينات والخمسينات أن رأى رجلاً يلبس بنطلوناً وقميصاً، لكن الآن انقلب المشهد رأساَ على عقب وأخذ الناس يبدلون لباسهم شيئاً فشيئاً حتى بداية السبعينات التي طغى فيها اللباس الحديث على اللباس التقليدي.
والديماية التي فقدت وظيفيتها عبر التغيير الاجتماعي والاقتصادي الحاصل في المجتمع, فقدت أيضاً مبررات ارتدائها، فكثير من الرجال والنساء الذين كانوا يتدثرون بنمط معين من اللباس في مناسبات خاصة، عزفوا عن ذلك، فمثلا اللباس النسائي التقليدي تحول إلى لباس مناسبات وأدوات للعرض في المعارض، لذلك ليس من السهل استمرار اللباس التقليدي في ظل كل هذه التغييرات.
وما يميز طوباس مثلاً أن نساءها يرتدين لباساً تقليدياً لا ترتديه أي امرأة أخرى في عموم فلسطين التاريخية، ولباس المرأة الطوباسية التقليدي محكوم بتقيدها بارتداء عدد كبير من القطع.
ويتكون هذا اللباس من الشلحة واللباس والقميص والثوب ذي الأكمام التي تتوسع كلما اقتربت من كف اليد, والكبر وهو الرداء الرئيس الذي يلف حوله زنار من الحرير، وتمتد من الثوب قطعة قماش لتلتف على رأس المرأة وتربط عقدة واحدة، وتحتها تلبس المنديل الحريري الأخضر وفوقه (الخرقة) وهي غطاء الرأس الرئيس، ويتجاوز طوله أكثر من متر وكذلك عرضه, وينسدل منه نطاقان طويلان نحو الزنار ويثبتان به.
وعلى جدران محل أبو خضير المطلية بطبقة رقيقة من الأسمنت، ثبت الرجل عدة مشاجب حديدية علق عليها أثواباً نسائية زاهية من (أثواب الردان) وعلى مشاجب أخرى علقت ديمايات وسراويل.
أما زنانير النساء وخرقهن والمناديل الخضراء الحريرية فقد رتبت بشكل عشوائي مع قطع أخرى على رفوف خشبية عمرها من عمر المحل.
وفي جرار الطاولة بدت خيطان ملونة عديدة يستخدمها أبو خضير في رتق ما بلي من الألبسة التقليدية.
وفي هذا المكان الذي يختزل زمان "موديل" يكاد أن يندثر ويعبق برائحة الماضي، هناك الكثير من الأشياء المفقودة في الأسواق الحديثة كالقبعات البيضاء التي مازال يرتديها بعض الرجال تحت حطاتهم البيضاء.
يتذكر أبو خضير تلك النظرة الاستهجانية التي كان ينظر بها أهالي بلدته للرجال الذين تحولوا من لبس الديماية إلى لبس البنطلون.
"كانوا يصفون من يلبس البنطلون بالمجنون ويحثونه على تركه، لأن تغيير اللباس من وجهة نظرهم ضرب من الجنون، "قال الخياط أبو خضير فيما كانت قدماه تتبادلان الضغط على كفتي ماكينة الخياطة القديمة.
واللباس التقليدي النسوي هو عبارة عن لغة وهوية جغرافية تعكس الحالة النفسية والاجتماعية والغضب والحزن الذي يعتري حالة من تلبسه.
وعملياً هذا طرح منطقي، فلباس المرأة فيه تفاصيل تميز بلداً عن آخر، كما فيه إشارات تميز المتزوجة عن غيرها والكبيرة عن الصغيرة.
واللباس التقليدي للمرأة الفلسطينية يتميز في الشمال عنه في الوسط والساحل والجنوب، وفي الشمال تلبس النساء أثواباً زاهية بسيطة التطريز, وفي الوسط والساحل تزداد مساحة التطريز, بينما في الجنوب خاصة في منطقة السبع تبدو الملابس أكثر قتامة واسوداداً".
هذا التمايز أخذ يتلاشى من المجتمع الفلسطيني تحت وطأة التغيير والانفتاح، فبالنسبة للجيل الذي مازال يلبس القمباز يدخل التخلي عنه في سياق العيب والانجرار نحو الصبيانة, أما بالنسبة للجيل المنغمس بالحداثة فإن أمر هذا اللباس لا يعنيه البتة ويدخل في طور "الجنون".
ومجرد المبادرة إلى طرح فكرة الالتزام باللباس التقليدي في المناسبات الوطنية العامة التي يحييها الشعب الفلسطيني, ربما تكون فرصة للحفاظ على جزء من الهوية الوطنية.
فهل يعود الفلسطينيون يوما إلى لباسهم التقليدي.؟

التعليقات