حكايات الأهالي في مدينة غزة عن ليال استوطنها الموت

غزة –دنيا الوطن- ساهر الأقرع

أهالي قطاع غزة : خمسة أيام معاناة من موجات القتل والتدمير ...

الكل يسأل لماذا ، ومن أجل ماذا تُراق الدماء وبهذا الشكل ؟ فهناك من سقط في إحدى الاشتباكات بين أنصار حركتي فتح وحماس ، وهناك من أُغْتيل على يد مجهولين بغرض إشعال نار الفتنة ، 50 قتيل وعشرات الجرحى بأي ذنب ؟؟

واليوم المواجهات دائرة بين أنصار الحركتين وعناصرهما، والكل يسأل ما الذي جرى لهم ؟ هل المناصب وكراسيها الفخرية فعلت بهم كل ذلك ؟؟؟!

ما عادت ليالي قطاع غزة أفضل من نهارها بعدما اشتعل ذراع الموت جنح الظلام وراحوا يطوفون بالقتل علي رقاب الأبرياء ، هكذا وصَف " خليل النجار" حال الليالي في شمال غزة في أجواء تصاعد القتل المتعمد والتدمير والعنف السياسي والذي راح ضحيته أكثر من خمسون قتيل خلال الخمسة أيام الماضية ......

فيقول : أقضي ساعات الليل حاملاً سلاحي ومتجولاً في حديقة المنزل الأمامية مرة في الحديقة الخلفية وأخري أتسلق سور منزلي مستطلعاً ، كلما ازداد نباح الكلاب في الشارع أو عندما أشعر بوجود حركة غريبة في المنطقة التي أسكنها ".

وأطلق ضابط يعمل في صفوف الأجهزة الأمنية العنان لحال الرعب التي تسيطر علي أفكاره أثر اجتياح مجموعة مسلحة تسمي "مجهولة" سيارة الأمن الوطني شرق مدينة غزة، وأطلقت تلك المجموعة النار بشكل مباشر وكثيف جداً علي السيارة التي تقل أفراد من الأمن الوطني كانوا بطريقهم لمنع حالة السرقة والدمار الذي لحقت بمعبر المنطار .....

ويقول : ما غض مضجعي ما حدث في برج " الصالحي " بمدينة غزة من عملية اقتحام شقتين وحرقهما يعودا إلى النائب ماجد أبو شمالة والكاتب حسن الكاشف و سرقتهما ، تحت مسمى غنائم حرب .

وما حدث إلي الشهيد " بهاء أبو جراد" الذي قُتِل علي أيدي خفافيش الظلام ، وقتله بإطلاق النار علي رأسه أمام مرأى ومسمع الناس والأجهزة الأمنية ولكن دون جدوى ،ذلك الرصاص الأعمى الذي أطلقته قلوب عمياء تجعلني أتصور إبني الصغير كيف يكون في حال داهم هؤلاء القتلة أي مكان أو شخص قريب من منزلي أو حينما أتجول وأصطحب أبنائي ...

وشهدت الأراضي الفلسطينية موجة عنف وقتل متعمد جديدة لم يسبق لها مثيل طالت جميع مخيمات قطاع غزة وأسفرت عن سقوط نحو "134" ضحية بين قتيل وجريح ، وتقول ( أم العبد) 47عام " وصلنا إلي قناعة تامة بأن الدولة ومؤسساتها لا تحمينا من هؤلاء المتقاتلون الذين يدمرون ويقتلون الأبرياء إلى انه وقبل أسبوع داهم جنود من القوة التنفيذية مخيمنا وأخذوا يطلقون الرصاص كالمطر والصواريخ كحبوب الحلوى تتساقط علي سيارة كانت تمر من أمامي فسارع أحد وجهاء المنطقة للاتصال بقيادي من السلطة ولكن دون جدوى والمفاجأة بحسب (أم العبد) أن قيادي من الحكومة اتصل بعد لحظات ليبلغنا أن المجموعة المسلحة التي داهمت السيارة تابعة إلي أحد أفواجه مؤكداً أن هذا خرق من السهل استغلاله من فرق الموت في مهاجمة أهدافهم التي لم تعد واضحة وهم يرفعون شعار " إن لم تكن معي فأنت عدوي " .

وتقضي الأستاذة (ريم) "45 عاماً" وهي مدرسة لغة عربية ساعات الليل التي يكون فيها زوجها في عملة بجهاز الشرطة ومضت تقول : أردد مع نفسي متضرعة إلي الله ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... وخائفة ألا يعود زوجي إلي الأبد قريبة إلي الحقيقة وتتقاذفني مخاوف من المستقبل المجهول الذي ينتظرني وكيف أعيل أبنائي الأربعة بعده وما سيكون حالي علية .

وراح (منتصر)20عاماً ،عامل بناء يخاطب الطريق العام الذي يربط جنوب غزة مع شمالها في أحد أيام الاشتباكات بداية الأسبوع المنصرم وتحول فيه إلي ساحات لكرة القدم طيلة ساعات النهار ، قائلاً : كم أنت جميل يا طريق وكم كرهتك في الليل ، وأردد فيه بحرقة هذا الشارع كثيراً ما أرعبني خلال ساعات عملي فهو الحد الفاصل بين منطقتنا ومقر للقوة التنفيذية .. وتابع : في كل ليلة تتحول أعمدة الكهرباء والسياج الفاصل بين الممرين إلي أشباح تدفعني في بعض الأحيان إلي الهلوسة .

الأمور سيئة وعواقبها وخيمة .

المواطن أكرم : إن ما حدث هو شيء مؤسف جدا ،فوصول الأمور بين فتح وحماس إلى هدا الحد من التراشق والاتهامات إلى حد التحرش في بعض الأحيان مؤشر خطير لعمق الخلاف الموجود بين القوى الوطنية والسياسية اللاعبة في الساحة الفلسطينية وهذا يُنذر بأن الأمور لا سمح الله مرشحة إلى المزيد من المشاكل إذا لم يتم يتدارك الأمر .

ويدعوا الجميع من كافة الفصائل الفلسطينية إلى حل المشاكل العالقة فيما بينهم ، وأُجزِم بأنه يوجد هناك مساحة واسعة للحوار للخروج من هذا المأزق ، لكن في البداية يجب أن نغلب المصلحة الوطنية على المصلحة الخاصة وبعد ذلك يجب أن نكون جادين في الحوار ، حيث لا يجب أن يتوقف عند نقطة معينة وأن يستمر من أجل الوصول إلى نتائج مرضية لشعبنا الفلسطيني ، وأنا من الناس المتفائلين دائما في هذا الأمر وأعتقد بان السعي لحل الإشكالات متواصل ، والمدقق في تطورات الحوار سيجد بأن المجال له مازال مفتوحاً وواسعاً لحل المشاكل العالقة ، والمشاكل ما زالت بحاجة لمزيد من الجهد وقليل من الصبر والتجرد من المصالح الشخصية والفئوية .

دعـــوة للحــوار .

وأشار الأستاذ أكرم : إلى أنه لا بديل عن الحوار، وهو المخرج الأساسي لما نحن فيه ، ولكن قد يتطلب في بعض الأحيان تدخل من بعض الأطراف الخارجية إذا وصلنا إلى طريق مسدود لتقريب وجهات النظر لحل الإشكالات وتخفيف الاحتقان وإبعاد المتحاورين عن الأجواء المتوترة وحصر القضية في نقاط محددة للخروج بنتائج ايجابية لكن مع ذلك فانه من العيب علينا اللجوء إلى الأطراف العالمية والدولية من اجل حل مشاكلنا ، مع تقديرنا واحترامنا للجهود التي تقوم بها تلك الإطراف مثل مصر وغيرها لكن علينا أن نخجل من أنفسنا و نجلس للحوار بكل صراحة وموضوعية بدون توتر وتجريح وبعيدا عن النظرة الضيقة للأمور.

فاتورة الاقتتال يدفعها الشعب

ويقول ماجد الأقرع الطالب في جامعة الأقصى إن ما يحدث من اقتتال و اشتباكات ومواجهات بين الإخوة هو جريمة ليس هناك مبررا واحد يبررها ، إلا يكفي ما تفعله حكومة العدو بأبناء شعبنا ؟ ، وقد شبه"الأقرع "قطبي هذا الصراع بالفيلين اللذان يسيران بتخبط فيقضيا على كل شيء صغير تحت أرجلهما من الأعشاب الصغيرة ، وشدد: لن يدفع أحد فاتورة هذا الصراع إلا أبناء الشعب الفلسطيني فقط .

ويضيف الأقرع : الوضع أصبح خطير جدا وصعب للغاية فقد وصلنا لمرحلة منحطة ومتدنية جدا بسبب التوتر الحاصل في الساحة الفلسطينية وهذا يدل على إفلاسنا ، أي عندما لا يكون هناك وحدة وطنية فان هذا يكون إفلاس في الطبقة السياسية الحاكمة.

وصلنا إلى مأساة ومعاناة حقيقية

السيد حسن الزهار يقول : " الأمر خطير جدا فأنا أراقبه عن كثب ، ما وصلنا إليه مأساة ومعاناة بكل معنى الكلمة والتوتر السياسي الذي نعاني منه يقودنا إلى ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه خلال فترة احتلالها لنا ، ويضيف " إلي أن كثيرين من الشباب يُجْزِمون في الهجرة في الوقت الحالي ، ليس بسبب الحصار الإسرائيلي الذي أصبحنا نتكيف معه ولا بسبب الضغوط الاقتصادية التي تكيفنا معها تقريبا أيضا بشكل أو بأخر، ولكن يفكرون في الهجرة لسبب قلة الأمن والأمان الذي يتعرضون له من إخوانهم وأبناء شعبهم.

وأنا أتخوف من أن نسير على النموذج العراقي الحاصل في العراق ولا أستبعد ان يكون تنظيم القاعدة يعمل في الأراضي الفلسطينية ، وفي ظل هذا الوضع يجب ان نتذكر مقولة "محمود درويش" القائلة : " بأن أمريكا تقف وراء الباب " . أي أن وراء كل ما يجري في فلسطين أيادي أمريكية بحتة فهم يتدخلون في كل كبيرة وصغيرة أي أنهم يريدون السيطرة على حكومة حماس .

ونحن كمواطنين أين موقعنا من الإعراب في هذه المعادلة ؟ هذا هو السؤال الذي أتمنى أن أجد له جواباً ذات يوم .

التعليقات