البطالة ... كابوس يطارد خريجي الجامعات ويعكر صفو أحلامهم

غزة - دنيا الوطن - ساهر الأقرع

يذخر المجتمع الفلسطيني بالآلاف من حملة الشهادات العلمية العليا الذين تقذف بهم الجامعات سنويا في بحر البطالة التي تغص به الساحة الفلسطينية في ظروف اقتصادية وأمنية رديئة جداً، ولقد أثبتت آخر الإحصائيات أن نسبة المتعلمين في المجتمع الفلسطيني بلغت 80% مقارنة مع غيرها من المجتمعات العربية.

ولكن ظروف الحصار الظالم والأحداث المؤسفة الأخيرة وسياسة العقاب الجماعي التي يفرضها الاحتلال على أبناء الشعب الفلسطيني تدفع شريحة واسعة من هؤلاء المتعلمين إلى الهجرة خارج الوطن في وقت يكون فيه الوطن أحوج ما يكون إلى كفاءاتهم للنهوض بالمجتمع، فيما يضطر آخرون للاصطفاف في طابور الآلاف المؤلفة من أبناء الوطن العاطلين عن العمل، ولا يجدون من ينتصر لحقوقهم مساواة بحقوق الموظفين الذين قامت الدنيا ولم تقعد بسبب تأخر رواتبهم ..!!

رغبة جامحة في الهجرة ..

قد أصبح من اللافت للنظر، في سنوات انتفاضة الأقصى المباركة الأخيرة تداول فكرة الرغبة في الهجرة بين شرائح متعددة من المجتمع الفلسطيني وبخاصة من حملة الشهادات العلمية وأصحاب الكفاءات الذين يحتاجهم الوطن في عملية بنائه والنهوض به، وذلك نتيجة انهيار الأوضاع الاقتصادية بفعل الحصار الدولي الظالم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.

من جانبه فإن وكيل وزارة الخارجية حذر من خلال برنامج "صناع القرار" مما أشارت إليه بعض الاستطلاعات والدراسات التي تحدثت عن تنامي أعداد الراغبين في الهجرة من فلسطين حيث قال: "خلال الأشهر الستة الماضية وحتى أكتوبر قبلت السفارات والقنصليات الأجنبية 10 الآلف طلب هجرة، وهنالك 45 ألف طلب للهجرة قيد البحث في القنصليات ومكاتب التمثيل"، حيث أن هناك جزءاً من الكادر المتميز الذي ضاقت به سبل العمل في القطاع الخاص وفي ظل الحصار الذي يتعرض له القطاع الحكومي، والذي لا يستطيع أن يدفع الحد الأدنى من الرواتب المطلوبة خاصة للشهادات العلمية وبالتالي أصبح هؤلاء يبحثون عن البديل المتمثل بالهجرة. ولقد أوضحت إحدى الدراسات في شهر أيلول الماضي 2006 أن نسبة من يفكرون بالهجرة قد ارتفعت إلى 44%

فقد أبدى الشاب "مجدي ابو دغيم" ان شقيقه "رامي" والذي تخرج منذ عدة سنوات من احدى جامعات قطاع غزة تخصص "ادارة اعمال" لم يجد فرصة عمل تتوافق مع طموحه ودراسته التي افنى فيها عدة سنوات من عمره، ما اضطره الى البحث الجدي عن فرصة للهجرة من الوطن وهو ما تحقق له بالفعل حيث يعمل الآن في دولة "المجر". مشيرا الى ان شقيقه وحتى يتمكن من الخروج من الوطن الى التوقيع على ورقة تحرمه من العودة اليه لعدة سنوات

وناشد "مجدي" كافة الجهات المعنية بفئة الخريجين العمل على ضرورة توفير شواغر وظيفية لهم، حتى لا تتسع ظاهرة الهجرة من الوطن وهو ما تسعى وتخطط له دولة الاحتلال منذ عقود.

من جانبه قال رئيس مجلس إدارة رابطة الخريجين الجامعيين في غزة سالم أبو صلاح، إن السنوات الخمس الماضية ضاعفت أعداد الخريجين العاطلين عن العمل في القطاع وحده إلى نحو 20 ألف خريج وخريجة، من بينهم نحو 100 خريج من حملة ألقاب درجات علمية عليا.

وأضاف "بحكم احتكاكي بالخريجين العاطلين عن العمل، لمست أن هناك رغبة جامحة لدى قطاعات واسعة من الخريجين بالهجرة للبحث عن عمل إن توفر لهم ذلك"!

لقمة العيش

لعله من البديهي ان يبحث كل فرد من المجتمع عن أي مصدر يستطيع من خلاله أن يوفر لقمة عيشه أو توفير أسباب الحياة الكريمة دون اللجوء إلى الهجرة من إجل هذا الغرض، إلا أن غالبية الفلسطينيين لم يعمدوا إلى الهجرة في السنوات السابقة لأن فكرة الهجرة في عقلية الفلسطيني مرتبطة بالنكبة والهزيمة وترك الديار.وفي هذا السياق فان البعض قد يضطر للعمل لعدة سنوات في مهنة خارج نطاق تخصصه الجامعي ، كأن يعمل في أعمال البناء وغيرها إن توفرت له. فها هو المواطن ماجد أحمد من مدينة رفح أنهى دراسته الجامعية في العام 1987، حيث كان عمره آنذاك 22 عاما، ومنذ ذلك اليوم وجد غالب نفسه أسيراً لمشكلة البطالة كغيره من آلاف الخريجين العاطلين عن العمل ولم يستطيع الحصول على وظيفة في نطاق تخصصه الجامعي، ما اضطره للعمل في أعمال البناء في المدينة وفي الزراعة أحيانا أخرى من اجل توفير لقمة العيش له ولعائلته.

وفي وضع مشابه لوضع المواطن ماجد، المواطن رامي صالح، 29 عاما من مدينة دير البلح، وهو يحمل شهادة البكالوريوس في الرياضيات من إحدى جامعات جمهورية مصر العربية ، وبحسب إفادته فانه تخرج قبل نحو 5 سنوات ولم يتسنى له الحصول على فرصة عمل ما دفعه للبحث عن عمل آخر ، وهو الآن يعمل في أعمال البناء في محافظة الوسطي .

وأخيرا لا بد التأكيد على ان ظاهرة البطالة هي نتاج طبيعي للوضع الاقتصادي المنهار في الأراضي الفلسطينية نتيجة سياسات الاحتلال الصهيوني والذي أحدث فجوة كبيرة بين فرص العمل التي تكاد تكون نادرة وبين الأعداد الهائلة من الخريجين الشباب ما أدى إلى اختلال موازين العرض والطلب على الأيدي العاملة في السوق الفلسطينية ناهيك عن الحصار الظالم المفروض علي الشعب الفلسطيني .

وبالرغم من تلك الحقيقة، فلا بد للجهات المعنية ضرورة وضع سياسات وبرامج يكون بمقدورها الخروج من تلك الازمة التي تنذر بهجرة العقول الفلسطينية.

التعليقات