الاعتداء على الحريات في غزة: التيارات التكفيرية تتربص بالمجتمع الفلسطيني

الاعتداء على الحريات في غزة: التيارات التكفيرية تتربص بالمجتمع الفلسطيني

تقرير خاص بمركز الإعلام الفلسطيني:

مقدمة:

الإعلان عن اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية أثار جواً من التفاؤل الحذر لدى المتابعين، كما هو الحال لدى الأغلبية من أبناء الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، إذ اعتبره المواطنون نهاية لحالة الاقتتال الدموي المدمر، وربما بداية للتصدي لظاهرة الفوضى والفلتان الأمني، وفرض سيادة القانون، وتفعيل دور المؤسسة الأمنية في حماية المواطنين وممتلكاتهم والحريات العامة.

ومنذ ذلك الحين، وعلى رغم توقف الحرب الثنائية المعلنة بين فتح وحماس، فإن جرائم القتل والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم واستهداف المؤسسات الأهلية والتعليمية والثقافية والخاصة، باتت حالة يومية، وأغلبها تطغى عليه الجريمة المنظمة التي تقودها عصابات منفلتة، أو مجموعات ذات طابع أصولي من تفريخات إسلاموية.

فقد بدأت في الآونة الأخيرة تبرز في قطاع غزة ظاهرة الاعتداء على الحريات؛ من تفجيرٍ لمقاهي الإنترنت ومحلات بيع الأشرطة الغنائية والجوالات، وصالونات الحلاقة، وبعض المراكز والمؤسسات الثقافية والتعليمية... إلخ، وذلك من قبل مجموعات تكفيرية، بذريعة أن هذه المحلات والأماكن "أوكار شيطانية"، أو غيرها من الذرائع التي تصب في محاربة التنوير والتقدم، لصالح نشر ثقافة ظلامية غريبة عن المجتمع الفلسطيني المتحضر.

ويمكن تلخيص طبيعة هذه الجرائم كالتالي:

أولاً: استهداف المؤسسات التعليمية والثقافية والبرامج التربوية المنفتحة



* ومن أبرز الاعتداءات في هذا الاتجاه:

أ‌) تفجير المدرسة الأميركية، وإبلاغ الجناة حراس المدرسة رسائل تحمل طابعاً أصولياً (سيف الحق- جيش الإسلام – قاعدة التوحيد و الجهاد...) إلا أن معلومات أولية تشير إلى مسؤولية مجموعة تعمل في إطار القسام، وهي تحمل نفس بصمات تفجير منتجع الواحة المملوك لصندوق الاستثمار، والذي يقع في نفس المكان تقريباً.

ب) الأخطر كان الهجوم بالقنابل من مجموعة سلفية في مدينة رفح على حفل للأطفال في مدرسة تابعة لوكالة الغوث الدولية، ما أدى إلى مقتل مرافق أحد أعضاء المجلس التشريعي وإصابة عدد من الأطفال ومدير المدرسة، وما تبع ذلك من تهديد مباشر لبرنامج المخيمات الصيفية الذي تنظمه وكالة الغوث الدولية (الأونروا)، والذي تبلغ كلفته الإجمالية خمسة ملايين دولار لهذا العام.

ج) حملة تفجيرات محلات ومقاهي الانترنت.

د) تفجير وإحراق مركز التراث والفنون في جمعية بيت لاهيا قبل حوالي شهر.

هـ) تفجير مكتبة الكنيسة المعمدانية، ومحاولة إثارة جو طائفي.

و) اعتداء على مراكز نسوية (جمعية العطاء في بيت حانون مثلاً)، وجرائم قتل النساء تحت دعاوى مختلفة، أبرزها متعلقة بالشرف!

ثانياً: الجرائم المنظمة والسطو المسلح

يكاد لا يمر يوم واحد دون أن تقع عملية سطو مسلح، يذهب أحياناً ضحيتها من يحاول الدفاع عن نفسه، والظاهرة الأخطر تتمثل في عمليات السطو المسلح لسرقة السيارات، وعلى نطاق واسع.

وهذا يتم من مجرمين، وكذلك من بعض العناصر التي تَدّعي المقاومة، كما تتم عمليات تهديد لرجال أعمال وابتزازهم لدفع أموال. وعلى رغم إبلاغ الشرطة بهذه الجرائم، فإنه لا تتم متابعة أيٍّ من هذه القضايا، بل الأدهى أن سيارة النائب العام نفسه تمت سرقتها بالطريقة ذاتها، واللافت للانتباه أنه في حال سرقة سيارة تابعة لقوى متنفذة تتم استعادتها فوراً، فما إذا كان الأمر متعلقاً بمواطن أو رجل أعمال فالأمر مختلف تماماً.

ونحاول في هذا التقرير التركيز على ظاهرة تفجير مقاهي الإنترنت، ومحلات الجوالات وصالونات الحلاقة، والمراكز الثقافية، والمؤسسات التعليمية، والاعتداء على الحريات العامة، وبروز التيارات التكفيرية التي تشكل خطراً يتهدد المجتمع الفلسطيني، والقضية الوطنية في أدق مراحلها.

تفجير مقاهي الإنترنت: البداية من خانيونس.. و"سيوف الحق" تتهدد "الأوكار الشيطانية"!

تذكر تقارير أمنية وحقوقية فلسطينية أن مدينة خان يونس شهدت أول عملية تدمير لمقاهي إنترنت في السادس عشر من تشرين الثاني في العام الماضي (2006).

وما يثير المخاوف والتساؤلات عن الدوافع الحقيقية لمن يقف وراء تلك الظاهرة أنه بعد كل عملية تفجير لمقهى إنترنت أو صالون حلاقة أو محل بيع أشرطة يظهر بيان موقع باسم جماعة "سيوف الحق الإسلامية"، يتبنى الهجوم على هذه المحلات والمراكز، واصفاً إياها بـ "الأوكار الشيطانية".

ومما يزيد الأمور خطورة أن موقع (المركز الفلسطيني للإعلام)، التابع لحركة حماس، نشر تقريراً بعنوان: "الإضرابات.. ثقافة الفشل الحضاري" لكاتب يدعى أمين راشد، يحرّض على ثقافة الإنترنت التي وصفها بـ "ثقافة الإنترنت السلبية"، وكذلك "ثقافة "الترف والرحلات الترفيهية"، مستنكراً على الشعب الفلسطيني "الذي أنبت المقاومة والصمود في الانتفاضتين الأولى والثانية" أن يرضى بـ "رمي" أبنائه بين أحضان "ثقافة الحضيض".

وأشار مركز الميزان الحقوقي في قطاع غزة إلى تصاعد استهداف مقاهي الإنترنت ومحال بيع أشرطة الفيديو و"الكاسيت"، ومحلات الألعاب الإلكترونية، معتبراً أنه بذلك "لم يعد استهداف المؤسسات والمحال التجارية بهدف الثأر والانتقام، بل تحول إلى عمل منظم يهدف إلى تهديد المجتمع وتخويفه وترهيبه".

وعبَّر عدد من أصحاب المحال المستهدفة عن استغرابهم واستنكارهم الشديدين لاستهداف محالهم، متسائلين من الذي سيعوضهم عن خسائرهم.

وأشار بعضهم إلى أنه في الآونة الأخيرة، بدأت تُسمَع "فتاوى" عن أن مقاهي الإنترنت تعمل على نشر ثقافة غير أخلاقية، متسائلين: لماذا لم يأتِ أحد من هؤلاء إلى محالنا ليرى ماذا يُعرض فيها قبل القيام بتدميرها؟!

وقال صاحب مقهى إنترنت تمّ تفجيره: إن رواد المحل من طلبة المدارس، يأتون للتغلب ببرامج الترفيه على وضعهم النفسي الصعب بسبب الأوضاع المعيشية واليومية، متسائلاً: لماذا لا تبحث هذه الجهات الظلامية عن أماكن لترفيه الأطفال بدلاً من تدمير المحلات التي يقضون فيها أوقاتاً تريحهم نفسياً؟

صاحب مقهى إنترنت آخر في غزة لحقت به خسائر فادحة بسبب تفجير عبوة ناسفة عن بعد أمام باب محله، يؤكد أن معظم رواد محله من طلاب الجامعات الذين يأتون للبحث عن دراسات وأبحاث عبر الإنترنت، تساعدهم في دراستهم.

ويقول: نادراً ما تأتي الفتيات من طالبات الجامعات إلى المحل، مشيراً إلى وجود حواجز تفصل بين الشباب والفتيات ولا يسمح بالاختلاط داخل المحل بالمطلق، إلا للعائلات التي تأتي لمحادثة أبنائها وأقاربها عبر الإنترنت، وذلك حتى لا تكون حجة أمام أحد لتشويه صورة المحل، ومع كل ذلك لم يسلم من التفجير.


أبرز التفجيرات في محلات الإنترنت والجوالات والأماكن العامة (1-4/2007)

وزعت قيادة الأمن الوطني في غزة- العمليات المركزية- دائرة التحليل والمتابعة، بياناً إحصائياً للتفجيرات التي استهدفت محلات الإنترنت والجوالات والأماكن العامة في القطاع، وذلك من مطلع العام الحالي وحتى شهر نيسان، ومن أبرز هذه الاعتداءات:

• 17/1: تفجير عبوة في محل لبيع الجوالات في شارع الثلاثيني تعود ملكيته للمواطن يحيى أبو محسن، ما ألحق أضراراً مادية بالمحل.

• 23/1: قام مجهولون ملثمون بتفجير عبوتين داخل مبنى منتجع الواحة السياحي، وقاموا بخطف ثلاثة حراس، وتقييدهم والإلقاء بهم قرب شركة "هيونداي".

• 30/1: تفجير محل للأجهزة الصوتية في منطقة الشبورة برفح، تعود ملكيته للمواطن سهيل الكرد.

• 6/2: تفجير مقهى إنترنت في منطقة المغازي يعود لمواطن من عائلة البوبلي.

• 5/3: تفجير عبوة ناسفة استهدفت أمام محل لبيع أشرطة "الكاسيت" للمواطن محمد الشاعر، في وسط خانيونس.

• 8/3: تفجير عبوة ناسفة أمام محل ألعاب ترفيهية وصرافة في سوق الفالوجا بجباليا، تعود ملكيته للمواطن سامي خليل بركات.

• 16/3: حرق محل هدايا، لعائلة الناعوق في دير البلح.

• 25/3: قام عناصر من حركة حماس بتفجير باب نادي بيت حانون الرياضي.

• 2/4: تفجير مقهى إنترنت للمواطن عدنان عدوان، في منطقة كندا برفح.

• 4/4: قام عناصر من حماس بتفجير مقهى إنترنت تعود ملكيته للمواطن رياض قداس في جباليا البلد.

• 13/4: تفجير محل للصوتيات والأسطوانات للمواطن منير الكردي، في حي الشبورة.

• 18/4: تفجير عبوة ناسفة على مدخل صالون حلاقة، للمواطن إبراهيم الحمادين.

• 27/4: قام مجهولون بالاعتداء الضرب على المواطن رضوان اللولو، صاحب محل جوالات في البريج، وقاموا بتخريب المحل وتكسير الأجهزة.

• 27/4: عملية سطو مسلح على أستوديو "معالي" في شارع عمر المختار.



* وفي إحصائية لمركز الميزان الحقوقي من مطلع العام الحالي وحتى الثالث والعشرين من شهر نيسان، فقد تم تدمير 19 محلاً خاصاً، و6 مقاهي إنترنت، و8 مؤسسات أهلية، و19 مؤسسة حكومية، ومركز تموين لوكالة الغوث.

تفجير المدرسة الأميركية.. الاستهداف الأول للمؤسسات التعليمية!

أفاق أهالي قطاع غزة في الواحد والعشرين من نيسان الماضي على جريمة تُعد الأولى من نوعها، إذ تمَّ تفجير المدرسة الأميركية الواقعة في بيت لاهيا، والسطو على موجوداتها، وهي من أهم المدارس الخاصة في القطاع، ما أدى إلى نشوب حريق كبير، وإلحاق أضرار مادية جسيمة في الأثاث والأجهزة والمباني، وتدمير كلي لغرفة المدير والكافتريا.

وقد افتُتحت في العام 1999 قبالة بلدة بيت لاهيا على شاطئ البحر، ويتلقى فيها آلاف الطلبة الفلسطينيين تعليمهم.

واللافت أن الجناة أبلغوا حراس المدرسة رسائل تحمل طابعاً أصولياً (سيف الحق- جيش الإسلام – قاعدة التوحيد والجهاد...)، إلا أن معلومات أولية- حسب أكثر من مصدر مطلع في القطاع- تشير إلى مسؤولية مجموعة تعمل في إطار كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وهي تحمل نفس بصمات تفجير منتجع الواحة المملوك لصندوق الاستثمار الذي يقع في المكان نفسه تقريباً.


.. حتى الطفولة أصبحت ملاحقة!

الهجوم على المهرجان المدرسي الرياضي برفح.. والتهديد بتدمير المخيمات الصيفية للأطفال

والأخطر كان الهجوم بالقنابل من مجموعة تسمي نفسها بـ "السلفية" على مهرجان رياضي للأطفال أقامته وكالة الغوث الدولية لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في مدرسة العامرية للاجئين في حي تل السلطان غرب رفح في السادس من شهر أيار الحالي، قتل فيه مرافق أحد نواب المجلس التشريعي، وأصيب ثمانية مواطنين بجروح متفاوتة بينهم طفلان، وذلك بدعوى ترويج المدرسة للاختلاط، فيما وصفت "الجماعة السلفية" مدير عمليات الوكالة جون جينغ، الذي حضر الاحتفال، بالكفر، وبترويج الأفكار الأميركية الغربية!!

وكانت هذه الجماعة المتطرفة أصدرت بياناً هددت فيه بتخريب المهرجان الذي تقيمه (الأونروا)، محذرة من التعليم المختلط ومن تعليم الصبية والفتيات الموسيقى والرقص. وجاء في البيان: الذين يشرفون على تلك المهرجانات لا يعتمدون إلا على قناعات شخصية وثقافات غربية بعيدة كل البعد عن الأحكام الشرعية. وذكر البيان مدير عمليات الوكالة جون جينغ بالاسم، وانتقد مسؤولي المدرسة لأنهم "سمحوا بمشاركة مسيحي في أنشطة غير أخلاقية تغضب الله!".

وكشف مصدر مطلع في رفح أن الشرطة الفلسطينية حصلت على بقايا القنابل التي استخدمت في الهجوم على الأطفال والمواطنين خلال الاحتفال، مؤكداً أن هذه القنابل من صناعة تنظيم سياسي في الساحة الفلسطينية.

واستكمالاً لهذا المسلسل الدامي والخطير، كشفت مصادر فلسطينية مطلعة أن جماعة "السلفية" هددت بتدمير وتخريب المخيمات الصيفية، التي تقوم وكالة الغوث بتنفيذها خلال فترة الصيف، والتي ستبدأ في العطلة الصيفية لهذا العام، فيما وزعت هذه الجماعة بياناً حذرت فيه الأهالي من هذه المخيمات التي تضر بأطفالهم وتبعدهم عن المساجد.

وكشفت هذه المصادر أن هذه الجماعة تستغل المساجد للترويج لهذه الأفكار الظلامية، مشيرة إلى أن بعض الخطباء يمارسون الترويج لهذا الفكر، ويهددون باستهداف المخيمات الصيفية.

وقد أشرنا في هذا التقرير في الحديث عن التفجيرات التي تستهدف مقاهي الإنترنت، إلى نشر موقع (المركز الفلسطيني للإعلام)، التابع لحركة حماس، تقريراً بعنوان: "الإضرابات.. ثقافة الفشل الحضاري"، يحرّض على ثقافة الإنترنت التي وصفها بالسلبية، وكذلك "ثقافة الترف والرحلات الترفيهية"، أو "ثقافة الحضيض"- حسب وصف التقرير الخاص بموقع حماس.

من جانبها، نفت مصادر فلسطينية قائمة على تنظيم مشروع المخيمات الصيفية في قطاع غزة، كل الإدعاءات التي وجهت بترويج هذه المخيمات للاختلاط، وأنها مخطط أمريكي ومؤامرة على الفلسطينيين، أو أنها ضد الدين، مؤكدة أن هذا البرنامج الذي تشرف عليه وكالة الغوث يخدم 250 ألف طفل فلسطيني من سن 6 سنوات حتى سن 15 عاماً، وتبلغ تكلفته خمسة ملايين دولار، ويشتمل على نشاطات تعليمة وترفيهية منهجية ولا منهجية، بهدف كسر حدة الفقر والعنف والإحباط السائدة بين أطفال فلسطين، خاصة في قطاع غزة، خلال فترة الصيف، ومنعهم من التسرب إلى الشوارع خلال فترة الإجازة الصيفية.

وأكدت هذه المصادر أن هذا البرنامج، الذي تم وضعه بالتعاون من مؤسسات مجتمع مدني فلسطيني، يراعي تقاليد وثقافة الشعب الفلسطيني، ويحترم الشعائر الدينية، ولا يوجد به أي شكل من أشكال الاختلاط، حيث يتم جمع الأولاد الذكور في مخيمات منفصلة عن البنات، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن هذا المشروع سينفذ بالتعاون مع مؤسسات مجتمع مدني (شارك، والقطان، وكنعان).

التميمي: أعمال محرمة.. ولا يجوز لأحد تنصيب نفسه حجة على الإسلام والمسلمين

وحذر علماء دين من خطورة مثل هذه التفجيرات، والفتاوى والدعوات التكفيرية، فقد اعتبر الشيخ تيسير التميمي، قاضي القضاة، في حديث لمركز، أن مثل هذه التفجيرات محرمة ومنافية للإسلام.

وقال: لا يجوز لأحد مهما كان أن ينصب نفسه حجة على الإسلام والمسلمين، ولا يجوز لأحد أن يكفّر أحداً، فالإسلام دين التسامح والمحبة والاعتراف بالآخر.

وقال: إذا كان هناك منكراً وتحققنا من وجوده، فلا نلجأ إلى العنف لإزالته، فهناك مؤسسات سلطة هي من تقوم بهذه المهمة، إذا ثبت أن هناك منكراً وتحقق وجوده.

جهات ظلامية تقف وراء التفجيرات.. وفتاوى تكفيرية علنية حتى في خطب الجمعة!

تشير مصادر مطلعة ومواطنون في قطاع غزة إلى أن جهات ظلامية ومتطرفة تقف وراء التفجيرات التي تستهدف المؤسسات الثقافية والتراثية ومراكز الإنترنت والمدارس الخاصة في قطاع غزة.

ويعتبرون أن الهدف الذي تسعى هذه الجهات إلى تحقيقه هو ترهيب وتخويف المجتمع وإعادته إلى العصور الظلامية البائسة.

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين في حديث لمركز الإعلام تعليقاً على هذه الظاهرة: إن الأزمة العاصفة التي يعيشها الشعب الفلسطيني غذّت ظهور مجموعات تكفيرية، تنشط في قطاع غزة، في ظل انسداد الأفق السياسي، والأوضاع الاقتصادية الصعبة، وحالة الفلتان الأمني.

وأضاف شاهين: إن عدم وجود رقابة ومحاسبة من السلطة يؤدي إلى استمرار هذه الأعمال والدعوات والفتاوى التكفيرية، خاصة أن هذه الدعوات علنية، فهناك فتاوى علنية بمحاربة مقاهي الإنترنت وبعض المؤسسات والمراكز، كما أن هناك تكفيراً حتى في خطب الجمعة.

وحذر شاهين من أن هذه الظاهرة خطر جدي يتجاوز أنه حالة فلتان، إذ إن هناك اتجاهات متطرفة "طالبانية" الطابع بدأت تظهر تكْفُر بكل شيء، وتكَفِّر كل شيء، محذراً كذلك من أن هذه الجماعات لا ينحصر خطرها على الاتجاهات العلمانية، بل حتى على الاتجاهات الدينية الوسطية.

مراقبون: تنظيمات بأسماء وهمية ليست سوى أذرع لـ "حماس"

وحسب عدد من المراقبين المحليين، فإن هناك مؤشرات واضحة على أن تنظيمات تحمل أسماء وهمية، ليست سوى تفريخات أو أذرع لحركة "حماس"، هدفها إغلاق الأبواب أمام الشباب، ومنعهم من التعامل مع العالم وثقافة العصر، وحشرهم في إطار الثقافة الظلامية.

ومن اللافت ظاهرة اغتيال وتهديد ومضايقة عدد من رجال الدين الذين يدعون إلى الحوار، ورفض استخدام السلاح ضد الرأي الآخر.

واللافت أكثر من ذلك صمت "حماس" المطبق على هذه الأعمال في كثير من الأحيان، فيما تتواصل الحملات ضد كل ما هو تنويري وتحديثي!!



التحذير من خطورة السكوت عن هذه الظاهرة وإمكانية انتقالها إلى الضفة

أما الشاعر والكاتب غسان زقطان، فحذر في حديث لمركز الإعلام من خطورة السكوت عن هذه الظاهرة، وعن وجود مثل هذه التيارات التكفيرية، معتبراً أنها تلاقي شرعية من سكوت السلطة ومؤسساتها الرسمية، ومن المجتمع المحلي بكافة فئاته وشرائحه، الذي لا يحرك ساكناً إزاء تنامي هذه الظاهرة الخطيرة والمقلقة.

ودعا إلى عدم ترك غزة وحيدة، محذراً من أن وجود هذه الظاهرة في غزة إشارة إلى إمكانية انتقالها إلى الضفة.

واعتبر زقطان أن "حركة حماس شكلت سابقاً المرجعية الدينية والسياسية لمثل هذه الاتجاهات المتطرفة، إلا أنه بعد دخول حماس السلطة، بدأت هذه الاتجاهات تخرج عن هذه المرجعية، وتقترح مجتمعاً بديلاً".

وفي نهاية حديثه، حذر زقطان من أن "تنحدر غزة التي حلمنا بزوال كابوس الاحتلال والمستوطنات عن أرضها نحو كابوس الجهل والتخلف وغياب القانون".

القوى والفصائل الوطنية تستنكر وتدعو إلى تحرك جاد لاجتثاث هذه العصابات



واستنكرت حركة فتح هذه الظاهرة الخطيرة، وقالت: إن مثل هذه الأحداث المؤسفة، والتي تتلاحق منذ زمن بعيد، تؤسس لإمبراطورية جديدة حذرنا منها على مدار العام السابق، تقوم على أساس العنف والكراهية وانعدام الأمن والأمان والطمأنينة، بحيث يشعر المواطنون فيها بالقلق الدائم على حياتهم ومستقبل أبنائهم.

واستنكرت كتلة فتح البرلمانية بقوة "أعمال خفافيش الظلام، والتي تهدف إعادتنا إلى الوراء وتريد قتل الفرحة والابتسامة على وجوه أبنائنا"، مطالبة بملاحقة القتلة، ومن يقف خلفهم، ورفع الغطاء عنهم، وتقديمهم للقضاء، مشيرة إلى أن "هؤلاء السفاحين عمدوا منذ فترة إلى تفجير المحلات التجارية والمقاهي وقاعات الأفراح تحت مبررات وحجج واهية، ولا يستهدفون سوى التضييق على حياة الشعب الفلسطيني".

ودعت الجبهة الشعبية الجهات المختصة إلى تحمل مسؤوليتها اتجاه حالة الفوضى والفلتان الأمني، كما دعت جماهير الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والإسلامية وكافة مؤسساته إلى التصدي لهذه المجموعات "الظلامية"، التي تستهدف تدمير المجتمع الفلسطيني، وحرف نضاله عن وجهته الرئيسة ضد الاحتلال.

أما الجبهة الديمقراطية، فطالبت باتخاذ موقف سياسي وفعلي تجاه استمرار عمليات استهداف المؤسسات العامة والخاصة، وكذلك استمرار عمليات القتل والترويع، داعية المؤسسة الأمنية إلى سرعة التحرك للكشف عن من يقف وراء هذه الأعمال ومحاسبتهم، فيما دعت مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان إلى التحرك وبذل مزيد من الجهد للحد من تلك الظاهرة الخطرة.

من جهته، دعا حزب الشعب إلى "التحرك السياسي المدعوم بالقوة الشرعية لاجتثاث هذه العصابات من جذورها، وفي مثل هذا التحرك مصلحة عليا للنظام السياسي والاجتماعي الفلسطيني، ومن دون ذلك ستغرق غزة بقدها وقديدها في انهيار سياسي وأخلاقي واجتماعي شامل، سيلقي، إضافة إلى ما ألقاه، بتبعات خطيرة وحاسمة على الصراع التحرري الوطني، واحتياجاته للدعم والتفهم الدوليين".

أما الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)، فأدان في بيان له مهاجمة النوادي ومقاهي الإنترنت والمدارس والمكتبات، وقال: إن هذه الأمور بدأت تمس عمق النسيج المجتمعي الفلسطيني، ما يتطلب من الحكومة التحرك العاجل من أجل التصدي لكل مظاهر الفلتان الأمني والزعرنات.

مركز الميزان: جرائم منظمة.. واستمرار تقاعس السلطة يزيد تصاعدها

ولفت تقرير لمركز الميزان لحقوق الإنسان حول تصاعد ظاهرة الفلتان الأمني خلال الربع الأول من العام الجاري 2007، إلى أن هذه الجرائم لا تحظى بكثير من الاهتمام، حيث لا تتم متابعة التحقيقات في ملابساتها وصولاً إلى من يشتبه في تورطهم فيها.

وعبر التقرير عن مخاوف جدية من الاعتداءات التي تستهدف المراكز الثقافية ومقاهي الانترنت ومحلات بيع الأشرطة الغنائية، والتي أخذت شكلاً منظماً، ما يثير شكوكاً حول وقوف جهات منظمة خلف هذه الحوادث، بما في ذلك قتل النساء، مطالباً بحماية أمن المؤسسات العامة والأهلية، خصوصاً ذات الطابع الثقافي.

وحول دور السلطة في مواجهة الفلتان الأمني، أشار تقرير مركز الميزان إلى أنه لا يتجاوز التصريحات، في ظل انتشار أعمال السلب والسرقة والقتل وغيرها من أشكال الفلتان الأمني.

ولفت التقرير إلى لجوء مراكز الشرطة إلى تحويل بعض القضايا التي تصلها إلى الإدارة العامة لشؤون العشائر، على الرغم من أنها ليست جهة اختصاص، بل على العكس فإن تحويل القضايا لها يسهم في تعزيز دور المخاتير والوجهاء، ويساهم في مزيد من إضعاف الجهاز القضائي ودور النيابة العامة.

ويرى مركز الميزان في استمرار تقاعس السلطة عن القيام بواجبها في فرض الأمن والنظام عاملاً يساعد على مزيد من تصاعد حالة الفلتان الأمني، وتدهور حالة سيادة القانون.

صبح: القانون الأساس يكفل الحريات.. وعدم احترامه تقويض لدستورية السلطة والدولة

بدوره، عبّر الدكتور أحمد صبح، وكيل وزارة الخارجية، عن إدانة السلطة الشديدة للاعتداء على الحريات، واللجوء إلى أفكار تكفيرية ظلامية.

وقال في حديث خاص لمركز الإعلام الفلسطيني: إن الموقف الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية هو احترام القوانين والأعراف المجتمعية، وأفضل ما في هذا المجتمع هو أنه منفتح، ويدعم الحريات والإبداع، والقانون الأساس للسلطة يكفل الحريات العامة، وحرية الكلمة، والإبداع.

وأضاف: إن السلطة معنية باتخاذ كل الإجراءات لحفظ النظام، ومحاربة هذه الظاهرة، لأن مثل هذه الأعمال ستعرّض المجتمع الفلسطيني للخطر، ولأن عدم احترام القانون الأساس للسلطة تقويض لدستورية السلطة ولدستورية الدولة.

واعتبر أن هذه الأعمال تصب في تدمير المجتمع، إذ يصبح المجتمع منغلقاً على ذاته، وبالتالي ينتحر.

وعبّر صبح عن مخاوفه الكبيرة من أي أفكار تكفيرية وظلامية، تفرض بقوة التدمير والنار الخوف على المواطن الفلسطيني الذي امتاز بشجاعته، معتبراً أن "هذه الظاهرة لا تقل خطورة عن الاحتلال الخارجي، فهي احتلال أيضاً لأفكارنا ولذواتنا ولحرياتنا".

ودعا إلى محاربة هذه الظاهرة بمزيد من الحرية والتنوير، وتظافر كافة الجهود من السلطة والفصائل والمجتمع المدني والمواطنين لمحاربتها، وقال: إن استمرارها يمنع قيام دولة فلسطينية ديمقراطية نعتز بها.

وفي ختام حديثه، أكد صبح أن منظومة الفلتان الأمني بشكل عام تشكل الامتحان الحقيقي للسلطة.

الخلاصة:

* يتضح من هذه الجرائم أن هناك استهدافاً مركزاً ومنظماً لمؤسسات ومراكز ثقافية وتربوية منفتحة، واستهدافها يأتي في إطار احتمالين:

الاحتمال الأول: بدء مجموعات أو اتجاه من حركة حماس بالانقضاض على الوضع الداخلي، خصوصاً لجهة ترهيب المجتمع ومؤسساته العصرية باتجاه أسلمته وإخضاعه، والسيطرة عليه، وفي الوقت نفسه إيصال رسائل للخارج بأنه في حال الاستمرار بعدم التعامل مع حماس، فالبديل هو تنامي المجموعات التكفيرية. ويؤكد هذا الاحتمال عدم صدور أي موقف رسمي من رموز حماس في الحكومة.

الاحتمال الثاني: وجود تفريخات إسلاموية أصولية، مثل: سيوف الحق الإسلامية، ومجموعة السلفيين... إلخ، والتي بدأت تستثمر المناخات الأصولية والفوضى العارمة لتنفيذ برامجها الإرهابية والتكفيرية.

وفي كلا الاحتمالين فإن الوضع العام، وصمت الحكومة، يشكلان غطاءً لما يجري، فيما يتسم أداء الحكومة بفقدان أي نوع من تحمل المسؤولية عن أمن المواطنين، أو حماية التعددية والتنوع، بما يظهر مخاطر جدية على مستقبل قطاع غزة بشكل خاص، والمجتمع الفلسطيني بشكل عام، سيما في ظل حالة المحاصصة. والضحية الأساسية: المجتمع، والثقافة التقدمية التي باتت تتعرض لهجوم منظم دون أن يخرج أحد لمواجهة ما تتعرض له.

إن المطلوب، إضافةً إلى اتخاذ خطوات وإجراءات أمنية فورية، القيام بحملة شعبية سياسية واجتماعية للدفاع عن الديمقراطية والتعددية، وحماية الثقافة الوطنية التي شكلت عنوان الصمود في وجه الاحتلال، فيما يجري الآن قتلها من جهات تدعي الإسلام والمقاومة.

التعليقات