امرأة بريطانية تروي قصة إعدام زوجها العراقي

غزة-دنيا الوطن

تجري أحداث هذه القصة الرهيبة، التي ترويها صاحبتها بعد سنوات طويلة من الصمت المرير.

في العراق، هذا البلد الصغير، الذي طالما غضت الطرف عنه وسكتت وسائل الاعلام ومنظمات حقوق الانسان، بكافة اشكالها والوانها، في الماضي عما كان يجري فيه من انتهاكات رهيبة إلا قليلا. تركوا البلد مع ابنائه يتلوّون بسياط اشرس نظام همجي مخيف. ولو وصفناه بنظام دكتاتوري، كما تعودنا على وصف أنظمة أخرى في العالم وشخصيات مثل فرانكو باسبانيا وغيرها، مثلا، لكنا قد اعطيناه صفة انسانية. نلاحظ أن هؤلاء "الدكتاتوريين" عمّروا بلدانهم على الأقل. تركوها أبعد ما تكون عن الدمار والخراب، أوجدوا لها مكانا لائقا في العالم.

"ما قلت وداعا أبدا" هي قصة أمّ فقدت زوجها وابنها بالعراق، أثناء الحكم السابق، في ظروف مفزعة، دون أن يسمع أحد بمأساتها في العالم كله ما عدا الهمس بين أقرب المقربين إليها. لم تستطع البوح بصوت علني خوفاً ورعباً من أن يلحق أّذىُ بأفراد الاسرة تباعا، وهي العادة المتبعة للنظام في تلك الايام، حيث يقضي على العائلة كلها بقضها وقضيضها، متخلصا من وجع الرأس، تخلص من ينهي وجودهم، كلية، فلا تصدر دمعة شكوى أو أنة حزن صريحة بسبب معاناتهم. مؤلفة الكتاب الانكليزية Pauline Knowles-Samarraie بولين نوليس السامرّائي.

كانت متزوجة من شاب عراقي صادف أن تعرفت عليه سنة 1957 أثناء دراسته ببريطانيا في الهندسة الكيمياوية اسمه منعم السامرائي. جاء السامرائي مبعوثا من قبل حكومته الملكية، آنذاك، لتفوقه بالدراسة حسب تطبيقها لنظام البعثات السائر بسياستها التعليمية وقتها. تحاب الاثنان ثم تزوجا عام 1958 مرتحلة إلى موطنه بعد سنتين من رحيله قبلها مع طفلها الأول مازن، تاركة أمها الارملة وكانت وحيدتها، ليصبح العراق وطنها متخلية عن جنسيتها الانكليزية بعد قانون عدم السماح بالزواج من الاجنبيات الذي شرعه النظام الجمهوري، على حين غفلة، بعد مجيء حزب البعث للحكم. تسرد هذه المرأة ذكرياتها، متطرقة لمشهد سقوط النظام الملكي في التلفزيون البريطاني ورؤية العنف على الشاشة، بالابيض والاسود، بداية. بعد مجيئها للعراق راقبت انقلابا تلاه انقلاب ثم وراءه انقلاب. رأت دماء على جدران صالة ملطخة به، في بناية الاذاعة العراقية التي صارت تعمل فيها، وكان قد أعدم فيها رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم بمحاكمة خاطفة، قبل ايام. حكم العراق نظام جاء بانقلاب دون اعتراض أو احتجاج أو مساءلة من العالم كله. تولّى السلطة منذ سنة 1968 وحتى سقوطه في الحرب على يد قوى التحالف بقيادة اميركا سنة 2003.

بدأت حكايتها الدرامية تتعالى بفصول صبرها على تحمل عيشها مع عائلة زوجها ببغداد الكثيرة العدد في البيت، أولا، التي استكثرت عليه أن يتزوج بمحض إرادته من دون أن تتدخل والدته، كعادتها، في اختيار الزوجات لابنائها الذكور الأربع ناهيك عمّا يحصل بالطبع، حين تتزوج بناتها الخمس الموجودات في بيتها ومنهن من كانت متزوجة وتعيش معها لسبب ما. أحبّ ولدها البكر مازن، ومسقط رأسه بريطانيا، بعد العودة إلى العراق، عيشه معها فيه، وسط عائلة كبيرة مملوءة بالاطفال، أحدهم كان عمه في نفس الوقت. الفرق بينهما ثلاث سنوات حسب. وسرعان ما انسجمت المرأة الانكليزية مع الحياة البغدادية. تعلقت بصديقات هن جارات وزوجات أصدقاء زوجها بوظائفه المتعددة تبعا لكفاءته كخريج في الهندسة الكيمياوية من جامعة برمنغهام البريطانية.

عمل في مصفى النفط بالدورة قرب بغداد، ثم انتقل إلى مصفاة خانقين شمال العراق ثم مساعدا للحكومة على تأميم النفط العراقي حيث قام بواجبه باخلاص واجتهاد. كان كل همه أن يعيش العراقيون مرفهين بعد تأميم خيرات بلدهم النفطية.

تتعرف السيدة يوما على صدام حسين في بيتهم حين جاء لتقديم التعازي بعد وفاة أحد أخوة زوجها. عرفته واحدا ساهم، بداية، في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم بشارع الرشيد مع مجموعة من البعثيين، وبعدها اعتلى السلطة، تدريجيا، بعد الانقلاب.

لاشك إن صدام عرف كيف يستخدم زوجها منعم السامرائي لمآربه لدرجة أنه جعله وكيلا لوزير النفط عند مجيئه للحكم ليساعده في عملية تأميم النفط آنذاك. أعطي لهم بيت حديث بحي المهندسين وسيارة مع سائق بالانتظار بالباب، لكنهم عاشوا بترقب قلب خائف وقلق دائم، سيما أنهم أدركوا أن هذا الحاكم لا يؤتمن شره، لا يعرف أحد متى يقلب ظهر المجن على الآخرين على مقولة بعض من يعرفه شخصيا (لا صاحب عنده) ما عدا من كان مطيعا وعبدا له. كل العراقيين عرفوا كيف افتتح نظام حكمه بقتل عشرات الرفاق من زملائه وأصحابه البعثيين بطريقة لا يمكن تصورها، حتى في سلوك أسوأ العصابات، أثناء جلوسهم في قاعة الاجتماعات لسماع خطابه، لكنه اكتفى بتدخين سيجاره الكوبي، بعجرفة، آمرا حمايته بالقاء القبض عليهم، بعد إعلان اسمائهم واحدا واحداً وهم جالسون، من أجل إعدامهم، اللحظة، بحجة أنهم متآمرون عليه. تحدثت عن قتل وزير الصحة بمجرد اقتراح طرحه على صدام أثناء الحرب العراقية/ الايرانية، وسلم، بعدئذ لزوجته مقطعا إربا إربا. بهذا الجو المرعب عاشت بولين وزوجها متجنبين الكلام حتى في بيتهما، خوفا من الآت التصنت عليهما لدرجة أن ابنتهما ندى، التي ولدت بالعراق، أخبرتهم، بعد عدة سنوات، إنها قد طلب منها في المدرسة أن تتجسس على والديها، لكنها رفضتْ.

سجلت بولين بكتابها الدقيق من التفاصيل، المشبعة بالحنان على الضعفاء من البشر بالعراق، ولا عجب في ذلك، فهي بالأساس ممرضة متمرنة ببريطانيا. لقد امتلأ الكتاب بالقصص المعبرة عن آلام الشعب العراقي. ومن هذه القصص ما كان يطلق عليه، في بداية السبعينات، بـظاهرة " أبو طبر". هذا الاسم الغريب المخيف الذي وجد لإرعاب السكان ببغداد، فكان يسطو على البيوت ويقتل من يشاء، ليلا، بالفأس. وأشيع بين السكان أن الحكومة عاجزة عن إلقاء القبض عليه أو على عصابته لجرأتها، التي تتحدث عنها بولين بكتابها متوصلة إلى نتيجة كون العصابة رجال أمن في كل محلة من محلات بغداد يعرفون السكان في بيوتهم فردا فردا جيدا، وقد ظهروا على شاشة التلفزيون سنة 1975، بعد أن انتهت مهمتهم المنيطة بهم سرا، فوصفوا كمجرمين عاديين عثرت عليهم الحكومة في النهاية وانقطع دابرهم بفضلها.

لا ينتهي الكتاب التوثيقي إلا ويصل إلى المصير المأساوي لزوجها، إذ أعدمه صدام عندما كانت هي وابنتها ندى في زيارة لبريطانيا. كان زوجها قد شعر بالخطر عليهما بالعراق فأراد أبعادهما عنه عن طريق السفر، لكنه لم يستطع المحافظة على نفسه. ولربما، في رأيها، كانت جريمته أنه تحدث أمام أحدهم بصوت عال منتقدا ممارسات سيئة. فذهب دون أن تقول له وداعا. قال لها بعد ذلك صديقه سالم الموجود ببريطانيا انه عُرض بالتلفزيون مرتديا البيجاما. وذكر، أثناء استعراضه على الشاشة، انه خدم بلده، مضحيا بكل شيء من أجل أن يجعل العراق في وضع أفضل. عرفت أن شقيق سالم وآخرين أعدموا معه أيضا، من دون محاكمة، يوم 19 آب سنة 1986. أخبرها أن جثمانه دفن في موقع للعائلة بمقبرة بمدينة سامراء. بقيت في الخارج خائفة على ابنها، تتحين، لمدة سبع سنوات، من أجل إخراج ولدهما مازن ذي الثلاثة والعشرين عاما. النتيجة كانت فاشلة.

الكتاب المعنون بـ (ما قلت وداعا أبدا) ينهي تراجيديا محزنة للابن أيضا، حين تنتظر دون جدوى حضوره إليها، لكن الولد صامت لا يرد عليها، كما لا أحد من أهله الكثيري العدد يرد على مكالماتها الهاتفية بسبب الخوف من الانصات على التليفونات. طيلة انتظارها في هذه السنوات السبع تتفق مع أصدقاء فلسطينيين لهم في الخارج كي يبدأوا مشروعا تجاريا وذلك بتأسيس محطة لبيع البترول في فلوريدا. ينمو المشروع وينجح اقتصاديا، وكلها أمل ورغبة بأن تعمل من أجل توفير عمل لمازن حين يخرج من العراق اخيرا. في عام 1995، وبعد مرارة الانتظار، يتعاطف معها أصحابها الفلسطينيون الشركاء معها في العمل، ويتفقون، من أجل مساعدتها، كي يذهبوا جميعا للاردن ومن هناك للعراق بحجة زيارة احد أقربائهم الطالب في جامعة بغداد. تصف الليلة التي قضتها معهم بعمان وكيف قدم لها أقاربهم اطيب أنواع الطعام، وأجمل الضيافة، لكنها لم تستطع أن تتطعم الأكل بسبب القلق والترقب لرؤية ابنها مازن غدا. النتيجة كانت مؤلمة جدا حين تصل بغداد بالسيارة. تهرول متلهفة لتدخل دار عائلة السامرائي القديمة، بمحلة الكرادة ببغداد، لكنها وجدت أحد أخوان زوجها وحده هناك، ليخبرها بجملة واحدة مقتضبة وهو في حالة انكسار: صدام شنق مازن.بهذا الجملة المدمّرة تعود للاردن فاقدة شهيتها للحياة كلها. ولحسن الحظ، وكما نعرف دائما، سنّة الحياة ليست سوادا وقهرا فقط. لا يعدم الانسان من لحظة فرح ومسرة كديدن الكون وطبيعته. لقد خُطبت ابنتها ندى لمحمد (صبوح) أحد شركائها الثلاثة الفلسطينيين بمشروع محطة البترول. تزوجت منه وأنجبتْ طفلاً. أول شيء فكرا فيه أن يطلقا عليه اسم مازن إحياء لذكرى خاله المغدور، الذي أعدم في سجن أبو غريب ودفن قربه. اعطي لعائلة السامرائي بعد محاولتهم معرفة مكان جثمانه، رقم مراجعة: 519. ونصحهم المسؤول أن يكفوا عن أي استفسار آخر.

التعليقات