تلاميذ غزة يبحثون عن معلم

تلاميذ غزة يبحثون عن معلم
غزة-دنيا الوطن

تركت أم حسام ما في يدها في المطبخ وسارعت إلى غرفة صغيرها حين سمعت بكاءه، وتوقعت للحظة أن يكون أحد إخوته قد تشاجر معه أو ضايقه في أثناء استرجاعه لدروسه، لكن عندما دنت منه لتسأله عن سبب دموعه فاجأها برده: "لا أستطيع حل مسائل الرياضيات ولا العلوم.. الأساتذة أخبرونا أن علينا فهم الدروس وحدنا لأنهم لن يقوموا بشرحها لنا وسيواصلون إضرابهم".

حال حسام الذي يدرس بالصف السادس الابتدائي بإحدى مداس قطاع غزة لا يختلف عن حال معظم تلاميذ غزة الذين باتوا حائرين بين إضراب معلميهم في المدارس وبين مواد تنتظر من يفك عقدتها، أما الأهالي فقلقون على مسار أبنائهم الدراسي الذي تعرقل بسبب هذا الإضراب.

وبنبرات حزينة تقول أم حسام مهنا لـ"إسلام أون لاين.نت": "ها هي نتائج ما يفعله الحصار الدولي بنا.. دروس أولادنا في انتظار أن يُفك هذا الظلم والتضييق عنا.. أنا لا ألوم المدرسين بقدر ما أنقم على من يعاقبنا".

وتساءلت بحنق: "أشعر بمعاناة المعلمين فمن نفس كأس المعاناة نشرب، ولكن يبقى السؤال: إلى متى؟؟ اختبارات نهاية العام على الأبواب فماذا سنفعل؟!!".

وبدأ المعلمون يلوحون بحلقة جديدة من الإضرابات بعدما أعلن وزير المالية الفلسطيني سلام فياض الأحد 24-4-2007 أن الأسبوع الأول من كل شهر سيشهد بشكل مؤقت ومنتظم، دفع نصف راتب لكل الفئات، موضحا أن هذه الآلية سيستمر العمل بها لحين توفر الأموال اللازمة للسداد الكامل للرواتب كل شهر.

مطلوب رواتب

وبصوتٍ حزين يقول حسام، وهو متفوق في دراسته: "كنا على وشك الانتهاء من المناهج وشرح الوحدات الأخيرة، لكن جاء إضراب المعلمين لينغص علينا.. أيام وستبدأ الامتحانات النهائية وكثير من الدروس تنتظر الشرح.. وإذا لم يتلق المعلمون رواتبهم فسيبقى الحال على ما هو عليه".

ومؤخرا شهدت العديد من المدارس إعلانا للإضراب وتعليق الدراسة. وباستثناء بعض الدفعات المالية الجزئية البسيطة لم يتلق أكثر من 160 ألف موظف في القطاع العام للسلطة الفلسطينية رواتبهم الشهرية كاملة منذ مارس 2006.

وبدأ مسلسل إضراب المعلمين منذ أن فرضت الدول الأوروبية حصارًا خانقًا على الفلسطينيين، بعد أن شكلت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الحكومة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية.

ونجحت الحكومة بعد أشهر من إضراب المعلمين في توفير جزء من رواتبهم عن طريق منحة مالية وفرتها إحدى الدول.

ماما.. أنت المدرس!

ووسط الدعوات المتلاحقة خلال الأسبوع الماضي لإضراب المعلمين، عاد عدي عبد الرحمن، الطالب بالصف الخامس الابتدائي لبيته وهو يُبشر والدته التي تتابع معه مراجعة وحفظ الدروس، بأنه في حال استمرار الإضراب فإن على الطلبة وحدهم فهم ما تبقى من صفحات لم تُشرح.

وبحركة بريئة ألقى عدي بالكتب نحو ذراعي والدته، وابتسم قائلاً: "منذ اليوم أنتِ المدرس وستقومين بالشرح ومتابعة ما تبقى من مواد".

وهو ما صدم والدته التي قالت لـ"إسلام أون لاين.نت": "المناهج مُعقدة.. أنا تعودت أن أتابع مع عدي الدروس أولاً بأول، وأن أقوم بدور المُرشد لا بدور المعلم.. لو استمر الوضع فسنلجأ إلى مدرس خصوصي أو إلى الكتب المساعدة".

ما مصيرهم؟

ويرى محمد عليان -والد لأربعة طلبة أعلنت مدارسهم الإضراب- أن للمعلمين الحق في المطالبة برواتبهم، لكن في ذات الوقت فإن الطلبة في أمس الحاجة لاستكمال دروسهم بدلا من تسربهم من التعليم.

وقال عليان متأففا ومستاء: "أن يعودوا (الطلبة) إلى البيت دون إكمال يومهم الدراسي فإن ذلك أمر يبعث على الأسى.. صحيح أن للمعلمين كامل الحق في المطالبة برواتبهم ومستحقاتهم، لكن نحن على أبواب نهاية العام".

وإذا كان بعض أولياء الأمور قادرين على شرح بعض الدروس لأبنائهم في محاولة لتقليل الفاقد في الدروس، فان البعض الآخر غير متعلم؛ وهو ما دفع أم الطالب سالم حرز للتساؤل: "ماذا سيكون مصير التلاميذ إذا كان الأهالي غير متعلمين".

وتقول عزيزة -الطالبة بالصف العاشر- إن المعلمات في مدرستها هدّدن بتصعيد خطواتهن وبعدم شرح أي مادة، قائلة: "الكل يُهدد ويتوعد وكأننا السبب في الحصار.. بالأمس جاءت إلينا مدرسة اللغة الإنجليزية وقالت لنا: اخرجوا تنسموا الهواء الطلق بساحة المدرسة أو افعلوا ما بدا لكم.. لا شرح بعد اليوم". وأضافت: "بتنا نسمع هذه الكلمات يوميا وعلى لسان أكثر من مدرس ومدرسة".

والتقطت زميلتها رانيا طرف الحـوار قائلة: "حالنا ما بين مدرسين يرفضون دخول الفصل وبين مواد صعبة تنتظر من يفك عقدتها".

النصف.. لا يكفي

وأعلنت نقابة الموظفين العموميين في تصريح صحفي أن الإضراب الذي غطى بعض القطاعات العامة قابل للتصعيد خلال الأيام القادمة ليشمل كافة المؤسسات والقطاعات، وعلى رأسها قطاع التعليم، في حال عدم الاستجابة لمطالب النقابة.

ودعت النقابة حكومة الوحدة إلى تحمل مسئوليتها تجاه مطالب الموظفين، وطالبتها باتخاذ مواقف أكثر إيجابية من شأنها حل الأزمة وفك الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وتحميل العالم مسئولية ما يجري.

ورفضت النقابة قرار وزير المالية بصرف نصف الراتب في الأسبوع الأول من كل شهر، قائلة: إنه لا يُلبي أدنى مطالب الموظفين في الحصول على حقوقهم.

وبعد اتفاق مكة المكرمة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مارس الماضي أمل المعلمون -مثل باقي القطاعات- في أن يتم رفع الحصار، ويتلقوا كامل مستحقاتهم، إلا أن بقاء الحصار على ما هو عليه دفع المعلمين إلى الإضراب مُجددًا.

ولرفع الحصار عن المساعدات الغربية للفلسطينيين تشترط اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) اعتراف أي حكومة فلسطينية بوجود إسرائيل.

التعليقات