غزة على خطي بغداد.. فقر وبطالة وأكوام قمامة وفلتان أمني والعلم الفلسطيني يرفرف بدون جمهور

غزة-دنيا الوطن

لا نحب السير في شوارعه، ولا حتي النظر الي جدرانه، أو الدخول في أسواقه، أو الذهاب الي بحره، هكذا يري العديد من الفلسطينيين قطاع غزة، ففي هذا القطاع الممتد من مدينة رفح جنوباً الي بلدة بيت حانون شمالا بطول يصل علي 45كيلو مترا وعرض في أوسع حالاته يصل الي 8 كيلومترات، ويضم أكثر من 1.4 مليون فلسطيني، توجد مفارقات كثيرة لو خصت إحداها مجتمعا لكفلت أن تدمر أهم ما في مقوماته، فهنا في القطاع يقول الناس ان الفقر يزداد والبطالة كذلك مثل أكوام القمامة الملقاة في مفترقات وأرصفة الشوارع الآخذة بالتزايد ومثل الفلتان الأمني الذي لا يكاد يترك زقاقا صغيرا من أزقة مخيمات القطاع إلا ودخلها، وكل هذا يتغير الي الزيادة لا النقصان، والفلسطينيون هنا لم يتغيروا علي الرغم من تغير الظروف المحيطة بهم كرحيل الاحتلال الإسرائيلي صيف عام 2005، وتغير حالة الاقتتال الداخلي التي شهدتها مناطق غزة لشهور والتي انتهت بحكومة الوحدة الفلسطينية التي تركت خلفها عددا من الخلافات التي لم يعلن عن حلها بعد.

الفقر والبطالة

وأنت تسير في شوارع غزة تري الفقر في كل مكان، وأهم الدلالات علي تفاقم فقر غزة اتساع دائرة التسول في أركانه، قديماً قالوا ان بعض الناس اتخذ التسول كمهنة، لكن هنا اختلف الحال، فالطفل أصبح يتسول والرجل كذلك والمرأة والكهل الكبير، بعضهم يتسول بمد اليد، وآخرون يجبرونك علي الشراء منهم من باب التسول المقنع خلف مهنة البيع، وفي بعض الشوارع يتركز بعض المتسولين علي مفترقات خاصة بهم يتنقلون منها بتغير عقارب الساعة، فصباحاً يكونون أمام بوابات البنوك، ومساءا يكونون أمام الحانات التجارية.

ويتجمع غالبيتهم في حي يطلق عليه حي الرمال يقال انه أجمل أحياء غزة وأرقاها وأكثرها غناءً وهو كذلك إذا ما قورن بباقي مناطق القطاع، ففيه المحال الفاخرة والعمارات الجميلة والملابس الأنيقة وتصطف في شوارعه السيارات الفارهة، لكن حالها جميعاً ليس كحال الأمس، فمحاله أصبحت تفتقر الي روادها الذين كانوا يأتون اليها لها من معظم مناطق القطاع، وشوارعها أصبحت قليلة نسبة المتجولين فيها ،كل هذا بسبب زيادة نسبة الفقر بين السكان، فقلة الرواتب التي انقطعت عن الوصول الي الموظفين بشكل ثابت منذ مارس من العام الماضي، وسياسة الإغلاق التي تفرضها إسرائيل علي المناطق الفلسطينية أوصلت الفلسطينيين هنا الي ما هم عليه.

الموظفون أصبحوا يشتكون ويصنفون أنفسهم في زمرة الفقراء وكان العمال من قبلهم، فالموظفون يقولون ان العديد من طلبات منازلهم غير متوفرة لقلة النقود، ويخشي عدد منهم أن يصل الي حد التسول، فمنهم من يجلس في منزل إيجار وآخرون يقولون ان الدفعات القليلة التي تصلهم من رواتبهم بشكل غير منتظم لا تكفي لسداد فواتير الكهرباء والماء، والعمال كذلك باتوا بلا عمل بعد أن تقطعت بهم السبل وأغلقت إسرائيل حدودها مع القطاع واستغنت عن نحو 120 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون في سوق عملها.

ووفقا للتقرير الصادر مؤخراً عن معهد دراسات التنمية فقد أكد أن العام المنصرم كان الأكثر سوءا في حياة الفلسطينيين في قطاع غزة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بسبب إجراءات الحصار والإغلاق.

وبين التقرير أن العام الماضي كان الأشد صرامةً وعنفاً في الإغلاق والحصار لسكان قطاع غزة، حيث فرض المجتمع الدولي حصاراً علي الحكومة التي تقودها حركة حماس، وبعد أن قامت إسرائيل بتجميد عائدات ضرائب القيمة المضافة حوالي 650 مليون دولار في العام 2006 حسب وزارة المالية، والتي تجمعها إسرائيل لصالح السلطة الوطنية حسب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وأشار التقرير الي أن سوق العمل استمر في التدهور، حيث ارتفعت نسبة البطالة من 30.9 في المئة عام 2005 الي 34.8 في المئة عام 2006، متوقعاً زيادة عدد العاطلين عن العمل ليصل الي حوالي 126 ألفاً عام 2007 وذلك في حالة ثبات نسب البطالة كما هي عليه في نهاية العام ذاته.

وفي دراسة أعدها جهاز الإحصاء المركزي أوضح فيها بان هناك ارتفاعا في نسب الفقر في ظل الأزمة الحالية مقارنة مع السنوات الماضية، حيث بقيت معدلات الفقر في قطاع غزة تفوق معدلات الفقر في الضفة الغربية، حيث بلغت نسبة الفقر في قطاع غزة بالنسبة للإنفاق 37.2 % و 65 % بالنسبة للدخل.

وتشير الإحصائيات أن أكثر من 38 % من أسر قطاع غزة تعيش حالة الفقر أن أسرتين فلسطينيتين من بين كل ثلاث أسر تعيش في فقر مدقع، أي أنها غير قادرة علي توفير المتطلبات الأساسية من الطعام والملبس والمسكن.

ويبلغ الفقر ذروته في جنوب ووسط قطاع غزة حيث يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، وتصل نسبة الفقر الي 51 % في جنوب قطاع غزة مقارنة بحوالي 31 % في شمال القطاع ومدينة غزة.

وتقدر الإحصائيات أن ما نسبته 80 % من سكان قطاع غزة يتلقون معونات اجتماعية إما من وكالة الغوث الدولية أو من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية. وتشير إحصائيات وكالة الغوث أنها اضطرت الي رفع كميات المساعدات المخصصة للاجئين الفلسطينيين في غزة لأول مرة منذ خمس سنوات، مبينة أن الأمر يتعلق بأكثر من 830 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون شخص أصبحوا يعتمدون في معيشتهم علي مساعدات وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.

وبينت أن قطاع غزة يتجه نحو الانفجار الاجتماعي بالنظر لانسداد آفاق الخروج من الأزمة السياسية والمالية.

الفلتان الأمني

كل مدنه وبلداته وقراه شهدته ورأته وتعايش بعضها معه قسراً، فلا يكاد زقاق من أزقة غزة إلا ويشهد حوادث فلتان قتل فيها شخص أو أصيب، سواء من قريب أو من غريب ، غير أن حوادث التفجير بالعبوات الناسفة التي انتشرت مؤخراً في القطاع واستهدف خلالها عدد من مقاهي الانترنت ومحال بيع الأشرطة الغنائية والهواتف النقالة وعربات للمواطنين بعضها تتبع لأصحاب مطاعم سياحية في غزة كانت هي آخر ما طرأ علي الحالة من مستجدات.

فلا يخلو يوم تمر ساعاته الـ 24 علي سكان القطاع إلا ويشهد بعضها أو أغلبها حوادث فلتان، ففي الجنوب من القطاع يوجد مركز للاقتتال العائلي بين القبائل، أحيانا يفض الاشتباك مؤقتاً بوقوع بعض الإصابات، وأحياناً كثيرة يقع ما بين قتيلين الي ثلاثة، قبل أن يعاود الاقتتال مرة أخري، ليوقع أضراراً أخري.

في القطاع أيضاً أعلنت الحكومة الفلسطينية قبل أيام أنها أقرت الخطة الأمنية التي قدمها هاني القواسمي وزير الداخلية والهادفة اللقضاء علي مظاهر الفلتان، تبدأ بخطوات أولية تستمر مئة يوم تتلوها خطوات أخري عملية بشكل أكبر، قيل ن الوزير القواسمي أقر فيها بانتشار قوي الأمن الفلسطيني سواء التابعة لوزارته أو تلك القوي التابعة لسلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لكن وعقب أقل من مرور ساعة علي حديث القواسمي في مؤتمر صحافي عقده للإعلان عن انطلاق خطته الأمنية شهد جنوب قطاع غزة ثلاثة حوادث فلتان امني أدت مجملها الي وقوع أربع إصابات ومقتل مواطنين، في خطوة اعتبرها البعض بأنها تمثل تحديا أكبر للوزير في إقرار خطته ولو بالقوة.

لكن ما مر صبيحة اليوم الأول علي بدء الإجراءات العملية علي تلك الخطة إلا وتفاجأ السكان بالمزيد من الحوادث التي اعتادت أجهزة التحري والتحقيق إما تسجيلها ضد مجهول أو حفظ القضية في السجلات لصعوبة تنفيذ إجراءاتها، خاصة وأن النيابة الفلسطينية طالبت حسب مصادر قانونية فلسطينية بإحضار متهمين ببعض القضايا التي لها علاقة بحالة الفلتان عدد منهم يعمل في أجهزة ومؤسسات حكومية فلسطينية لكن دون جدوي من مطالباتها، ولا زالت القضايا مخزنة في رفوف وأدراج المكاتب.

والمواطنون أصبحوا لا يشعرون بالأمان وقت التنقل في الشوارع، غالبيتهم يخشون أن تحدث إحدي حالات الفلتان أثناء سيرهم، ويخافون أن يباغتهم عيار ناري أو شظية من عبوة أو أي أذي يترتب من جراء هذه الحالات.

صحيح أن حال غزة ليس كحال شقيقتها بغداد فليس في غزة حالات قتل علي أسس طائفية أو هجمات ضارية مثل هجمات الشقيقة بغداد، لكن ما يخشاه الفلسطينيون أن تصبح الشقيقتان متساويتين في الفعل ورد الفعل، إذا لم تستطع أجهزة السلطة الفلسطينية ملاحقة الحوادث والقضاء عليها.

ضمن حالات الفلتان أيضاً قضية اختطاف الصحافي البريطاني آلن جونستون مراسل الـ بي بي سي المختطف في غزة منذ أكثر من خمسة أسابيع. الرئيس محمود عباس قال خلال زيارته الحالية لعدد من البلدان الأوروبية أنه تلقي تطمينات من قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية تفيد أن جونستون لا زال حياً ويتمتع بصحة جيدة، موضحاً بأنه لا توجد جهة اتصال ما بين السلطة الفلسطينية والخاطفين.

ولكن أتحتاج السلطة لاتصال في ظل تحديدها لمكان الصحافي جونستون أو إجراء مفاوضات أو تحتاج الي قرار فعلي ينهي حالة الخطف وينهي كذلك أي حالات خطف قد تحدث مستقبلاً. والمعروف أن مناطق قطاع غزة شهدت العديد من حوادث الخطف للأجانب منهم من كان يعمل في مؤسسات دولية أو صحافية وكان آخرها عقب خطف جونستون إطلاق النار علي جون جينغ مدير العمليات في وكالة الغوث الدولية الذي سلمه القدر من الموت وقتما كان يركب عربته المصفحة ضد الرصاص.

يذكر أن مناطق قطاع غزة شهدت في نهايات العام الماضي وبدايات الحالي قبل التوقيع علي اتفاق مكة شهد أعنف موجات الخلاف الفلسطيني الداخلي في المناطق الفلسطينية، بسبب التباين في وجهات النظر بين مؤسستي الحكم في السلطة، وهما الرئاسة الفلسطينية التي تتولاها حركة فتح برئاسة الرئيس عباس والحكومة التي تتولاها حماس برئاسة إسماعيل هنية.

وقتها وقعت الحادثة فساحات القطاع شهدت تلك الاشتباكات العنيفة بالأسلحة النارية واستخدمت فيها العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع وقذائف المورتر، لتسفر في نهايتها عن مقتل أكثر من 130 فلسطينيا من الطرفين المتنازعين ومن بعض المواطنين الذين لا ناقة لهم في الخلاف ولا جمل.

هذه الخلافات علي الرغم من انتهائها نظرياً حسب اتفاق مكة لا زال صدي أثرها يداهم الفلسطينيين من الحين للآخر، فعدد القتلي الذي خلفته كثير.

ففي تقرير أصدرته الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن أظهرت فيه أن ارتفاعا كبيراً في نسبة جرائم القتل التي وقعت في ظل تصاعد ظاهرة الفلتان الأمني في الأراضي الفلسطينية خلال العام 2006 مقارنة بالأعوام السابقة.

وأفادت الهيئة أن 322 مواطنا فلسطينيا قتلوا داخل مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 2006، بنسبة زيادة 51.5 % عن العام 2005، منهم 236 مواطنا قتلوا في قطاع غزة و 86 مواطنا قتلوا في الضفة الغربية، أي أن قطاع غزة يقارب 3 أضعاف الضفة الغربية.

الأمر الذي يتطلب من الرئاسة والحكومة الفلسطينية العمل بنفس الجهد الذي يبذلانه علي الصعيد الخارجي لتحسين العلاقات الدولية علي صعيد الجبهة الداخلية لإبعاد الخلاف ونبذ الفرقة.

.. وأشياء أخري

تعاني البنية التحتية في غزة من عجز كبير، الأمر الذي يؤثر علي حياة سكان القطاع علي أساس يومي، والمواطنون هنا يشتكون من نقص إمدادات المياه والطاقة ويقولون انها محدودة ولا يمكن الاعتماد عليها.

فالمزارعون مثلاً يضطرون لشراء الطاقة والمياه للإبقاء علي محاصيلهم ويقومون بعدها برفع أسعار منتجاتهم بالنسبة للمشترين في وقت تعاني فيه القوة الشرائية للسكان من تدهور مستمر.

وكذلك يعاني سكان القطاع من سياسة العزل والإغلاق الذي حجبهم عن العالم الخارجي، فمنذ نهاية يونيه من العام الماضي أغلقت إسرائيل منافذ قطاع غزة البرية ومنها التجارية والبحرية ولم تسمح بافتتاحها إلا لأيام معدودة عقب عملية عسكرية نفذتها مجموعات مسلحة أدت الي أسر جندي إسرائيلي يدعي جلعاد شليط، مما حول القطاع الي أكبر سجن في العالم.

*القدس العربي

التعليقات