أهالي قطاع غزة محاصرون بروائح النفايات بعد اضراب عمال البلدية

أهالي قطاع غزة محاصرون بروائح النفايات بعد اضراب عمال البلدية
غزة-دنيا الوطن

شقائق النعمان بألوانه المتعددة .. زهر الليمون.. رائحة اللوز.. أراض خضراء.. فراشات ملونة.. أزهار بكل ألوان الطيف، معالم لربيع بدأ ينتشي وينشر عبق أريجه ليبث تباشير الأمـل في قلوب أهالي قطاع غزة التي تاقت لتنسم شيء من حياة في ظل أوضاع معيشية صعبة وحصار خانق.

إلا أن ربيع غـزة الذي جاء مصطحبا معه أصوات العصافير وقطرات الندى ونسمات لطيفة يواجه هو الآخر بحصار، ولكن من نوع آخر يختلف عن الحصار الاقتصادي الذي يعاني منه الفلسطينيون، وهو حصار الروائح الكريهة المنبعثة من أكوام القمامة المتراكمة المنتشرة في مختلف شوارع غزة ومفترقاتها.

هذه الأكوام تكدست منذ الأسبوع الماضي؛ نتيجة للإضراب المتواصل الذي يخوضه عمال النظافة في البلدية احتجاجا على عدم دفع الحكومة الفلسطينية رواتبهم منذ أشهر في وقت تتعرض فيه لحصار مالي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل.

حاصروا الربيع

وتقول مراسلة إسلام أون لاين.نت: إن أهالي قطاع غزة وجدوا أنفسهم محاصرين بروائح تُعّكر صفو تمتعهم بالربيع والاحتفال بأجوائه بسبب ما تمتلئ به شوارع المدينة من نفايات تعيق حركة السيارات وتتراكم بجانب البيوت السكنية.

واضطر المواطنون إلى إشعال النار وحرق النفايات من أجل التخلص من روائحها؛ وهو الأمر الذي يهدد البيئة وينشر الأمراض التنفسية كما يقتل رائحة الربيع.

ويعبر أهالي غزة عن استيائهم لعدم تمكنهم من الاستمتاع بأجواء الربيع. أبو رامي عبد العال بدأ حديثه لـ"إسلام أون لاين.نت" قائلا: "حصار في كل شيء.. حتى الربيع مُحاصر في غزة.. بدلا من أن نشم الورود والأزهار فنرتاح قليلا، نشم الروائح الكريهة فتزكم أنوفنا وتهدد حياتنا".

وأضاف: "هذه معاناة وأزمة كبيرة.. البعوض والذباب والحشرات انتشرت.. ستحدث كارثة صحية إذا لم ينته الإضراب".

هواء مُلوث

وأمام مدخل منزله بمدينة غزة حيث تكدس أمامه جبل من أكوام النفايات وروائح مؤذية قال أبو عماد فلفل: "الحصار يكبل غزة ولا متنفس لنا إلا الجلوس ليلا في هذه الأجواء لنتسامر مع الأهل والجيران؛ كي نروح عن قلوبنا وأنفسنا، ولكن ماذا نفعل أمام هذه المأساة؟! حتى هواؤنا بات مُلوثا".

وأمام وعوده التي قطعها لأطفاله بأن يرافقهم إلى المنتزه ليلا وجد أبو خالد رجب نفسه مضطرا لإلغاء وعده وعلل موقفه قائلا: "جاء الربيع وكنت قد وعدتهم بالخروج لنتنفس هواء عليلا، ولكن أمام شوارع غزة وهوائها المعبق بروائح كريهة تبدو مغادرة البيت ضربا من ضروب الجنون".

وبنبرات حملت التأفف قالت الطالبة الجامعية رنا العلمي: "نذهب إلى الجامعة وبدلا من أن نستنشق الزهور والعبير، تُزاحم أنوفنا الرائحة النتنة، وكأن غزة ينقصها أزمة جديدة".

ما أصاب رنا من تأفف انتاب الكثير من طلبة الجامعات والمدارس الذين باتوا لا يطيقون المكوث داخل غُرف صفوفهم ومحاضراتهم، وفي وقتٍ تمنوا فيه أن ينعموا بأوقاتٍ جميلة وهانئة وجدوا أنفسهم محاصرين بين سندان الحصار ومطرقة الروائح الكريهة.

كارثة صحية

وتأتي هذه الأزمة البيئية لتُفاقم من معاناة قطاع غزة المحاصر اقتصاديا منذ عام والذي يقطنه قرابة مليون ونصف المليون شخص في بقعةٍ لا تزيد عن 360 كيلومترا مربعا وسط سيل من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

ويحذر خبراء من استمرار إضراب عمال النظافة لأيامٍ قليلة قادمة، مؤكدين أن تراكم أطنان النفايات الصلبة بين البيوت وفي الأماكن العامة بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خطر كبير يهدد البيئة والإنسان.

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية قد حذرت من كارثة صحية وبيئية محدقة، جراء استمرار إضراب الموظفين، مشيرةً إلى الأضرار الصحية والبيئية القاتلة الناجمة عن أكوام ومجمعات القمامة والنفايات المختلفة المنتشرة بالأزقة والطرقات والشوارع.

وقالت الوزارة: "إن تفاقم هذه الأزمة سيعمل على انتشار الأوبئة والأمراض البيئية الخطيرة والأمراض الجلدية المعدية، بالإضافة إلى انتشار الذباب والبعوض وإغلاق الشوارع وعرقلة حركة السير بسبب تراكم أكوام النفايات".

وحذرت من حرق النفايات في الشوارع، لما له من آثار جانبية تزيد من تلوث الجو، وتؤثر على المرضى المزمنين.

إضراب

وباستثناء بعض الدفعات المالية الجزئية البسيطة، لم يتلق أكثر من 160 ألف موظف في القطاع العام للسلطة الفلسطينية رواتبهم الشهرية كاملة منذ مارس 2006 العام الماضي.

وأقام العاملون في بلدية غزة خيمة الأحد الماضي أمام مقر المجلس التشريعي اعتصم فيها المئات احتجاجا على عدم توفير رواتبهم، محذرين من اللجوء إلى وسائل أخرى وتصعيد الإضراب.

وأشار موظفو البلدية البالغ عددهم 1800 موظف إلى أهمية الخدمات التي يقدمونها للمواطنين أسوة بباقي الوزارات ومؤسسات السلطة، متهمين الرئاسة والحكومة بإهمال قضيتهم ورفض مساواتهم في صرف الرواتب بباقي موظفي السلطة.

يُشار إلى أن رواتب موظفي البلديات لأكثر من 400 بلدية في الضفة الغربية وقطاع غزة لا تزيد على 3.5 ملايين دولار أي بنسبة لا تزيد عن 2.5% من قيمة رواتب موظفي السلطة.

وقدر وزير المالية سلام فياض الأربعاء الماضي حاجة حكومة الوحدة من المساعدات بأكثر من 1.3 مليار دولار لتفادي أزمة إنسانية مروعة.

ولا يزال الحظر الغربي على المساعدات المباشرة للحكومة الفلسطينية ساريا، كما تواصل إسرائيل احتجاز عوائد الضرائب التي تجنيها نيابة عن السلطة الفلسطينية، في الوقت الذي ترفض فيه البنوك حتى الآن تحويل أموال

للحكومة.

ولرفع الحصار عن المساعدات الغربية للفلسطينيين، تشترط اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة - روسيا - الاتحاد الأوروبي - الأمم المتحدة) اعتراف أي حكومة فلسطينية بإسرائيل، والالتزام باتفاقات السلام الموقعة مع الدولة العبرية، ونبذ ما تسميه "العنف".

التعليقات