عناصر القوة التنفيذية و الأجهزة الأمنية يرتادون العيادات النفسية بسبب الاقتتال الداخلي
غزة-دنيا الوطن-دنيا عيسى وداليا شعث
إن أكثر ما يؤثر في الإنسان - في صحته ومرضه-هو الجوانب الثقافية والفلسفية والدينية والاجتماعية المحيطة به.
أما عندما يتعلق الأمر بمجتمع يدور في حلقة مفرغة من العنف ، يقطر دماً، ويزدحم بالموت، فإن أكثر ما يحتاجه الإنسان لكي يحيا هو أن يجد دعماً مجتمعياً ونفسياً.. وأن يجد من يتفهم فقط رغبته في أن يحيا..
دنيا الوطن سلطت الضوء على الصحة النفسية لسكان قطاع غزة من خلال التحقيق التالي..
الممارسات الإسرائيلية بما يتخللها من قصف وقتل وتدمير وتشريد ،جعلت من حياة الفلسطينيين كابوساً مخيفاً لا نهاية له ، وما زاد الكابوس دموية وبشاعة هو الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين،لتصبح حياة الفلسطيني شريطا سينمائيا يكتظ بالمشاهد المؤلمة.
د. رياض الأقرع مدير مستشفى الطب النفسي في قطاع غزة يؤكد بأن ممارسات الاحتلال هي المسبب الأكبر للاضطرابات النفسية لسكان القطاع:"من خلال عملنا الطويل في مستشفى الطب النفسي على مدى ثلاثين عاماً، قدمنا خدمات نفسية لحوالي 22 ألف حالة، ونقدم حاليا خدمات لأكثر من 3 آلاف حالة شهرياً.وتتركز الاضطرابات النفسية لسكان القطاع في التوتر النفسي والاكتئاب والمواقف الصادمة التي يتعرض لها الإنسان بشكل مفاجئ ويشعر أن حياته مهدده ، كتعرض المكان الذي يتواجد فيه للقصف مثلا أو فقدانه لشخص عزيز".
ويؤكد د.الأقرع على أن الاقتتال الداخلي المؤسف كان له دوراً ملحوظاً في زيادة حالات الخوف والقلق والتوتر النفسي والاكتئاب بأعداد لا يستهان بها.
ويشير إلى أن هذه الحالات تركزت خلال فترة الاقتتال في أمهات وزوجات عناصر الأجهزة الأمنية.
ويروي د.الأقرع حادثة وقعت خلال أحداث الاقتتال:"جاءني أحد عناصر القوة التنفيذية الذي تبين أنه يعاني من توتر عالي احدث له أعراضا جسدية واضطرابات في وظائف الجسم،وخلال الجلسات اخبرني بأنه يشعر بخوف و رعب شديد بأنه سيبقى في النار خالدا مخلدا لو أطلق الرصاص على أي شخص ، وفي نفس الأسبوع جاءتني حالة أخرى هي عنصر في جهاز امني يعاني من نفس الأعراض،وذكر لي أنه لا يستطيع أن يطلق النار على إنسان مسلم ، و يشعر بالألم والمرارة..هذه هي مشاعر الطرفين المتقاتلين،وهذه الحادثة تؤكد على أن الجميع في داخله يرفض الاقتتال تبعا لطبيعته وفطرته وتركيبته النفسية التي ترفض كل ما هو غير طبيعي وشاذ".
من جهته يعتبر معين الكريري مدير دائرة التثقيف وتعزيز الصحة في وزارة الصحة أن الأطفال في قطاع غزة يحظون بنصيب الأسد من مجمل الاضطرابات النفسية التي يعاني منها سكان القطاع خاصة أن الأطفال تظهر عليهم الأعراض بشكل أسرع عن غيرهم من باقي فئات المجتمع.
ويضيف الكريري بأن الاضطرابات النفسية لدى الأطفال والتي تفرزها الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية،تظهر في بعض السلوكيات مثل التبول اللاإرادي وقضم الأظافر ،والعزوف عن الطعام،والخوف الشديد،والأحلام المزعجة وهي مشكلات عضوية ذات أسباب نفسية.
ويؤكد الكريري بأن دائرة التثقيف وتعزيز الصحة تولي الأطفال والنساء النسبة الأكبر من الاهتمام عبر نشراتها وموادها الإعلامية والتثقيفية، إضافة إلى برامج التثقيف التي تستهدف مربيات الأطفال في رياض الأطفال،والمدرسين والطلبة في المدارس.
وعي..ولكن!!
الظروف السيئة التي يعيشها الفلسطينيون فرضت عليهم قدراً من الوعي حول الصحة النفسية والاضطرابات النفسية ، إلا أن هذا الوعي لازال يحبو في مراحله الأولى..
د.رياض الأقرع أعرب عن رضاه بدرجة الوعي التي يلمسها خلال تواصله مع مرضاه وأسرهم ، إلا أنه قال بأن الكثيرين لا زالوا يجهلون أن كثيراً من الأعراض الجسدية تحدث نتيجة لاضطرابات نفسية مؤكداً أن الاضطرابات النفسية ينتج عنها أعراضا جسدية مرضية كالإحساس بارتفاع درجة الحرارة ، وآلام في الرقبة والمفاصل، واضطرابات البطن،واضطرابات في الرغبة الجنسية ، وازدياد سرعة دقات القلب،وضيق في التنفس، بالإضافة إلى توهم الأمراض.
وأضاف د.الأقرع أن الكثيرين لا يدركون هذا فيقوم المريض بعمل كافة التحاليل والفحوصات الطبية التي تؤكد خلوه من الأمراض بينما الأعراض المرضية تبقى مستمرة ، وهنا يعتاد المريض على مسكنات الآلام التي تشكل حلا لا يتجاوز المدة الزمنية للجرعة، رافضاَ التوجه إلى الطبيب النفسي.
هذا الوعي الذي لم يبلغ فطامه بعد، لازالت تشوبه كثير من الأفكار السلبية الخاطئة التي توقع بعض الظلم على المريض النفسي أو الشخص المصاب باضطرابات نفسية ، حيث يلقى نوعاً من السلبية في التعامل تضعه موضع الشاذ عن المنظومة الاجتماعية فتلحق به "وصمة العار" ، فيتم تجنبه أو التعامل معه في أضيق الحدود، أو أن يطلق عليه لفظ "مجنون" بينما يعتبر الجنون اضطراب عقلي يختلف عن الاضطرابات النفسية التي يكون فيها المريض واع ومدرك تماما لتصرفاته ويتحمل مسؤوليتها بشكل كامل ، أي أن الاضطراب أو المرض النفسي مثله مثل الأمراض العضوية التي يتعافى منها المريض تماما بعد العلاج.
هذه الوصمة لها تداعيات اجتماعية خطيرة قد تعيق زواج الفتاة المصابة باضطراب نفسي ، وهذا ما دفع مستشفى الطب النفسي إلى التعامل بسرية تامة مع أسماء الحالات التي ترد إلى المستشفى من الفتيات ، بحسب د.رياض الأقرع الذي أكد أن المستشفى يراعي الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية.
ولا تقف معيقات نمو ثقافة المجتمع بالصحة النفسية عند وصمة العار ، بل جاوزت ذلك إلى اتجاه الناس إلى المشعوذين والدجالين والعطارين واتباعهم للخرافات والسلوكيات الخاطئة اعتقادا منهم أن فيها شفاءً لأمراضهم المحيرة التي عجز الطب عن اكتشافها بينما هي غالبا ما تكون أعراضا جسديه جذورها اضطرابات نفسية!!.
وفي حقيقة الأمر يصعب توقع حدوث تغير ايجابي في ثقافة المجتمع حول الصحة النفسية- ما يعني وقوع مزيد من الضحايا بفعل محدودية الوعي- في ظل اقتصار عملية التثقيف على الصحة النفسية و الاضطرابات السلوكية للأطفال بينما حاجة المجتمع الفلسطيني تقتضي إحداث توازن في طرح القضايا التوعوية لتوعية المجتمع وإنقاذه من الخرافات والعادات البالية والأفكار الخاطئة.
معين الكريري يتحدث عن أسباب التركيز في عملية التثقيف بالصحة النفسية على الأطفال والنساء :" الأطفال والنساء هم فئات الخطر في المجتمع حيث يتأثرون أكثر من غيرهم بما حولهم وبالتالي نسب حدوث الصدمات والأزمات والانهيارات في هذه الفئات اكبر من غيرها في حين أن الفئات الأخرى مطعمة بعامل السن والخبرة بينما الطفل لو تعرض لازمة ما لا يستطيع مواجهاتها لوحده ، وبناء على هذا يتم التركيز على الأطفال لتوفير المساندة والدعم النفسي لهم ".
حسام النونو مدير العلاقات العامة في "برنامج غزة للصحة النفسية " شدد على أهمية الدعم النفسي للأطفال نظراً لكونهم الأكثر تعرضاً للعنف على اختلاف مصادره وصوره كالعنف الإسرائيلي أو عنف التنظيمات والعشائر المتصارعة أو العنف الأسري.
إلا أنه اعتبر أن اقتصار التوعية على المشاكل النفسية للأطفال يرجع إلى أن الأطفال يستخدمون ككبش فداء في المجتمع الفلسطيني، فالحديث عن المشاكل النفسية للأطفال يعتبر نوعاً من الهروب من الحديث عن مشاكل الكبار،فالأسهل على الأب أن يتحدث عن أن طفله مزعج وفوضوي وعنيف بدلاً من مواجهة نفسه بأنه لا يستطيع التعامل مع طفله أو لا يلبي احتياجاته ، أو أن الأب نفسه يعاني من مشكلة نفسية .
ويضيف النونو:"ولهذا لا تقتصر الخدمات النفسية للبرنامج أو عملية التثقيف التي يقوم بها على الأطفال بل تشمل المرأة التي تتعرض هي الأخرى لأشكال مختلفة من العنف والتي نوليها اهتماما خاصا عبر برامج خاصة لدعمها من خلال التأهيل الاجتماعي والنفسي والعمل على تحسين التشريعات والقوانين المتعلقة بالمرأة والطفل ، وهذا يتجلى في المنشورات والمطبوعات والأبحاث التي نصدرها في هذا الشأن".
ويشير النونو إلى أن البرنامج من خلال عمله عبر 17 عاماً استطاع تحديد أبرز احتياجات المجتمع الفلسطيني النفسية ولهذا فهو يقدم خدماته للفئات الأكثر تضررا في المجتمع،فبجانب الخدمات التي يقدمها للطفل والمرأة ، يقدم البرنامج خدمات نفسية نوعية لضحايا العنف والتعذيب كالمعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب في المعتقلات الإسرائيلية.
الإعلام والصحة النفسية..أخطاء وخطايا !!
التطور التكنولوجي الهائل صبغ وسائل الإعلام بالسرعة والتنوع والتميز وفرضها كمصدر رئيسي للمعلومات حظي بثقة وانبهار الجماهير بكل ما تطرحه هذه الوسائل . إلا أن هذه الثقة أثقلت كاهل وسائل الإعلام حيث فرضت عليها شكلاً من أشكال المسؤولية المهنية التي تقتضي توخي الدقة والحذر في كل ما تقدمه.
في مجال التثقيف والتوعية بالصحة النفسية يؤخذ على وسائل الإعلام أنها أحد المصادر الرئيسية لبعض الأفكار الخاطئة .
حسام النونو يرى أن وسائل الإعلام لها دور كبير في التوعية والتثقيف أو تشويه الأفكار، فهو يعتبر أن الأفلام المصرية القديمة كأفلام" إسماعيل ياسين والمجانين " والتي أظهرت الطبيب النفسي دائما على انه مجنون لا تفارق أذهان الناس على الرغم من كل النشاطات المبذولة من مواد مرئية ومسموعة ومطبوعة لتصحيح هذه النظرة ، فعملية تغيير الأفكار تحتاج إلى تراكم طويل للوصول إلى الهدف المنشود.
د.رياض الأقرع بدوره طالب وسائل الإعلام باستشارة خبراء ومتخصصين في مجال الصحة النفسية عند تقديم البرامج والأعمال الدرامية والمواد الصحفية التي تتعلق بالصحة النفسية لتجنب الوقوع في الأخطاء.
و اعتبر د.الأقرع أن السخرية التي قدم في إطارها المريض النفسي هي التي دعمت نظرة المجتمع السلبية للمريض والمرض النفسي ، لكنه عزا تقديم المرض النفسي في تلك الفترة بهذه الصورة إلى أن هذه الأفلام عرضت في فترة الأربعينيات والخمسينيات حيث لم يكن علاج الاضطرابات النفسية متطوراً في وقتها ، لكن الوضع تغير الآن حيث أن أسوأ الاضطرابات النفسية وحتى العقلية يوجد لها علاج ومن الممكن أن تحدث استقرارا في الحالات العقلية ، والكثير من المرضى موظفين ومتزوجين ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي.
وأشار د. الأقرع إلى أن ما ضخم هذه النظرة السلبية هو أن الأجيال التي جاءت عقب الجيل الأول في السينما والدراما سارت على خطاها أو على الأقل قدمت هي أيضا صورة سيئة عن الاضطرابات النفسية.
معين الكريري قال بأن الناس تتأثر بشكل سريع بالمعلومات الصحية التي تتلقاها من وسائل الإعلام ولهذا اهتمت دائرة التثقيف وتعزيز الصحة بالقائمين على وسائل الإعلام، حيث أنها بالإضافة إلى إصداراتها المرئية والمسموعة والمطبوعة شكلت ما يعرف بالملتقى الإعلامي الذي يتكون من مجموعة من الإعلاميين تابعين لعدة مؤسسات إعلامية تتم مناقشتهم وتوعيتهم بكثير من القضايا الصحية كقضايا الصحة النفسية والإنجابية وغيرها.
مشكلات أخرى..
من أبرز المشكلات التي تواجه تطوير العمل في مجال الصحة النفسية نقص المتخصصين في هذا المجال،حيث يقول د.رياض الأقرع أن هناك نقصاً في المتخصصين في مجال علم النفس الإكلينيكي حيث أن غالبية الخريجين من الجامعات الفلسطينية هم خريجين قسم التربية أو الإرشاد النفسي.
حسام النونو أكد أن برنامج غزة للصحة النفسية يحاول علاج هذه المعضلة من خلال عدة أنشطة تدريبية منها التدريب الداخلي لطاقم المؤسسة ومحاولة تطويره عبر الندوات وورش العمل وإرسال بعض العاملين في المؤسسة للتدريب في الخارج وجلب خبراء أجانب.
وأضاف بأن المؤسسة تقوم بتدريب بعض الطواقم العاملة في المجتمع كالمدرسين ومربيات رياض الأطفال والأطباء والطلبة، بالإضافة إلى العاملين على تنفيذ القوانين في السجون والأجهزة الأمنية، حيث يتم تدريبهم على الصحة النفسية وحقوق الإنسان.
وأشار النونو إلى برنامج الدبلوم العالي للصحة النفسية المجتمعية الذي يقدمه البرنامج بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بمشاركة سبع جامعات دولية بهدف تطوير الخبرات المهنية في مجال الصحة النفسية المجتمعية في مؤسسات المجتمع الفلسطيني حيث يتم تخريج15 طالبا كل عامين.
من جهة أخرى يتحدث د. رياض الأقرع عن مشكلة أخرى تواجه الأطباء النفسيين والمؤسسات العاملة في مجال الصحة النفسية وهي توجه المريض إلى الطبيب غير المناسب حيث أن جميع الأطباء من مختلف التخصصات يعالجون الاضطرابات النفسية:" بعد أن يقوم الطبيب بفحص المريض وفي حال تبين له أن شكواه العضوية سببها نفسي يقوم بوصف المهدئات ومضادات القلق والتوتر والتي لا تشكل الا40 بالمائة من العلاج بينما تشكل الجلسات التي يقوم بها الطبيب النفسي ال60بالمائة الباقية".
ويضيف د.الأقرع :"من هنا ، أناشد جميع الزملاء بتوجيه المريض المصاب باضطرابات نفسية فورأ إلى الطبيب النفسي الخبير بالعلاجات النفسية حتى لا تتأخر حالة المريض، وأناشد أيضا المرضى بضرورة التوجه مباشرة إلى الطبيب النفسي وعدم الاعتماد على الأدوية التي يصفها الأطباء من التخصصات الأخرى حيث تصلنا الحالات متأخرة بعد مرور عدة سنوات إما لجهل المريض بأنه مصاب باضطرابات نفسيه أو لشعوره بالخجل من اللجوء إلى طبيب نفسي أو لاعتماده على أدوية الأطباء ذوي التخصصات الأخرى".
الارتقاء بالصحة النفسية في ظل انتهاك حقوق الإنسان..
لا يمكن الارتقاء بمستوى الصحة النفسية في ظل أجواء يسودها العنف، ولا يمكن لحقوق الإنسان أن تحترم في مجتمع يتعرض أبنائه للخبرة الصادمة المتواصلة..من هذا المنطلق يعمل برنامج غزة للصحة النفسية على اطلاع المجتمع الدولي على الأوضاع السياسية والنفسية والاجتماعية للفلسطينيين لكسب تأييدهم ودعمهم لاحترام مبادئ حقوق الإنسان في فلسطين بهدف رفع مستوى الصحة النفسية في المجتمع الفلسطيني.
وفي هذا الخصوص يتحدث حسام النونو :"اكتشفنا مبكرا بأن العمل في مجال الصحة النفسية المجتمعية لابد أن يكون متكاملا ،ولقد كنا نعمل على المستوى المحلي بتقديم الخدمات وإعداد الطواقم وعمل الأبحاث ورفع الوعي ولكن في نفس الوقت أدركنا أن هناك حاجة ماسة لربط الصحة النفسية بالحقوق المسلوبة والمنتهكة للشعب الفلسطيني بمعنى أن ممارسات الاحتلال تؤدي إلى تدمير وتدهور الصحة النفسية للشعب الفلسطيني، فكان لا بد من إيضاح هذا بطرق مهنيه عن طريق البحث العلمي ونقل الخبرات الحية والقصص الحقيقية وتأثيرات لاحتلال وممارساته إلى المجتمع الدولي وذلك عن طريق المؤتمرات الدولية التي نشارك فيها لإيصال رسالة مفادها أن ممارسات الاحتلال تدمر الصحة النفسية للفلسطينية وتنتهك حقوقهم المختلفة".
إن أكثر ما يؤثر في الإنسان - في صحته ومرضه-هو الجوانب الثقافية والفلسفية والدينية والاجتماعية المحيطة به.
أما عندما يتعلق الأمر بمجتمع يدور في حلقة مفرغة من العنف ، يقطر دماً، ويزدحم بالموت، فإن أكثر ما يحتاجه الإنسان لكي يحيا هو أن يجد دعماً مجتمعياً ونفسياً.. وأن يجد من يتفهم فقط رغبته في أن يحيا..
دنيا الوطن سلطت الضوء على الصحة النفسية لسكان قطاع غزة من خلال التحقيق التالي..
الممارسات الإسرائيلية بما يتخللها من قصف وقتل وتدمير وتشريد ،جعلت من حياة الفلسطينيين كابوساً مخيفاً لا نهاية له ، وما زاد الكابوس دموية وبشاعة هو الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين،لتصبح حياة الفلسطيني شريطا سينمائيا يكتظ بالمشاهد المؤلمة.
د. رياض الأقرع مدير مستشفى الطب النفسي في قطاع غزة يؤكد بأن ممارسات الاحتلال هي المسبب الأكبر للاضطرابات النفسية لسكان القطاع:"من خلال عملنا الطويل في مستشفى الطب النفسي على مدى ثلاثين عاماً، قدمنا خدمات نفسية لحوالي 22 ألف حالة، ونقدم حاليا خدمات لأكثر من 3 آلاف حالة شهرياً.وتتركز الاضطرابات النفسية لسكان القطاع في التوتر النفسي والاكتئاب والمواقف الصادمة التي يتعرض لها الإنسان بشكل مفاجئ ويشعر أن حياته مهدده ، كتعرض المكان الذي يتواجد فيه للقصف مثلا أو فقدانه لشخص عزيز".
ويؤكد د.الأقرع على أن الاقتتال الداخلي المؤسف كان له دوراً ملحوظاً في زيادة حالات الخوف والقلق والتوتر النفسي والاكتئاب بأعداد لا يستهان بها.
ويشير إلى أن هذه الحالات تركزت خلال فترة الاقتتال في أمهات وزوجات عناصر الأجهزة الأمنية.
ويروي د.الأقرع حادثة وقعت خلال أحداث الاقتتال:"جاءني أحد عناصر القوة التنفيذية الذي تبين أنه يعاني من توتر عالي احدث له أعراضا جسدية واضطرابات في وظائف الجسم،وخلال الجلسات اخبرني بأنه يشعر بخوف و رعب شديد بأنه سيبقى في النار خالدا مخلدا لو أطلق الرصاص على أي شخص ، وفي نفس الأسبوع جاءتني حالة أخرى هي عنصر في جهاز امني يعاني من نفس الأعراض،وذكر لي أنه لا يستطيع أن يطلق النار على إنسان مسلم ، و يشعر بالألم والمرارة..هذه هي مشاعر الطرفين المتقاتلين،وهذه الحادثة تؤكد على أن الجميع في داخله يرفض الاقتتال تبعا لطبيعته وفطرته وتركيبته النفسية التي ترفض كل ما هو غير طبيعي وشاذ".
من جهته يعتبر معين الكريري مدير دائرة التثقيف وتعزيز الصحة في وزارة الصحة أن الأطفال في قطاع غزة يحظون بنصيب الأسد من مجمل الاضطرابات النفسية التي يعاني منها سكان القطاع خاصة أن الأطفال تظهر عليهم الأعراض بشكل أسرع عن غيرهم من باقي فئات المجتمع.
ويضيف الكريري بأن الاضطرابات النفسية لدى الأطفال والتي تفرزها الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية،تظهر في بعض السلوكيات مثل التبول اللاإرادي وقضم الأظافر ،والعزوف عن الطعام،والخوف الشديد،والأحلام المزعجة وهي مشكلات عضوية ذات أسباب نفسية.
ويؤكد الكريري بأن دائرة التثقيف وتعزيز الصحة تولي الأطفال والنساء النسبة الأكبر من الاهتمام عبر نشراتها وموادها الإعلامية والتثقيفية، إضافة إلى برامج التثقيف التي تستهدف مربيات الأطفال في رياض الأطفال،والمدرسين والطلبة في المدارس.
وعي..ولكن!!
الظروف السيئة التي يعيشها الفلسطينيون فرضت عليهم قدراً من الوعي حول الصحة النفسية والاضطرابات النفسية ، إلا أن هذا الوعي لازال يحبو في مراحله الأولى..
د.رياض الأقرع أعرب عن رضاه بدرجة الوعي التي يلمسها خلال تواصله مع مرضاه وأسرهم ، إلا أنه قال بأن الكثيرين لا زالوا يجهلون أن كثيراً من الأعراض الجسدية تحدث نتيجة لاضطرابات نفسية مؤكداً أن الاضطرابات النفسية ينتج عنها أعراضا جسدية مرضية كالإحساس بارتفاع درجة الحرارة ، وآلام في الرقبة والمفاصل، واضطرابات البطن،واضطرابات في الرغبة الجنسية ، وازدياد سرعة دقات القلب،وضيق في التنفس، بالإضافة إلى توهم الأمراض.
وأضاف د.الأقرع أن الكثيرين لا يدركون هذا فيقوم المريض بعمل كافة التحاليل والفحوصات الطبية التي تؤكد خلوه من الأمراض بينما الأعراض المرضية تبقى مستمرة ، وهنا يعتاد المريض على مسكنات الآلام التي تشكل حلا لا يتجاوز المدة الزمنية للجرعة، رافضاَ التوجه إلى الطبيب النفسي.
هذا الوعي الذي لم يبلغ فطامه بعد، لازالت تشوبه كثير من الأفكار السلبية الخاطئة التي توقع بعض الظلم على المريض النفسي أو الشخص المصاب باضطرابات نفسية ، حيث يلقى نوعاً من السلبية في التعامل تضعه موضع الشاذ عن المنظومة الاجتماعية فتلحق به "وصمة العار" ، فيتم تجنبه أو التعامل معه في أضيق الحدود، أو أن يطلق عليه لفظ "مجنون" بينما يعتبر الجنون اضطراب عقلي يختلف عن الاضطرابات النفسية التي يكون فيها المريض واع ومدرك تماما لتصرفاته ويتحمل مسؤوليتها بشكل كامل ، أي أن الاضطراب أو المرض النفسي مثله مثل الأمراض العضوية التي يتعافى منها المريض تماما بعد العلاج.
هذه الوصمة لها تداعيات اجتماعية خطيرة قد تعيق زواج الفتاة المصابة باضطراب نفسي ، وهذا ما دفع مستشفى الطب النفسي إلى التعامل بسرية تامة مع أسماء الحالات التي ترد إلى المستشفى من الفتيات ، بحسب د.رياض الأقرع الذي أكد أن المستشفى يراعي الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية.
ولا تقف معيقات نمو ثقافة المجتمع بالصحة النفسية عند وصمة العار ، بل جاوزت ذلك إلى اتجاه الناس إلى المشعوذين والدجالين والعطارين واتباعهم للخرافات والسلوكيات الخاطئة اعتقادا منهم أن فيها شفاءً لأمراضهم المحيرة التي عجز الطب عن اكتشافها بينما هي غالبا ما تكون أعراضا جسديه جذورها اضطرابات نفسية!!.
وفي حقيقة الأمر يصعب توقع حدوث تغير ايجابي في ثقافة المجتمع حول الصحة النفسية- ما يعني وقوع مزيد من الضحايا بفعل محدودية الوعي- في ظل اقتصار عملية التثقيف على الصحة النفسية و الاضطرابات السلوكية للأطفال بينما حاجة المجتمع الفلسطيني تقتضي إحداث توازن في طرح القضايا التوعوية لتوعية المجتمع وإنقاذه من الخرافات والعادات البالية والأفكار الخاطئة.
معين الكريري يتحدث عن أسباب التركيز في عملية التثقيف بالصحة النفسية على الأطفال والنساء :" الأطفال والنساء هم فئات الخطر في المجتمع حيث يتأثرون أكثر من غيرهم بما حولهم وبالتالي نسب حدوث الصدمات والأزمات والانهيارات في هذه الفئات اكبر من غيرها في حين أن الفئات الأخرى مطعمة بعامل السن والخبرة بينما الطفل لو تعرض لازمة ما لا يستطيع مواجهاتها لوحده ، وبناء على هذا يتم التركيز على الأطفال لتوفير المساندة والدعم النفسي لهم ".
حسام النونو مدير العلاقات العامة في "برنامج غزة للصحة النفسية " شدد على أهمية الدعم النفسي للأطفال نظراً لكونهم الأكثر تعرضاً للعنف على اختلاف مصادره وصوره كالعنف الإسرائيلي أو عنف التنظيمات والعشائر المتصارعة أو العنف الأسري.
إلا أنه اعتبر أن اقتصار التوعية على المشاكل النفسية للأطفال يرجع إلى أن الأطفال يستخدمون ككبش فداء في المجتمع الفلسطيني، فالحديث عن المشاكل النفسية للأطفال يعتبر نوعاً من الهروب من الحديث عن مشاكل الكبار،فالأسهل على الأب أن يتحدث عن أن طفله مزعج وفوضوي وعنيف بدلاً من مواجهة نفسه بأنه لا يستطيع التعامل مع طفله أو لا يلبي احتياجاته ، أو أن الأب نفسه يعاني من مشكلة نفسية .
ويضيف النونو:"ولهذا لا تقتصر الخدمات النفسية للبرنامج أو عملية التثقيف التي يقوم بها على الأطفال بل تشمل المرأة التي تتعرض هي الأخرى لأشكال مختلفة من العنف والتي نوليها اهتماما خاصا عبر برامج خاصة لدعمها من خلال التأهيل الاجتماعي والنفسي والعمل على تحسين التشريعات والقوانين المتعلقة بالمرأة والطفل ، وهذا يتجلى في المنشورات والمطبوعات والأبحاث التي نصدرها في هذا الشأن".
ويشير النونو إلى أن البرنامج من خلال عمله عبر 17 عاماً استطاع تحديد أبرز احتياجات المجتمع الفلسطيني النفسية ولهذا فهو يقدم خدماته للفئات الأكثر تضررا في المجتمع،فبجانب الخدمات التي يقدمها للطفل والمرأة ، يقدم البرنامج خدمات نفسية نوعية لضحايا العنف والتعذيب كالمعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب في المعتقلات الإسرائيلية.
الإعلام والصحة النفسية..أخطاء وخطايا !!
التطور التكنولوجي الهائل صبغ وسائل الإعلام بالسرعة والتنوع والتميز وفرضها كمصدر رئيسي للمعلومات حظي بثقة وانبهار الجماهير بكل ما تطرحه هذه الوسائل . إلا أن هذه الثقة أثقلت كاهل وسائل الإعلام حيث فرضت عليها شكلاً من أشكال المسؤولية المهنية التي تقتضي توخي الدقة والحذر في كل ما تقدمه.
في مجال التثقيف والتوعية بالصحة النفسية يؤخذ على وسائل الإعلام أنها أحد المصادر الرئيسية لبعض الأفكار الخاطئة .
حسام النونو يرى أن وسائل الإعلام لها دور كبير في التوعية والتثقيف أو تشويه الأفكار، فهو يعتبر أن الأفلام المصرية القديمة كأفلام" إسماعيل ياسين والمجانين " والتي أظهرت الطبيب النفسي دائما على انه مجنون لا تفارق أذهان الناس على الرغم من كل النشاطات المبذولة من مواد مرئية ومسموعة ومطبوعة لتصحيح هذه النظرة ، فعملية تغيير الأفكار تحتاج إلى تراكم طويل للوصول إلى الهدف المنشود.
د.رياض الأقرع بدوره طالب وسائل الإعلام باستشارة خبراء ومتخصصين في مجال الصحة النفسية عند تقديم البرامج والأعمال الدرامية والمواد الصحفية التي تتعلق بالصحة النفسية لتجنب الوقوع في الأخطاء.
و اعتبر د.الأقرع أن السخرية التي قدم في إطارها المريض النفسي هي التي دعمت نظرة المجتمع السلبية للمريض والمرض النفسي ، لكنه عزا تقديم المرض النفسي في تلك الفترة بهذه الصورة إلى أن هذه الأفلام عرضت في فترة الأربعينيات والخمسينيات حيث لم يكن علاج الاضطرابات النفسية متطوراً في وقتها ، لكن الوضع تغير الآن حيث أن أسوأ الاضطرابات النفسية وحتى العقلية يوجد لها علاج ومن الممكن أن تحدث استقرارا في الحالات العقلية ، والكثير من المرضى موظفين ومتزوجين ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي.
وأشار د. الأقرع إلى أن ما ضخم هذه النظرة السلبية هو أن الأجيال التي جاءت عقب الجيل الأول في السينما والدراما سارت على خطاها أو على الأقل قدمت هي أيضا صورة سيئة عن الاضطرابات النفسية.
معين الكريري قال بأن الناس تتأثر بشكل سريع بالمعلومات الصحية التي تتلقاها من وسائل الإعلام ولهذا اهتمت دائرة التثقيف وتعزيز الصحة بالقائمين على وسائل الإعلام، حيث أنها بالإضافة إلى إصداراتها المرئية والمسموعة والمطبوعة شكلت ما يعرف بالملتقى الإعلامي الذي يتكون من مجموعة من الإعلاميين تابعين لعدة مؤسسات إعلامية تتم مناقشتهم وتوعيتهم بكثير من القضايا الصحية كقضايا الصحة النفسية والإنجابية وغيرها.
مشكلات أخرى..
من أبرز المشكلات التي تواجه تطوير العمل في مجال الصحة النفسية نقص المتخصصين في هذا المجال،حيث يقول د.رياض الأقرع أن هناك نقصاً في المتخصصين في مجال علم النفس الإكلينيكي حيث أن غالبية الخريجين من الجامعات الفلسطينية هم خريجين قسم التربية أو الإرشاد النفسي.
حسام النونو أكد أن برنامج غزة للصحة النفسية يحاول علاج هذه المعضلة من خلال عدة أنشطة تدريبية منها التدريب الداخلي لطاقم المؤسسة ومحاولة تطويره عبر الندوات وورش العمل وإرسال بعض العاملين في المؤسسة للتدريب في الخارج وجلب خبراء أجانب.
وأضاف بأن المؤسسة تقوم بتدريب بعض الطواقم العاملة في المجتمع كالمدرسين ومربيات رياض الأطفال والأطباء والطلبة، بالإضافة إلى العاملين على تنفيذ القوانين في السجون والأجهزة الأمنية، حيث يتم تدريبهم على الصحة النفسية وحقوق الإنسان.
وأشار النونو إلى برنامج الدبلوم العالي للصحة النفسية المجتمعية الذي يقدمه البرنامج بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بمشاركة سبع جامعات دولية بهدف تطوير الخبرات المهنية في مجال الصحة النفسية المجتمعية في مؤسسات المجتمع الفلسطيني حيث يتم تخريج15 طالبا كل عامين.
من جهة أخرى يتحدث د. رياض الأقرع عن مشكلة أخرى تواجه الأطباء النفسيين والمؤسسات العاملة في مجال الصحة النفسية وهي توجه المريض إلى الطبيب غير المناسب حيث أن جميع الأطباء من مختلف التخصصات يعالجون الاضطرابات النفسية:" بعد أن يقوم الطبيب بفحص المريض وفي حال تبين له أن شكواه العضوية سببها نفسي يقوم بوصف المهدئات ومضادات القلق والتوتر والتي لا تشكل الا40 بالمائة من العلاج بينما تشكل الجلسات التي يقوم بها الطبيب النفسي ال60بالمائة الباقية".
ويضيف د.الأقرع :"من هنا ، أناشد جميع الزملاء بتوجيه المريض المصاب باضطرابات نفسية فورأ إلى الطبيب النفسي الخبير بالعلاجات النفسية حتى لا تتأخر حالة المريض، وأناشد أيضا المرضى بضرورة التوجه مباشرة إلى الطبيب النفسي وعدم الاعتماد على الأدوية التي يصفها الأطباء من التخصصات الأخرى حيث تصلنا الحالات متأخرة بعد مرور عدة سنوات إما لجهل المريض بأنه مصاب باضطرابات نفسيه أو لشعوره بالخجل من اللجوء إلى طبيب نفسي أو لاعتماده على أدوية الأطباء ذوي التخصصات الأخرى".
الارتقاء بالصحة النفسية في ظل انتهاك حقوق الإنسان..
لا يمكن الارتقاء بمستوى الصحة النفسية في ظل أجواء يسودها العنف، ولا يمكن لحقوق الإنسان أن تحترم في مجتمع يتعرض أبنائه للخبرة الصادمة المتواصلة..من هذا المنطلق يعمل برنامج غزة للصحة النفسية على اطلاع المجتمع الدولي على الأوضاع السياسية والنفسية والاجتماعية للفلسطينيين لكسب تأييدهم ودعمهم لاحترام مبادئ حقوق الإنسان في فلسطين بهدف رفع مستوى الصحة النفسية في المجتمع الفلسطيني.
وفي هذا الخصوص يتحدث حسام النونو :"اكتشفنا مبكرا بأن العمل في مجال الصحة النفسية المجتمعية لابد أن يكون متكاملا ،ولقد كنا نعمل على المستوى المحلي بتقديم الخدمات وإعداد الطواقم وعمل الأبحاث ورفع الوعي ولكن في نفس الوقت أدركنا أن هناك حاجة ماسة لربط الصحة النفسية بالحقوق المسلوبة والمنتهكة للشعب الفلسطيني بمعنى أن ممارسات الاحتلال تؤدي إلى تدمير وتدهور الصحة النفسية للشعب الفلسطيني، فكان لا بد من إيضاح هذا بطرق مهنيه عن طريق البحث العلمي ونقل الخبرات الحية والقصص الحقيقية وتأثيرات لاحتلال وممارساته إلى المجتمع الدولي وذلك عن طريق المؤتمرات الدولية التي نشارك فيها لإيصال رسالة مفادها أن ممارسات الاحتلال تدمر الصحة النفسية للفلسطينية وتنتهك حقوقهم المختلفة".

التعليقات