استهداف مقاهي الانترنت ومحلات بيع الهواتف الجوالة ومستحضرات التجميل وصالونات الشعر النسائية في غزة

استهداف مقاهي الانترنت ومحلات بيع الهواتف الجوالة ومستحضرات التجميل وصالونات الشعر النسائية في غزة
غزة-دنيا الوطن

لم يدر بخلده عندما استيقظ من النوم فزعاً أن الانفجار الذي هز المنطقة، كان يستهدف مقهى «النت» الذي يملكه في حي «الرمال» وسط مدينة غزة، فكان شعوره بالصدمة عارماً عندما رن الهاتف الجوال ليبلغه أصحاب المحلات المجاورة أن الانفجار قد استهدف محله. أسرع الشاب الذي أنهى العقد الثالث من عمره، ليرى أن محله قد تحول الى ركام بفعل قوة انفجار عبوة ناسفة، قد تم زرعها عند باب المحل، وتم تشغيلها عن بعد. وعلى الرغم من مرور شهر على هذه الحادثة، إلا أن الفزع ما زال يتملك هذا الشاب الذي يرفض الكشف عن اسمه خوفاً على حياته من الذين يقفون خلف عملية التفجير. وعلى الرغم من أنه قد تم تطمينه بأنه لن يتم ذكر اسمه، إلا أنه حرص على عدم الاسترسال في الحديث عما حدث له. العديد من الحوادث المشابهة شهدها قطاع غزة في الآونة الأخيرة، حيث أن جماعات مجهولة تعلن مسؤوليتها عن استهداف مقاهي النت، ومحلات بيع الهواتف الجوالة، ومحلات بيع مستحضرات التجميل النسائية وصالونات تصفيف الشعر الخاصة بالنساء، الى جانب استهداف عدد من الاستراحات على شاطئ البحر. الذين تم استهداف محالهم يؤكدون أنه ليس هناك ثمة ما يبرر استهداف محالهم. فصاحب مقهى النت الذي اشرنا اليه سابقاً يقول إنه قد يحدث أن يقوم بعض مرتادي محله بتصفح مواقع اباحية على الشبكة، لكنه يؤكد أن هذا يحدث في اضيق نطاق، حيث أنه يتم فرض رقابة مشددة من قبله على المتصفحين. ويشير الى أن الأغلبية الساحقة من الذين يرتادون المحل هم من الطلاب الذين يرغبون في البحث عن معلومات لأبحاث يعكفون عليها. ويشير الى أن أفراد بعض الأسر يأتون إليه لكي يتواصلوا عبر خدمة messenger مع اقربائهم الذين يعيشون في الغربة. ويؤكد أنه يتم الفصل بين الرجال والنساء في المحل بشكل تام.

الجهات المجهولة التي تتبنى مسؤوليتها عن هذه الحوادث تشدد على أن ما تقوم به يأتي لأن هذه المحال تشجع على الفاحشة. المصادر الأمنية الفلسطينية تقدر عدد التفجيرات التي استهدفت هذه المحال في الآونة الأخيرة بثلاثين تفجيرا. هذه الجماعات تقوم في الآونة الأخيرة بإرسال تحذيرات الى محلات مقاهي النت والأماكن التي ترى أنها تشكل بؤر لـ«الفساد الأخلاقي»، قبل مهاجمتها. فالعديد من هذه المحلات في المنطقة الوسطى من القطاع تلقت تحذيرات باسم هذه الجماعات.

احدى الجماعات التي تبنت هذه العمليات هي «جماعة سيوف الحق الإسلامية». وتقول هذه الجماعة في أحد بياناتها بأنها أنطلقت من أجل تطبيق شرع الله في أرضه، وأخذت على عاتقها «إنهاء الفساد بكل أشكاله في أرض الرباط وبالوسائل التي تراها مناسبة ولا تتعارض مع شريعتنا الإسلامية وبالأساليب القاسية التي أصبح لا بد منها في وجه بعض الفاسدين الذين اتبعوا الشيطان وسولت لهم أنفسهم زرع الهلاك في أجساد شباب الإسلام وأهله»، على حد تعبير البيان. وقالت الجماعة في بيان آخر «إنها تنفذ شرع الله من خلال رجوعها إلى مرجعيات دينية بهدف معاقبة من يستحق مشيرة إلى أنها لن تتهاون في الرد على أي تجاوز وستنفذ حكم القصاص العادل بإعدام من قالت إنهم رموز الفساد والانحلال». وطالبت الجماعة أصحاب مقاهي الانترنت بإغلاق أبواب مقاهيهم بعد الساعة العاشرة ليلاً، مشددة على أنها لن تسمح بـ«فتح مواخير الليل وسيكون ردها قويا على كل من يخالف ذلك»، مطالبة الأهالي بمتابعة بناتهم وأبنائهم. واضاف البيان «فيجب ألا نكتفي بحدود المعرفة أنهم في الجامعة أو المدرسة، بل على ذويهم متابعتهم حتى في مدارسهم وجامعاتهم، فرفقة السوء أولى خطوات الشيطان لجر الفتاة لطريق الرذيلة والوحل، ونحن وبحمد الله نمتلك قوائم كاملة بأسماء الساقطات والمفسدات واللاتي ينشطن لتحويل الجامعات والمدارس لأوكار للرذيلة، كما أننا نملك أسماء ومعلومات دقيقة حول مجموعة الذئاب البشرية من سائقي سيارات الأجرة والذين ينشطون بحثاً سهل من أعراض هذه الأمة، فنراهم كالكلاب الضالة تنتشر في الشوارع طمعاً في جيفة هنا او هناك، وبإذن الله سنحاسبهم قريباً جداً ليكونوا هم ومن يعاونهم من الساقطات عبرة لمن يعتبر». وأضافت الجماعة في بيانها «إلى كل تجار ومروجي ومتعاطي آفة المخدرات اللعينة، زمن الصمت قد انتهى وجاء وقت الحساب، ولن تحميكم من سيوفنا إلا عودتكم لله عز وجل والإنابة إليه والعودة لصفوف الوطن، سنضرب بيد من حديد على كل يد كان لها دور في زعزعة ثقة وأمن واستقرار هذا البلد الطيب». لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، من هي بالضبط هذه الجماعات المسؤولة عن هذه النعمليات، وهل هي تنتمي الى نسيج تنظيمي واحد؟ لا خلاف بين المراقبين في غزة على أن هذه الظاهرة لا تدل على أن هناك اطارا عقائديا أو ايديولوجيا يقف وراء الظاهرة، وان كان المسؤولون عن هذه العمليات ينتظمون في جماعات على درجة من التنظيم. نهاد الشيخ خليل الباحث في شؤون الحركات الإسلامية يقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الظاهرة لا تدل على أن هناك جهة عقائدية تملك رؤيا واضحة، بل كل ما في الأمر أن هناك مجموعة من الشباب المراهقين استغلوا حالة الفوضى والفلتان الأمني لكي يقوموا بمثل هذه الممارسات. ويرفض الشيخ خليل بالتالي مصطلح «طلبنة» غزة، مشيرا الى أن التجربة دلت على أن مثل هذه الظواهر طفت على السطح فقد عندما سادت الفوضى، وغابت هيبة القانون. ويربط الشيخ خليل بين نشاط هذه الجماعات وبين غياب أجندة وطنية قادرة على حشد طاقات الفلسطينيين وتوحيدها. ويضيف «عندما تشتد المجتمعات الى قضايا كبرى، وعندما تنجح القيادات السياسية في بلورة أجندة وطنية واضحة ومقنعة، فإن هذا الجمهور ينصرف الى الاهتمام بهذه القضايا وتلك الأجندة، لكن عندما لا يشعر الناس بأن هناك قضايا مهمة توحدهم، فإنه عادة ما يتم الانصراف للقضايا الهامشية وغير الجوهرية، ويترك المجال لظهور مثل هذه الظواهر السلبية». ويوجه الشيخ خليل اتهاماً مباشراً للأجهزة الأمنية الفلسطينية التي لا تبدي أي جدية في معالجة القضايا الأمنية. ويضيف أنه عندما يربط أحد قادة الأجهزة الأمنية بين التعاون في تطبيق الخطة الأمنية التي بلورها وزير الداخلية الجديد، وبين التوصل لاتفاق سياسي بين الأطراف الفلسطينية، فإن هذا يدل على أنه لا يوجد نية حقيقية لمعالجة الأوضاع الأمنية المتدهورة، تداعياتها، ومن ضمنها استهداف محلات النت، وغيرها. من ناحيته يتفق وسام عفيفه، مدير تحرير أسبوعية «الرسالة» الصادرة في غزة، والتي نشرت العديد من التحقيقات حول هذه الظاهرة مع ما ذهب اليه الشيخ خليل، بأنه الظاهرة لا تعكس مولد اطار فكري وعقائدي، بل مجرد ظاهرة نمت في ظل حالة الفلتان الأمني. لكن عفيفه في حديث مع «الشرق الأوسط» يشير الى أن الشباب الذين يقومون بمهاجمة هذه المحال هم في الغالب من الكوادر الهامشية في التنظيمات الفلسطينية، وبالتالي فهم يستخدمون في عملياتهم الأسلحة التي تملكها هذه التنظيمات، وان كانت من غير تنسيق مع قيادات تنظيماتهم، بل وبخلاف توجهاتها. ويضيف أن هؤلاء الشباب يستخدمون في عملياتهم قذائف الهاون والعبوات الناسفة والعبوات الجانبية والعبوات التي يتم التحكم بها عن بعد في مهاجمة الأهداف. الى جانب الاعتماد على الرصد وجمع المعلومات الدقيق، وبناء قاعدة بيانات يتم الاعتماد عليها في استهداف هذه المحلات. ويشير الى أن بعض أعضاء هذه الجماعات ليسوا أعضاء في تنظيمات إسلامية خالصة، بل تنظيمات تجمع بين التوجهات الإسلامية والتوجهات الوطنية القومية، حيث أن الفكرة التي توحد هؤلاء هي مواجهة أن الفساد الأخلاقي، الذين يرون أنه الى جانب أنه مخالف لتعاليم الدين، فإنه أيضاً أحد أكبر المعيقات أمام تحرير فلسطين. والأمر الذي يتوجب الإشارة إليه، ويؤكد أن هذه الممارسات ليست جديدة، ولا يمكن ربطها بحركة فكرية واطار عقائدي ناظم، هو حقيقة أن غزة تحديداً شهدت في الماضي الكثير من هذه المظاهر. ففي الثمانينيات من القنر الماضي تم استهداف الأماكن التي توصف عادة بأنها بؤر للفساد الأخلاقي في قطاع غزة. وشهد القطاع في تلك الفترة سلسلة هجمات نفذها شباب متدينون غير منظمين على المقاهي، كما تم استهداف المحلات التي ادعى في حينه أنها تبيع الخمور، كما كان يتم مهاجمة الذين يقومون بالإفطار في نهار رمضان. ومواجهة ما يوصف بـ«الممارسات غير الأخلاقية»، لا يرتبط كثيراً بالطابع الأيديولوجي للتنظيم الفلسطيني. فعند اندلاع الانتفاضة الأولى في أواخر عام 1987، قامت التنظيمات العلمانية واليسارية بدور لا يقل عن الدور الذي قامت به التنظيمات الإسلامية في مواجهة مروجي المخدرات والخمور والمتورطين في أعمال غير اخلاقية. فكان نشطاء التنظيمات الفلسطينية المختلفة يقومون باختطاف تجار المخدرات ومن تدور حولهم شبهات بالعمل بالدعارة، والذين يتعرضون للنساء في الطرقات ويتم التحقيق معهم، وفي حال ثبت تورطهم تتم معاقبتهم، وأحياناً يتم معاقبتهم أمام حشد من الناس. وهناك انطباع لدى الكثيرين في القطاع أنه في ظل حالة الفلتان الأمني التي تعيشها مناطق السلطة الفلسطينية وتحديداً، قطاع غزة، فإن البعض ومن أجل مصالح شخصية وحسابات خاصة قد يستخدم اسماء لجماعات غير موجودة على أرض الواقع لكي يحقق مصلحة ما، أو لينتقم من شخص ما. والذي يعزز الانطباع بأن حسابات خاصة واعتبارات شخصية تقف وراء بعض هذه الأعمال هو حرق بعض محال بيع ملابس الأطفال في غزة بزعم ممارسات غير اخلاقية. فصاحب احد هذه المحال، الذي رفض الكشف عن اسمه، يقول إن محله يرتاده الزبائن من جميع الأعمار، وأنه في أشد الكوابيس لم يكن يتوقع أن يتم حرق محله لأسباب اخلاقية. لم تقف الأمور عند استهداف مقاهي النت ومحلات بيع الزينة وغيرها من محال، بل امتدت الظاهرة لتستهدف بعض الكتاب والصحافيين. فالكاتب سليم النفار القيادي في جبهة النضال الشعبي، تلقى تهديداً من إحدى هذه الجهات تنذره فيه بأنها ستستخدم وسائل رادعه لثنيه عن كتاباته. وقال سليم نفار الذي تلقى التهديد انه وجد رسالة أمام باب المنزل موقعة من جماعة تطلق على نفسها «سيوف الحق الإسلامية» تنذره باستخدام وسائل رادعة اذا واصل كتابة المقالات الناقدة، مشيرا الى أنه دأب على كتابة وجهات نظره فيما يجري في الساحة الفلسطينية في مواقع الكترونية متعددة. لكن جماعة «سيوف الحق الإسلامية» نفت بأن يكون لها أية علاقة من قريب أو بعيد بالتهديد الذي أطلقه البعض ضد أحد الكتاب والذي يتبع لإحدى المؤسسات الفلسطينية، في إشارة الى النفار. وهذا أن دل على شيء، فإنما يدل على السهولة الكبيرة التي تمكن البعض من الادعاء بالانتماء الى تنظيمات وهمية، واستخدام ذلك في تهدد الآخرين والإساءة إليهم، وذلك بسبب حالة الفلتان الأمني والغياب التام لسلطة القانون. ومن الشواهد على سهولة استغلال حالة الفلتان الأمني واستغلال هذه الظاهرة في تنفيذ عمليات جنائية، هو قيام مجموعة من الاشخاص باختطاف شاب يملك مقهى نت في مدينة خان يونس وسلبه مبلغ 500 دولار كانت بحوزته.

الدكتور يحيى موسى نائب رئيس كتلة حماس البرلمانية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الذي يسمح لهؤلاء الشباب بالعمل هو حالة الفلتان الأمني فقط، مشيرا الى أنه في حال تم ضبط الأمن، فإن هذه الممارسات ستزول فوراً. ويشير موسى الذي كان يعمل استاذاً للتربية المقارنة في الجامعة الإسلامية بغزة أن هؤلاء الشباب يدفعهم الحماس والجهل للقيام بمثل هذه الأنشطة. واشار الى أن مواجهة هذه الظاهرة يتطلب وجود ثلاثة مركبات: المركب الأمني، والمركب القانوني، والمركب الثقافي، محذراً من أنه لا يتوجب الاعتماد على التعامل الأمني فقط من اجل وقف هذه الظاهرة، مشدداً على ضرورة أن يتم وضع حد لأي نشاط يهدف الى اختراق النظام العام. أما الدكتور غازي حمد الناطق بلسان الحكومة الفلسطينية فيقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة الفلسطنيية تولي اهمية كبيرة لوقف هذه المظاهر، مشيراً الى أن الخطة الأمنية التي بلورها وزير الداخلية تهدف الى مواجهة هذه الظاهرة. وأضاف أنه من حق الحكومة والأجهزة الأمنية فقط مساءلة اصحاب مقاهي النت في حال كان هناك شبهات حول ممارسات غير اخلاقية، وليس هذا من حق أي انسان آخر مهما كان. وأضاف أن احتكار استخدام القوة هو في يد الحكومة والحكومة وحدها.

التعليقات