طقوس فريدة لصحافية أجنبية تعلمت 75 رقصة قبل زفافها بالسودان

غزة-دنيا الوطن

كان على أوفيرا مكدوم، مراسلة وكالة رويترز للأنباء في السودان، أن تتقن حوالي 75 رقصة من جميع أنحاء البلاد، قبل ليلة زفافها، ففي هذه الليلة يجب عليها أن تؤدي تلك الرقصات أمام جمع صغير من أقربائها وأقرباء عريسها السوداني، كما تجري العادة. وربما لم يتسن لمكدوم التي تتحدر من أصول كاريبية هندية، أن تتعلم كل تلك الرقصات، لكنها اضطرت للخضوع لكل الطقوس المتبعة في السودان.

قبل 3 أسابيع من زواجها كان على أوفيرا أن تتوجه إلى دارفور، وهو أمر غير مألوف بالنسبة لعروس في السودان. إذ تلزم العروس بيتها ما لا يقل عن شهرين قبل زفافها لتعرّض جسدها باستمرار للتدليك بمواد محلية، ثم الجلوس على حفرة تشعل فيها أخشاب طيبة الرائحة لاضفاء لون جميل على الجلد وتعطيره برائحة جذابة.

أفراح تمتد أسبوعا

لكن أوفيرا لم تكن لتضيع على نفسها فرصة قبول السلطات السودانية بسفرها إلى دارفور بعد تعنت دام 3 أشهر. وتقول أوفيرا: "يسألني الناس عادة كيف يمكنني ربط نفسي بالسودان الى الابد بعدما قمت بتغطية أسوأ الاحداث التي شهدها هذا البلد في مناطق صراع مثل دارفور.. اعتقد انني فهمت في نهاية المطاف قوة الحب".

وتوضح أن الاخبار التي تغطيها عادة ما تكون قاتمة. لكن العيش في السودان لـ 3 أعوام منحها فرصة تصفها أنها فريدة لرؤية جانب "في هذا المكان الرائع لا يفهمه سوى القليل من الناس". ورغم دور الحرب والاضطهاد في تمزيق نسيج المجتمع في كثير من أنحاء السودان الا أن الروابط العائلية القوية أبقت الناس متماسكين حسب رؤية أوفيرا التي تعتقد أنها كانت غريبة عندما وصلت الى السودان، ووحيدة في مكان لا يوجد به سوى قلة من الاجانب، لكنها كانت موضع ترحيب من كثيرين في عائلة الشاب الذي سيصبح زوجها في ما بعد.

وزوجها محمد عمر عبد العاطي من شمال السودان ويدير شركة خدمات جوية والجامعة الكندية بالسودان. وتقول: "أنا وزوجي مسلمان وفي التاسعة والعشرين من العمر وكانت لنا نفس دائرة الاصدقاء طول عامين لكننا لم نتقارب من بعضنا البعض حقا حتى عام 2005. وعندما تقاربنا كان لقاؤنا في مزيج ثري للثقافتين العربية والافريقية حيث لا تهيمن ثقافة على الاخرى رغم سياسة تلقين المبادئ التي تتبعها حكومات عديدة. وعلى سبيل المثال تواصل حفل زفافي على مدى اسبوع".

الجرتق وحناء العروس!

وتعلق أوفيرا أن من الطقوس السودانية المتبعة في حفلات الزواج ما يعرف باسم "الجرتق" حيث يتبادل العريس وعروسه بخ اللبن في وجه بعضهما تفاؤلا بأن حياتهما ستكون نقية خالية من المشاكل. وتطلق النساء وهن تغنين وتنشدن البخور ويرششن العطور ويشكلن دائرة محكمة حول العروسين. ويرتدي العريس رداء أبيض ويحمل سيفا كبيرا بينما ترتدي العروس ثوبا احمر زاهي اللون وتضع حليا كثيرة من الذهب تنوء بحملها.

وتضيف "أمضت أسرتي السودانية ساعات طويلة في صنع العطر التقليدي. واحضروا ما أسموه أظافر وهي كائنات بحرية من الشرق الاقصى وقاموا بحشو تفاح بحفنات من القرنفل وتركوه ليجف. وبعد ذلك يغلى الخليط في وعاء ضخم ويصب في النهاية في أوان من البلور تحفل بروائح مدهشة ليوم وليلة. والنتيجة الخلابة تفوق كثيرا عطور شانيل الشهيرة. ويجب أن ترقص العروس امام النساء من الاسرتين. اهتز مثل شاكيرا هذا ما ظننته.. يا له من مرح.. حتى اكتشفت ان الامر يقتضي تعلم نحو 75 رقصة قبلية مختلفة بما في ذلك هز الكتفين على الطريقة الاثيوبية".

وتوضح أوفيرا أن في الايام الخوالي كانت العروس ترقص وهي مرتدية تنورة من اوراق الحشائش ولا شيء سواها لتظهر لقريبات زوجها انها ستتمتع بالخصوبة. وفي الوقت الحالي ترتدي العروس ملابس ولكنها تكشف أكثر مما تغطي. ويشارك الجميع في الاعداد لحفل الزفاف السوداني. عشرات من الاهل والاصدقاء يعملون على اعداد الاطباق رائعة المذاق وتصميم الزينات المتقنة.

ويرسل الاقارب الذين يعيشون في الخارج لفافات تحتوي على مكونات هامة تتراوح بين وصلات الشعر اللازمة في رقصة العرس الى الشموع وكميات كبيرة من الحلي المصنوعة من الذهب والثياب. والشيء الذي يتوقع من العروس القيام به هو لا شيء تقريبا. ولمدة شهر على الاقل قبل الزفاف تمكث العروس السودانية في المنزل ويجري تدليكها يوميا بمزيج يصنع من مسحوق جذور الكركم والبن واللوز المسحوق والارز وخشب الصندل.

وتوضع العروس بعد ذلك على حافة حفرة تمتليء بخشب طيب الرائحة تشعل فيه نار هادئة لاضفاء لون جميل على الجلد وتعطيره برائحة جذابة. وتبدأ طقوس الرسم بالحناء الشهيرة على اليدين والقدمين. وعندما تظهر العروس في يوم الزفاف يخطف لون بشرتها الرائع الابصار.

2000 مدعوا

وتقول أوفيرا "وجهت الدعوة لافراد من اسرتي وأصدقاء من مختلف انحاء العالم لحضور حفل زفافي وحضر 2000 مدعو ليلة الثوب الابيض في فندق بالاس على ضفاف النيل في الخرطوم لانني اردتهم ان يروا هذا .. الجانب الاخر من السودان. لكنني عروس سودانية غير تقليدية الى حد ما اذ قبل زواجي بثلاثة اسابيع ذهبت الى دارفور مرة أخرى فيما أسماه احد اصدقائي اندفاعة الحرية الاخيرة".

وتضيف: " كانت السلطات منعت دخولي الى دارفور قرابة ثلاثة أشهر وأخيرا حصلت على تصريح بالسفر. والاشخاص الذين يعانون من الصراع هناك ويصل عددهم الى مليونين ونصف، يمكنهم فقط تخيل الترف على شاطيء شهر العسل بينما يكابدون الشعور بالمرارة في مخيمات يخيم عليها البؤس وينتابهم خوف بالغ من العودة لديارهم ويعتمدون على المعونات التي يقدمها لهم عمال الاغاثة. ويقول زوجي انه يريد ان يكون أطفالنا جزءا من الجيل الذي سيعيد بناء السودان كأمة متساوية بعد سنوات عديدة من الحرب الاهلية واتفاقات السلام المتداعية. وامل فقط الا يستغرق الامر كل هذا الوقت".

التعليقات