النائب عن حماس في التشريعي د.سيد أبو مسامح:لا مانع لدينا من أن تكون إسرائيل دولة مدنية بمرجعية يهودية

النائب عن حماس في التشريعي د.سيد أبو مسامح:لا مانع لدينا من أن تكون إسرائيل دولة مدنية بمرجعية يهودية
غزة-دنيا الوطن-أمد للإعلام

عام مضى على حكم حماس وتشكيلها للحكومة العاشرة للسلطة الفلسطينية، بعد فوزها الساحق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية التي جرت في السادس من كانون ثاني/يناير 2006، ولم يكن هذا العام كأي عام عرفه الفلسطينييون من قبل، فكان مشحوناً ومشبعاً بقضايا قديمة وجديدة أثقلت كاهلهم، اقتتال داخلي بين فتح وحماس، فلتان أمني، حصار دولي، انهيار اقتصادي، ممارسات الاحتلال التي لا تنتهي، كل تلك البنود تحولت إلى أثقال أوثقت بزمن الفلسطينيين فمر عامهم الماضي بطيئاً وكأنه دهر!. وإن كانت حماس لا تتحمل وحدها مسؤولية الأوضاع المتردية التي صاحبت عامها الأول في الحكم، وللإنصاف فإن الحصار الدولي وممارسات إسرائيل بالاضافة إلى بعض المناكفات الداخلية كان لها النصيب الأكبر في تأزيم موقف الحكومة. إلا أن الحركة في نظر الكثيرين تتحمل هي أيضاً جزءاً مهمهاً من المسؤولية عن هذا الواقع المأزوم، بسبب أخطاء ارتكبتها خلال العام المنصرم سواء في سياستها أو في إدارتها للحكومة. ومن ضمن الأصوات الناقدة البعض ممن دعموا وساندوا حكومة حماس كالجبهة الشعبية التي كانت قاب قوسين أو أدنى من المشاركة في حكومة إسماعيل هنية الأولى والدكتور عبد الستار قاسم الأكاديمي المعروف صاحب التوجه الإسلامي وغيرهم كثر، ولا يخلوا الأمر من بعض الأصوات التي تسمع من داخل حركة حماس نفسها، وإن كانت خافتة ومقتضبة، ونشير هنا إلى مداخلة الزهار في جلسة الثقة الأخيرة في المجلس التشريعي، وحديث ضيفنا في هذا الحوار.

د.سيد أبو مسامح، هو رجل رصين، هادئ، في العقد السابع من عمره، كان في يوم من الأيام عضواً في القيادة الأولى لحركة حماس، وهو اليوم يشغل مقعداً في المجلس التشريعي عن الحركة، ويعد من أهم المفكرين والمحدثين داخل حماس. واكب الحركة منذ نشأتها، وكان له دور في صياغة برنامجها ورسم سياساتها طوال تسعة عشر عاماً هي عمر حماس، لذلك هو أفضل من يمكن أن يعطي التفسير والشرح لمواقف الحركة الأخيرة المحيرة بالنسبة للعديد من المتابعين ولجمهور الحركة نفسها، رابطاً إياها بالبعد الأيديولوجي والفكري.

توجهنا في هذا الحوال إلى الدكتور أبو مسامح بعدد من الأسئلة/المداخلات ليعلق عليها، ووضعناه أمام المآخذ والمثالب على حماس وأدائها في الحكم، واتسع صدره ليجيب عليها، وهو صاحب السمعة بالاعتدال وتقبل الرأي الآخر.



د.سيد أبو مسامح، نرغب بداية في أن نتعرف منك على تفسير ما يعرف بالهدنة طويلة الأمد التي طرحتها حماس عند بداية تشكيلها لحكومتها الأولى، الكثيرون يرون فيها سلام وقبول بالتطبيع في جوهرها لكن بلغة أخرى، وهي في نظرهم أيضاً التعبير الحمساوي عن ما يعرف اصطلاحاً ب"الحل الدائم"، ما رأيك بذلك؟.

الهدنة هي مصطلح إسلامي وتحدده المرجعية الإسلامية، والهدف منه إقامة سلام مؤقت طالما أن دائرة الحقوق لم تكتمل. والهدنة ليست بدعة فلسطينية في العصر الحديث، فألمانيا على سبيل المثال وقعت معاهدة "فرساي"، لكن الاختلاف أننا في الإسلام نحترم معاهداتنا ونلتزم بأجلها الزمني طالما أن العدو ملتزم بها، أما في الوضع الدولي فإن المعاهدات تنقض وتتغير عند تغير موازين القوى، أي أنها عملياً متغيرة حتى وإن سميت دائمة.

إذن على هذا الأساس ألا تتوافق عملياً هذه الدعوة لهدنة طويلة الأمد من حيث المبدأ مع اتفاقيات أوسلو وغيرها من الاتفاقيات التي وقعتها قيادة منظمة التحرير؟.

من وجهة نظر الحركة الإسلامية لا، لأن مرجعياتنا الإسلامية تؤمن بالمرحلية، فما دمت متمسكاً بحقوقك لا ضير من أي اتفاق مرحلي. لكن من الممكن في إطار إدارة الصراع، الربط بين المرحلي والاستراتيجي، كما هو موقف الجبهة الشعبية مثلاً التي ربطت المرحلي بالاستراتيجي عندما اعتبرت أن حق العودة هو المدخل إلى استعادة كل فلسطين.

هل ترفض حماس التفاوض مع إسرائيل بشكل قطعي أم يمكن أن تقبلها وتمارسها بحسب شروطها أو إطارها الشكلي؟.

رفضنا للمفاوضات ليس رفضاً مبدئياً، بل هو يأتي من منطلق سياسي.

هناك من يقول أن حركة حماس منذ ولوجها إلي رأس السلطة إثر الانتخابات التشريعية الثانية، تراجعت عن الكثير من المواقف والمبادئ التي ميزتها طوال 19 عاماً كحركة مقاومة رافضة لأي شكل من أشكال التسوية، وربما كانت هناك إشارات تدعم أقوال هؤلاء، فعلى سبيل المثال قد خلا برنامج حماس الانتخابي من أي ذكر للمقاومة، واختزل كل موضوع النضال من اجل التحرر في بند واحد تحدث عن "الإلتزام بهدف دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وحماية الشعب الفلسطيني بالوسائل المناسبة كافة" إضافة إلى مشروع "الهدنة الطويلة الأمد" والتي تعرضت لنقد كبير، مروراً بمشاورات المستشار أحمد يوسف المثيرة للجدل مع أطراف أوروبية، انتهاءً باتفاق مكة الذي اتهمه البعض بأنه تراجع عن وثيقة الوفاق الوطني، ما تعليقكم على ذلك؟.

لقد وصلنا في النهاية إلى وثيقة الوفاق الوطني، وهي وثيقة تشكل القاسم المشترك للكل الفلسطيني الذي توحد عليها. وكقانون أعتقد أن كل حركة مع ازدياد خبرتها واتساع قاعدتها الجماهيرية وحجم تأثيرها تتغير حساباتها ورؤيتها، لأن الحركة أو الحزب عندما ينمو ويكبر تكبر معه مسؤولياته الوطنية وعليه أن يتحرك وفقها، ولا يستطيع أن يتخذ نفس المواقف التي كان يتخذها وهو صغير عندما كان حراً طليقاً.

وماذا حول ما يعرف بوثيقة أحمد يوسف؟.

أنا كنت معه في الرحلة إلى بريطانيا، وهنا أريد أن أشير إلى أن هذه تعتبر المرة الأولى التي يدخل فيها أعضاء من حماس إلى مجلس العموم البريطاني ويجرون مشاورات ومناقشات، وهذا بحد ذاته يعتبر اختراق لمقاطعة اللجنة الرباعية. وقمنا خلال رحلتنا إلى بريطانيا بزيارة البرلمان البريطاني وأجرينا العديد من اللقاءات هناك، كما التقينا بالعديد من ممثلي مؤسسات المجتمع البريطاني. وخلال المشاورات وضّحنا لهم حقيقة "فقه الهدنة" الإسلامي، فهم يخشون من أي مصطلح إسلامي وحاولنا أن نبين لهم ما المقصود بالهدنة، وقد نفى أحمد يوسف موضوع الوثيقة.

طالما الأمر كذلك، لماذا قال المستشار أحمد يوسف بأن هذه أفكار أوروبية أنا حملتها؟.

هم طرحوا قضايا، لكن نحن من المستحيل أن ننفرد بحلول بدون رئيسنا أبو مازن وإخواننا في الفصائل لأنهم شركائنا في الوطن وبدون الشعب الفلسطيني كذلك، فنحن لا ننفرد بالحلول ولا نقبل بذلك سواء من حماس أو غيرها، لأن هذا خيار شعوب وليس خيار حكومة، وأصلاً نحن لسنا حكومة!، وأكبر كذبة هي أن نصدق أن هناك أعضاء حكومة ومجلس تشريعي، هذا مجرد أمل أن نحدث التراكم حتى نصل إلى ذلك!.

بالعودة إلى التحول في موقف حماس أو ما أسميته النمو، البعض يرى أن ذلك قد حصل خلال فترة قصيرة جداً وبشكل متسارع، وهو ما يجعل الكثيرين يرون فيه تحول دراماتيكي ونوعي وليس مجرد تطور في المواقف يصاحب النمو الطبيعي؟.

في تصوري أن هذا مرده إلى استفادة حماس من تجربة الآخرين، وهذا أمر يحسب لها.

عندما كانت فتح في الحكم كانت تقول للمعارضة ومن ضمنها حماس: أنتم لستم في محك الحكم وأن تجربتنا قادتنا إلى هذه النتيجة، وهاهي حماس اليوم تعيد نفس الشيء؟.

إذا اتبعت حماس فتح في حق، هذا ليس عيب، لكن اخواننا في فتح مازالوا موزعين على أكثر من اتجاه وهم ليسوا اتجاه واحد، فمنهم من ذهب ووقع على وثيقة جنيف، ومن ضمنهم خط يتفق مع حماس فيما تراه. أنا أعتقد أن حق العودة هو الفيصل في هذا لأنه جوهر القضية الفلسطينية، فهو الكاشف الحقيقي لما قامت به إسرائيل من تطهير عرقي وعنصرية بحق الشعب الفلسطيني، وإذا كانت إسرائيل تريد سلاماً حقيقياً فعليها أن تعترف بحق العودة، ونحن في حماس نلتقي مع الذين يتشبثون بهذا الحق ولا يفرطون به حتى وإن اختلفت استراتيجياتنا في الوصول إليه.

لقد صرح أحمد يوسف مستشار رئيس الحكومة لصحيفة الشرق الأوسط يوم الأربعاء 14/3/2007 بأن حماس قد تشهد تغييراً أيديولوجياً، ما الذي يقصده تحديداً بالتغيير الأيديولوجي؟.

التغيرات يمكن أن تكون في المناورات السياسية وفي إدارة الصراع كما حدث في مكة، وهذا قصد الأستاذ أحمد، كما قال خالد مشغل، ونحن ارتضينا في حماس أن ندخل في معادلة حكم وعلينا العمل على هذا المستوى في ضوء الثوابت. وأنا أقول أن ثوابتنا واحدة والاختلاف يكون في استراتيجيات الوصول إليها واستراتيجيات التفاوض.

لقد تحدث عن تغيير في المستوى الأيديولوجي؟.

لا أستطيع تفسير هذا الأمر وأعتقد أنه لم يكن يقصد التغيير الأيديولوجي بل السياسي.

سمعنا في الفترة الأخيرة أصواتاً إسلامية مثل أيمن الظواهري وأخرى مقربة من التيار الإسلامي كالدكتور عبد الستار قاسم يرون في توقيع حماس على اتفاق مكة نوع من التنازل عن الثوابت، ألا يدل ذلك على وجود نوع من الانقسام داخل الاسلام الحركي أو السياسي على خط حماس السياسي بعد تشكيلها الحكومة، على عكس ما كان عليه الوضع قبل ذلك، حيث كانت تحظى بتأييد ومؤازرة مطلقين؟.

نحن نؤمن بحق الجميع في التعبير عن الرأي وتوجيه الانتقاد، وهناك من يوجه ذلك النقد نفسه داخل حماس أيضاً، وهذا الأمر إيجابي ويجب أن نكرسه، والإسلام يعتبر السلطة بيد الشعوب التي تقرر من يحكمها ضمن نظام السلم الاجتماعي، وهي تستطيع أن تختار مرجعية الحكم إن كانت إسلامية أو علمانية أو ماركسية وهذا حقها، وإن لم تخترنا فهذا دليل فشلنا لأننا عجزنا عن تسويق أفكارنا.

هناك من يقول أن حركة حماس منذ ولوجها إلى رأس السلطة إثر الانتخابات التشريعية الثانية، قد تراجعت عن الكثير من المواقف والمبادئ التي ميزتها طوال 19 عاماً كحركة مقاومة رافضة لأي شكل من أشكال التسوية، وربما كانت هناك إشارات تدعم أقوال هؤلاء، فعلي سبيل المثال قد خلى برنامج حماس الانتخابي من أي ذكر للمقاومة، واختزل كل موضوع النضال من اجل التحرر في بند واحد تحدث عن "الإلتزام بهدف دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وحماية الشعب الفلسطيني بالوسائل المناسبة كافة" إضافة إلى مشروع "الهدنة طويلة الأمد" والتي تعرضت لنقد كبير، مروراً بمشاورات المستشار أحمد يوسف المثيرة للجدل مع أطراف أوروبية، إنتهاءً باتفاق مكة الذي اتهمه البعض بأنة تراجع عن وثيقة الوفاق الوطني، ما تعليقكم على ذلك؟.

في عمق فكر حماس قناعة بأن إسرائيل لم توجد إلا نتيجة تخلف الأمة العربية، وليس لأحد أن يتصور أننا نستطيع الوقوف في وجه المشروع الصهيوني دون أن تتقدم الأمة العربية والإسلامية حضارياً، هذا أمر مستحيل، وحماس مدركة لهذا وكل تنظيماتنا الفلسطينية مدركة له أيضاً، ونحن لا نقول بأننا سنحرر فلسطين، ولكن هدفنا هو إبقاء جذوة الحق مشتعلة، لهذا السبب تدخل حماس الانتخابات لأن مشروع المقاومة القوي يجب أن يستند إلى مشروع مجتمعي قوي والعكس صحيح. ومشروع المقاومة لا ينحصر فقط بالطلقة، فهذا شكل من أشكال المقاومة. مشكلتنا أن اتفاقيات الوصل لا يوجد اتفاق علهيا وهذه أزمة في بيتنا الفلسطيني، متى نستخدم هذا الشكل من المقاومة ومتى نستخدم ذاك الشكل، خاصة وأننا في مرحلة تحرر وطني وهناك الكثير من التدخلات في داخلنا الفلسطيني وهذا أمر طبيعي.

حبذا لو أقر في المجلس التشريعي قانون يمنع تشكيل حزب أو حركة إلا إذا كان فيها انتخابات وأن لا يستمر أمينها العام لأكثر من دورتين انتخابيتين. كنت أتمنى أن تقر النسبية الكاملة في الانتخابات، لماذا، لأني أريد أن يأخذ اليسار دوره لتعميق الديمقراطية، هذا هو المهم، تعميق الديمقراطية لا من يسيطر.

هل يمكن أن نشهد في زمن حماس تغيير في قانون الانتخابات لصالح التمثيل النسبي الكامل؟.

أنا أطلب من الله أن يكون ذلك!، لكن القضية بحاجة إلى نضج ذاتي، فهناك داخل حماس أصوات لم تتضح لها هذه الرؤية، وداخل باقية الأطراف الفلسطينية كذلك، فالمرض الاجتماعي عندما يعم يصيب الكل ولا يعرف فتح أو حماس، لذلك نحن نتقاتل على أوهام وأحلام لا وجود لها ولا إمكانية لتطبيقها.

وأنا كنت من الداعمين للكوتة النسائية في الانتخابات التشريعية، حتى تتعزز مكانة المرأة في المجتمع وتشارك بفاعلية في صناعة القرار، وأتمنى أن ينسحب هذا الشيء حتى على الوزارات، ويجب أن تكون المرأة كالرجل في التعامل السياسي وأن تأخذ حقوقها كاملة.

هناك من يقول بأن سبب التغير في مواقف حماس أو النمو والتطور كما تحب أن تسميه، هو أنها قد وصلت إلى الحكم وهي غير مستعدة للتنازل عنه، وأن هذه التجربة هي الأولى للإسلام السياسي أو الحركي في الحكم وتشكل نموذجاً لا يجب أن يفشل؟ ما رأيك بذلك؟.

إن حركة الاخوان المسلمين تقول بكل وضوح أنها مؤسسة تؤمن بالدولة المدنية بمرجعية إسلامية وتؤمن بالانتخابات وبتداول السلطة وبحرية تشكيل الأحزاب بغض النظر عن مرجعيتها الفكرية حتى وإن كان بينها أحزاب شيوعية!!. وكحركة إخوان مسلمين نقبل الدخول في تحالفات كما حصل في الأردن ومصر والجزائر، ونحن في الحركة لا نؤمن بنفي الآخر بل الآخر هو من يحاول أن ينفي وجودنا، لأننا ننادي بتكتل عربي ووحدة عربية مبنية على أساس عقلاني، لذلك الآن نجد أن القوميين والإسلاميين أصبح يجمعهم برنامج موحد أو شبه موحد وباتت مساحة الاتفاق كبيرة بينهم، وهم يعقدون مؤتمرات مشتركة. إن الذي يؤمن بصناديق الاقتراع ويحترم نتائجها، ويرفض تسييس الأمن والقضاء، ماذا يريد برأيكم؟!!، بالتأكيد هو يريد التصحيح. نحن نريد ديمقراطية حقيقية، ذات هامش واسع، ليست كتلك الموجودة في البلدان العربية بهامشها الضيق. وهذه دعوة منا، والدعوة تحتاج إثبات في الممارسة، وعندما تأتي الانتخابات سنشارك بها ونكون أول من يحميها ويقبل بنتائجها مهما كانت، لكن لا يجوز أن يلغى من يأخذ الأغلبية تحت مبرر العودة إلى الشعب، هذا لا يحدث في أي ديمقراطية حقيقية في العالم. فلا يجوز عقد انتخابات مبكرة إلا بموافقة حزب الأغلبية، هكذا هي الديمقراطية.

لكن حماس منذ وصولها للحكم ولغاية اتفاق مكة لم تكرس ما تتحدث عنه من منهج ديمقراطي وحدوي قائم على الشراكة، بل على العكس هي تصرفت كحكومات فتح السابقة في العديد من القضايا؟.

ربما يكون هذا الكلام صحيحاً فيما يتعلق ببعض القضايا، وانا أنقد هذا السلوك، لكن بشكل عام وبأكثر القضايا هذا الكلام لم يحدث بل كان هناك سعي لتحقيق النهج الذي تحدثتي عنه، لكن دائماً عندما يكون هناك مظلوم ويعاد له حقه هناك من يعتبر ذلك نوع من الإقصاء للآخر!. نحن نريد أن نصل إلى مرحلة من الشفافية بحيث تكون كل الوظائف معلنة على الإنترنت، لكن نحن عالم ثالث، وتجاوز التخلف وبناء الديمقراطية بحاجة إلى ثقافة وعمل. وأنا كتيار داخل الحركة آمل بأن يتمكن من يشاء من تشكيل الحزب أو تأسيس الجريدة التي يريد وأن يقولوا ما يريدون بما في ذلك الدعوة إلى سقوط الحكومة برئاسة اسماعيل هينة!. لكن بشرط أن يكون ضمن معايير المهنية بالنسبة للصحافة أي أن يكون هناك صدق في نقل الخبر، لا أن تقلب الحقائق وتزور كما يحدث في بعض الأحيان. أنا أؤمن بأننا لن نتقدم إلا بخلق مناخ حريات صحيح يشتمل على: أولاً تشكيل نقابات حرة وممارسة ديمقراطية حقيقية وانتخابات دورية، ثانياً أن حقوق الإنسان أعلى من القانون لإنها توجد مع الإنسان عند ولادته، ثالثاً حرية الكلمة فلا يجوز أن يخشى أي شخص من قول ما يريد خوفاً من حماس أو فتح أو السلطة، هذا لا يجوز لأنه جزء من إرهاب فكري، أو إرهاب سياسي أو تنظيمي، رابعاً ضرورة الحد من الفقر. هذه العناصر مهمة لخلق مناخ الحريات الذي ننادي به حتى نبدأ بتعميق الديمقراطية وبسط سيادة القانون وتحقيق استقلالية القضاء ونزاهته، والقضاء عندنا مسيس كما هو حال العالم الثالث ككل، لكن نقول الحمدالله نحن أفضل من غيرنا إذا قسنا أنفسنا بالعالم العربي!. وحالة التسييس تطال كل شيء بما فيه الأمن، ففتح تريد أن تسيطر على كل الأجهزة، وحماس تريد هي أيضاً أن تسيطر، وأنا لا أريد لا لفتح ولا لحماس أن تسيطرا.

نفهم من ذلك أنك لست مع تصرف حماس الذي تحدثت عنه كمعالجة للإقصاء السابق؟.

أنا ضد الإقصاء تماماً، وحماس الآن تطرح هذا الأمر للسيد الرئيس ضمن برنامج متكامل، وتقول له أن هذا الوضع لا يجوز أن يستمر ولا بد من أن تكون هناك شفافية في التعيينات والتوظيف.

كيف تقول حماس ذلك، وهي قامت بتعيين عدد كبير من أعضائها في مناصب حساسة ومهمة بعيداً عن كل المعايير التي تحدثت عنها، وتعتبر نفسها وفق منطق المحاصصة بأنها قد أخذت حصتها كحركة فتح؟!.

أنا أتفق مع جزء مما تقولينه، أما أغلبه فلا.

كيف؟.

حماس تمثل نسبة في مجتمع، قد ظلمت في السابق، وحاولنا أن نعيد لهذه النسبة حقها.

وما الاختلاف في ذلك عن سياسة فتح القديمة؟

الموضوع ليس محاصصة، ولكن نحن كنا مظلومين في السابق وما قمنا به هو محاولة لرفع الظلم وأخذ حقنا في الوظائف ضمن القانون، فنحن لم نقم بعمل أي شء خارج إطار القانون، لأن هذا الأمر مرفوض بالنسبة لنا. كانت هناك بعض الممارسات الخاطئة لكنها تأتي في سياق التطبيق، هي مرفوضة ولا مانع في أن نعود عنها.

لكن بالإمكان أن تكون هناك أمور تحت مظلة القانون لكنها غير صحيحة؟.

في هذه الحالة علينا أن نصحح الخلل الموجود في القانون، وأكرر أننا تعرضنا للإقصاء لفترة طويلة، ولا أقول إقصاء بالكامل، حتى لا أظلم إخواننا في فتح وفي السلطة، لكن نحن نريد أن نصل إلى تحقق الشفافية بحيث تكون الوظائف بإعلان وضمن مواصفات.

لكنكم الآن لا تعملون على تحقيق الشفافية التي تتحدث عنها؟.

جزئياً هذا الكلام صحيح، وأنا أوجه نقد ذاتي بهذا الخصوص، لكننا من حيث المبدأ نريد أن نعمل على هذا الأساس، هذا من وجهة نظري. إن الأمور نسبية وهناك فرق بين إنسان ظلم ويريد أن يدفع الظلم الذي وقع عليه ويسترد حقه، وآخر يريد أن يكرس هذا الظلم. نحن يهمنا أن تكون هناك سيادة قانون، لكن سيادة القانون بحاجة إلى قضاء، وأنتم تعلمون كيف تفصل قوانيننا تفصيلاً. وأقول أن النضال لتحقيق هذا النهج الديمقراطي يتطلب عملاً جاداً منا جميعاً، وأنا أدعو الشباب من كل التنظيمات فتح وحماس والشعبية وغيرها إلى أن يعملوا على بناء نظام ديمقراطي حقيقي، فالديمقراطية تؤخذ ولا تعطى. ولا يجوز إغفال أن ثقافة الاستبداد ثقافة مجتمعية وهي مرض مجتمعي وموجودة عند الجميع بمن فيهم أنا، ولا يمكن الخروج من ثقافة الاستبداد إلا بالوعي، فالثقافة معرفة وليدة قيم وعادات وتنتج سلوك، وهي تختلف عن العلم الذي هو معرفة وليدة منهج تجريبي.

وهنا يبرز ما تفضلت به سابقاً بأن المطلوب من حماس ممارسة وليس قول فقط، فقد سمعنا الكثير عن بناء مجتمع مدني وترسيخ مبدأ المواطنة لكن عند التطبيق يضيع معظم الكلام، فعلى سبيل المثال يؤخذ على حماس تعاطيها مع بعض الفئات الاجتماعية، كالنساء والمسيحيين الذين يتعرضون لتمييز من قبل الحركة، كيف يتماشى ذلك مع ما تقوله عن سعي حماس لبناء مجتمتع مدني على أساس المواطنة؟.

أؤكد بأن النساء موجودات في أعلى الهيئات داخل حركة حماس، والمرأة عندنا ممثلة في مجلس الشورى وليس مستبعداً أن تصبح مسؤولة في يوم من الأيام، وهذه حقيقة وليست "propaganda"، وقد قدمت حماس الدعم للأخ حسام الطويل في الانتخابات التشريعية وهو مسيحي ومن خيرة الرجال من حيث الوعي والالتزام الوطني.

لكن لا يسمع للنساء صوت داخل حركة حماس؟.

أنا أعترف أننا رغم كل التقدم الذي حصل في وضعية المرأة عندنا مازلنا نتعامل مع النساء على أنهن من الدرجة الثانية (second hand) وهذا نقد أوجهه للحركة الإسلامية. يجب أن نعمل على إرساء المواطنة في المجتمع لنتخلص من كل أشكال التمييز.

ألا ترى بأنه يجب العمل على حركة حماس أولاً قبل الانتقال للمجتمع؟.

هذا الكلام صحيح، قبل أن ننقد الآخرين علينا أن ننقد أنفسنا وهذا ليس عيب، وهو موجود داخل الحركة.

لقد سمعنا مسبقاً عن اعتدالك وتأكدنا من ذلك خلال هذا الحوار، لكن هذا الاعتدال غير موجود عند معظم قيادات حركة حماس، ما رأيك؟.

أعتقد أنه موجود عند الكثير من قيادات حماس.

مع الاحترام، إلا أن هذا الكلام قد يكون موضع شك؟.

لكم الحق في أن تشكوا، هذه وجهة نظر. لكن عليكم أن تعوا بأنه لا يمكن التخلص من آثار مئات السنين من التخلف دفعة واحدة، وما هو موجود في المجتمع من آفات وأمراض موجود في حماس أيضاً لأنها جزء من هذا المجتمع.

ما هو الشكل الأمثل للاصلاح الاداري والاقتصادي برأيك؟.

بناء اقتصاد مفتوح يضمن العدالة الاجتماعية، وفيه حد أدنى للأجور يكفل محاربة الفقر، فلا أفهم أن يأخذ عضو المجلس التشريعي مرتباً كبيراً في الوقت الذي يأخذ فيه المواطن الفقير المعيل لأسرة كبيرة مساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية قدرها 150 شيقل فقط!!. أقول ذلك وأنا عضو في المجلس التشريعي، فهذا أمر لا يجوز فأموال الموازنة العامة هي ليست أموال خاصة لحماس أو فتح لتوزع على هذا النحو غير العادل الذي يستفيد منه كبار الموظفين على حساب المواطن الفقير. هذا رأيي بخصوص هذا الموضوع، قد يكون هناك من يريد اقتصاد إشتراكي أو إسلامي هم أحرار، لكني أرى أن هذا هو الشكل الأصح والأفضل للإقتصاد الفلسطيني، والخيار أولاً وأخيراً يجب أن يكون للشعب.



بالعودة إلى الموضوع السياسي، ما هي رؤية حماس للحل النهائي للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي؟.

نحن رؤيتنا إلى الحل تستند إلى "فقه الهدنة" وعلى ذلك نقبل بأن تكون هناك دولتان في حالة هدنة تجدد عند انتهاء فترتها، وما نختلف به هنا عن الرأي الآخر، بأننا نحترم تعهداتنا تجاه إسرائيل، ولكن لنا حقوق عندها لابد وأن تعطينا إياها وهي حق العودة، وتطبيقه هو ما يثبت أن إسرائيل تريد أن تعيش في هذه المنطقة مع شعوبها بسلام. أعتقد بأن هناك فرق بين إنسان ينادي بتدمير دولة إسرائل، وإنسان آخر يؤمن بأن حركة التاريخ لا بد وأن تأخذ مجراها، فالآن الحدود تتلاشى والعولمة تسير، طبعاً بمعناها الصالح لا بمعناها الطالح، ففي السابق كان اليهود يقتلون في أوروبا، والتجأوا إلى الدولة الإسلامية وساهموا في صنع حضارة، لماذا لا ننظر إلى هذا الأمر ونستلهم التاريخ ونتوقع حركة التاريخ المستقبلية لنعيش فعلاً في سلام حقيقي؟!. لكن هل إسرائيل تعتقد بهذا الشيء؟!، الجواب لا، فهي تؤمن بالتطهير العرقي ونفي الآخر، مؤرخي ومفكري إسرائيل أنفسهم يعترفون اليوم بذلك. إن حماس يهمها السلام في المنطقة والسلام العالمي ومصالح دول العالم، وأن يكون للجغرافية دور، ونحن نتمنى أن تكون هناك علاقة جيدة وطيدة مع أوروبا الجارة لنا، ومع أمريكا أيضاً، كذلك مع الشعب الإسرائيلي، نحن نرغب أن نعيش وإياهم في سلام حقيقي قائم على إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه.

ألا يمكن أن يفهم من كلامك هذا أن حماس تنازلت عن حلم فلسطين التاريخية، وقبلت بمبدأ دولتين لشعبين؟.

لا، حماس تقول نحن نقبل بذلك كهدنة متجددة، حتى لا نضيع حقنا ونبقي الصراع مفتوحاً!، فلا يمكن أن نقبل بإسرائيل كدولة بشكل نهائي ونضيع حوالي 80% من أرض فلسطين، إسرائيل قامت بطرد الشعب الفلسطيني وجاءت كجزء من مشروع استعماري وهي تريد أن تبقى دولة نووية تهدد الدول العربية المجاورة، حتى علم إسرائيل يعبر عن ذلك، هم يريدون أن تبقى دولتهم دولة يهودية عنصرية، وبالمناسبة إن ما نقصده بمصطلح الدولة الإسلامية يختلف عن مفهوم دولتهم اليهودية، فالدولة الإسلامية هي دولة لجميع مواطنيها دون تمييز بينهم، والمشروع الحضاري الإسلامي الذي نؤمن به هو مدخل للمشروع الحضاري الإنساني الذي تعيش فيه البشرية بسلام ضمن الاختلاف وليس ضمن التوافق، فالعامل المشترك الإنساني عامل كبير جداً، هذا الأساس، لا شك بأن هنالك أزمة في الفكر الإسلامي، وأقصد بالطرح المتطرف، وهذا موجود لدى الطرف الآخر و"لبرمان" أكبر دليل على ذلك، وفي طرح حماس نقول بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية ولا وجود عندنا لمصطلح "Theocratic"، ولا مانع لدينا إن هم قالوا دولة مدنية ذات مرجعية يهودية!.

ولماذا تتوقع أن تقبل إسرائيل وتؤمّن لهذا المنطق؟.

القضايا في الأصل هي مصالح وموازين قوى، وإسرائيل لن تقبل بذلك كرما لعيوننا!.

وفيما يخص قضية القدس؟.

القدس هي قضية متفق عليها عند كل الفلسطينيين، شأنها بذلك شأن كل الثوابت الوطنية التي لا يختلف عليها أحد، وتضمن في إلتزام وفق "فقه الهدنة".

لكن هذه القناعات التي تفضلت بها ليست موجودة عند جميع قيادات حركة حماس، ولهذا يتحدث البعض عن وجود انشقاق داخل حركة حماس بين متشددين وليبراليين أو معتدلين؟.

كقانون طبيعي، كل تنظيم فيه ديمقراطية داخلية لابد أن يوجد فيه أكثر من اجتهاد، لكن الذي يحسم الامر هو مؤسسات الحركة، وهو ما يحصل عندنا. ونقر بأن لدينا اجتهادات متعددة وهي دلالة على الصحة لا على المرض، وفي لائحتنا الداخلية الجديدة نص واضح يمنع أن يستمر الأمين العام لأكثر من تسع سنوات وهذا جزء من النمو والتطور في الحركة، وأبو العبد هنية مثلاً هو من جيل أبنائي، وأنا كنت موجوداً في الحركة قبل أن يولد!، وفي يوم من الأيام كنت مسؤول الحركة، والآن لست في هذا الموقع، وجاء جيل شاب ليستلم القيادة.

التعليقات