فلسطينيو 48: التعامل الأمني مرده اعتبار الأقلية العربية جسماً مشبوهاً وطابوراً خامساً
فلسطينيو 48
بقلم:د.احمد الطيبي
في الأيام الأخيرة، طفت على السطح مجدداً قضية «عرب 48» وذلك في أعقاب تقرير لرئيس المخابرات الإسرائيلي «الشين بيت» (وكيف لا!) يوفال ديسكين، يحذر فيه من تنامي ظاهرة التطرف في أوساط الجماهير العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، إلى درجة ذهب فيها إلى القول إنهم يشكلون «تهديداً استراتيجياً» لدولة إسرائيل في المدى البعيد، بل انه ذهب إلى القول إن هناك تناميا لظاهرة تأييد إيران(!).
بادئ ذي بدء فنحن نستهجن وبشدة كون كل مداولة أو تطرق أو بحث أو نقاش تجريه الحكومة الإسرائيلية، علناً كان أم سراً، فإن الجهة التي تتولى الحديث عنا هي جهاز المخابرات الإسرائيلي، وهذا بحد ذاته مؤشر على نظرة المؤسسة الحاكمة للأقلية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل. إننا نتحدث عن 20 في المائة من السكان في إسرائيل، وهم مواطنون طبقاً للقانون، وعليه فإن التعامل معهم يجب أن يكون عبر المؤسسات المدنية وليس عبر أذرع السلطة الأمنية على إخلاف أنواعها. إن التعامل الأمني مرده اعتبار الأقلية العربية جسماً مشبوهاً وطابوراً خامساً، إلى درجة اعتبارها عدواً يجب الانقضاض عليه بدلاً من مشاركته في عملية صنع القرار المدني ومقاسمته موارد الدولة طبقاً لمبدأ المساواة في الحقوق، وخاصةً أننا نتحدث عن أقلية تتكون من السكان الأصليين وليس عن مجموعات مهاجرة استقدمت إلى البلاد طوعاً أو عنوة.
أصف دائماً الشعب الفلسطيني بأنه مثلث هندسي. ضلع القاعدة فيه يتشكل من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، والضلع الثاني هم فلسطينيو الشتات، أما الضلع الثالث فهم فلسطينيو 48 الذين صمدوا وبقوا في أرضهم، أرض الآباء والأجداد، في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة. صحيح أننا الضلع الأصغر، ولكن بدوننا هذا المثلث لن يكون مثلثاً هندسياً على الإطلاق. كذلك، فنحن جزء لا يتجزأ من الأمة العربية بتراثها وحضارتها وتاريخها ومستقبلها وأبعادها المختلفة، إلا أننا نملك خصوصية المكان والزمان، فعندما أقيمت إسرائيل عام 1948 على أنقاض فلسطين وشعبها الذي شرد وتشرد، بقي في هذا الوطن ما يقارب 150 ألفاً من الفلسطينيين أعطيت لهم المواطنة والجنسية الإسرائيلية فأصبحوا مواطنين إسرائيليين طبقاً للقانون. وعليه نقول دائماً إن هنالك بعدين أو شقين في هوية العربي داخل إسرائيل، البعد الوطني والقومي: فلسطيني عربي، والبعد الثاني وهو المدني: المواطنة الإسرائيلية.
إسرائيل تسوق نفسها على أنها نظام ديمقراطي ليبرالي مطلق، إلا أنها تعرف نفسها طبقاً لقانون أساس بأنها دولة يهودية وديمقراطية، ونحن نقول أن هذا التعريف يملك الشيء ونقيضه فلا يمكن أن تكون ديمقراطياً، تؤمن بالمساواة، بينما تعرف نفسك عرقياً أو دينياً، وهكذا تفضل اليهودي في الدولة اليهودية على غير اليهودي في كل صغيرة أو كبيرة.
إن العلاقة الجدلية القائمة بين المواطن العربي ومؤسسات الدولة لا يمكن أن تحل طالما بقي منظور التعامل أمنياً وعدوانياً بالإضافة إلى التعامل الفوقي بأسلوب الحكام العسكريين، مع استمرار انتهاج سياسة التمييز العنصري في كافة المجالات وخاصةً في مجالات الأرض والميزانيات والتخطيط والبناء وعدم استيعاب الأكاديميين العرب في سوق العمل، الخاص والعام، ومنـــــاهج التدريس وأوضــاع المــدارس، ومجالات الزراعة وعدم التصنيع والسيطرة على الأوقاف الإسلامية وغيرها. إن الجماهير العربية وقيادتها في لجنة المتابعة العليا تؤكد أن نضالها هو من أجل المساواة في الحقوق، عبر نقاش مستمر وشرعي حول هوية الدولة وقوانينها ومستقبلها، من دون نسيان ماضيها، وعبر التأكيد على هويتنا العربية وحضارتنا الإسلامية. إن مطالبتنا الدائمة بالاعتراف بنا كأقلية قومية هي مطلب شرعي له ما يبرره، أسوة بالأقليات القومية الأخرى في العالم، ويجب عدم تفسير ذلك على أنه تهديد لكيان الدولة الإسرائيلية. كما أن مطالبتنا بأن تكون إسرائيل «دولة كل قومياتها» تبعاً لذلك، هي الحل الأمثل والأكثر مناسبةً لواقع الحياة في هذه الدولة لكي تكون ديمقراطية متعددة الثقافات وليس ديمقراطية عرقية لليهود فقط، حيث يضمن ذلك الحقوق الفردية والجماعية على حد سواء، بينما اصطلاح وفكرة «دولة كل مواطنيها» الذي أوردته صحيفة «معاريف»، في خبرها المنسوب لتقرير ديسكين، لم يرد في أي من الوثائق والأوراق التي صدرت حتى الآن، وخاصةً أن هذا المفهوم يتحدث أساساً عن الحقوق الفردية وليس الجماعية من خلال خلق هوية إسرائيلية شاملة ومشتركة للجميع، مثال فرنسا، لا تتناسب وواقعنا القومي، ولذلك فقد بهت بريق هذا الاصطلاح منذ زمن بعيد بعد أن كانت شولميت ألوني قد بادرت له في بداية الثمانينات.
إن الدولة الإسرائيلية هي المطالبة بإثبات اهتمامها واعتنائها وإخلاصها لمواطنيها ولحقوقهم وأن تتفهم حرصنا على صيانة هويتنا الوطنية والثقافية وعلى خصوصية انتمائنا القومي.
إن المشاركة المدنية الكاملة، كما تطرح الحركة العربية للتغيير، للأقلية القومية العربية في إطار ديمقراطية متعددة الثقافات هي الحل الأمثل الذي يجب أن يكون بديلاً لتعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وسن قانون أساس المساواة الذي ما زال غائباً عن مجموعة قوانين الأساس في دولة إسرائيل، هما الآلية التي بمقدورها تقليص الهوة بين الغالبية اليهودية والأقلية العربية في هذه البلاد، وأن تجعل من المواطنة قيمة كفيلة بالحياة المشتركة على أساس من الندية، بعيداً عن قيم العنصرية والتفكير النمطي التي تغزو المجتمع الإسرائيلي وتتصدر صباحه وظهره ومساءه.
فقط عندئذ يمكن الحديث عن ديمقراطية لكل الأفراد ولكل الجماعات ـ فالديمقراطية في نهاية المطاف ليست حق الأغلبية في الحكم والسيطرة وحسب، إنما وعلى الأخص حق الأقلية في أن تكون مختلفة، ولكن متساوية، وهذا هو الأساس.
* رئيس الحركة العربية للتغيير وعضو الكنيست الإسرائيلي
بقلم:د.احمد الطيبي
في الأيام الأخيرة، طفت على السطح مجدداً قضية «عرب 48» وذلك في أعقاب تقرير لرئيس المخابرات الإسرائيلي «الشين بيت» (وكيف لا!) يوفال ديسكين، يحذر فيه من تنامي ظاهرة التطرف في أوساط الجماهير العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، إلى درجة ذهب فيها إلى القول إنهم يشكلون «تهديداً استراتيجياً» لدولة إسرائيل في المدى البعيد، بل انه ذهب إلى القول إن هناك تناميا لظاهرة تأييد إيران(!).
بادئ ذي بدء فنحن نستهجن وبشدة كون كل مداولة أو تطرق أو بحث أو نقاش تجريه الحكومة الإسرائيلية، علناً كان أم سراً، فإن الجهة التي تتولى الحديث عنا هي جهاز المخابرات الإسرائيلي، وهذا بحد ذاته مؤشر على نظرة المؤسسة الحاكمة للأقلية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل. إننا نتحدث عن 20 في المائة من السكان في إسرائيل، وهم مواطنون طبقاً للقانون، وعليه فإن التعامل معهم يجب أن يكون عبر المؤسسات المدنية وليس عبر أذرع السلطة الأمنية على إخلاف أنواعها. إن التعامل الأمني مرده اعتبار الأقلية العربية جسماً مشبوهاً وطابوراً خامساً، إلى درجة اعتبارها عدواً يجب الانقضاض عليه بدلاً من مشاركته في عملية صنع القرار المدني ومقاسمته موارد الدولة طبقاً لمبدأ المساواة في الحقوق، وخاصةً أننا نتحدث عن أقلية تتكون من السكان الأصليين وليس عن مجموعات مهاجرة استقدمت إلى البلاد طوعاً أو عنوة.
أصف دائماً الشعب الفلسطيني بأنه مثلث هندسي. ضلع القاعدة فيه يتشكل من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، والضلع الثاني هم فلسطينيو الشتات، أما الضلع الثالث فهم فلسطينيو 48 الذين صمدوا وبقوا في أرضهم، أرض الآباء والأجداد، في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة. صحيح أننا الضلع الأصغر، ولكن بدوننا هذا المثلث لن يكون مثلثاً هندسياً على الإطلاق. كذلك، فنحن جزء لا يتجزأ من الأمة العربية بتراثها وحضارتها وتاريخها ومستقبلها وأبعادها المختلفة، إلا أننا نملك خصوصية المكان والزمان، فعندما أقيمت إسرائيل عام 1948 على أنقاض فلسطين وشعبها الذي شرد وتشرد، بقي في هذا الوطن ما يقارب 150 ألفاً من الفلسطينيين أعطيت لهم المواطنة والجنسية الإسرائيلية فأصبحوا مواطنين إسرائيليين طبقاً للقانون. وعليه نقول دائماً إن هنالك بعدين أو شقين في هوية العربي داخل إسرائيل، البعد الوطني والقومي: فلسطيني عربي، والبعد الثاني وهو المدني: المواطنة الإسرائيلية.
إسرائيل تسوق نفسها على أنها نظام ديمقراطي ليبرالي مطلق، إلا أنها تعرف نفسها طبقاً لقانون أساس بأنها دولة يهودية وديمقراطية، ونحن نقول أن هذا التعريف يملك الشيء ونقيضه فلا يمكن أن تكون ديمقراطياً، تؤمن بالمساواة، بينما تعرف نفسك عرقياً أو دينياً، وهكذا تفضل اليهودي في الدولة اليهودية على غير اليهودي في كل صغيرة أو كبيرة.
إن العلاقة الجدلية القائمة بين المواطن العربي ومؤسسات الدولة لا يمكن أن تحل طالما بقي منظور التعامل أمنياً وعدوانياً بالإضافة إلى التعامل الفوقي بأسلوب الحكام العسكريين، مع استمرار انتهاج سياسة التمييز العنصري في كافة المجالات وخاصةً في مجالات الأرض والميزانيات والتخطيط والبناء وعدم استيعاب الأكاديميين العرب في سوق العمل، الخاص والعام، ومنـــــاهج التدريس وأوضــاع المــدارس، ومجالات الزراعة وعدم التصنيع والسيطرة على الأوقاف الإسلامية وغيرها. إن الجماهير العربية وقيادتها في لجنة المتابعة العليا تؤكد أن نضالها هو من أجل المساواة في الحقوق، عبر نقاش مستمر وشرعي حول هوية الدولة وقوانينها ومستقبلها، من دون نسيان ماضيها، وعبر التأكيد على هويتنا العربية وحضارتنا الإسلامية. إن مطالبتنا الدائمة بالاعتراف بنا كأقلية قومية هي مطلب شرعي له ما يبرره، أسوة بالأقليات القومية الأخرى في العالم، ويجب عدم تفسير ذلك على أنه تهديد لكيان الدولة الإسرائيلية. كما أن مطالبتنا بأن تكون إسرائيل «دولة كل قومياتها» تبعاً لذلك، هي الحل الأمثل والأكثر مناسبةً لواقع الحياة في هذه الدولة لكي تكون ديمقراطية متعددة الثقافات وليس ديمقراطية عرقية لليهود فقط، حيث يضمن ذلك الحقوق الفردية والجماعية على حد سواء، بينما اصطلاح وفكرة «دولة كل مواطنيها» الذي أوردته صحيفة «معاريف»، في خبرها المنسوب لتقرير ديسكين، لم يرد في أي من الوثائق والأوراق التي صدرت حتى الآن، وخاصةً أن هذا المفهوم يتحدث أساساً عن الحقوق الفردية وليس الجماعية من خلال خلق هوية إسرائيلية شاملة ومشتركة للجميع، مثال فرنسا، لا تتناسب وواقعنا القومي، ولذلك فقد بهت بريق هذا الاصطلاح منذ زمن بعيد بعد أن كانت شولميت ألوني قد بادرت له في بداية الثمانينات.
إن الدولة الإسرائيلية هي المطالبة بإثبات اهتمامها واعتنائها وإخلاصها لمواطنيها ولحقوقهم وأن تتفهم حرصنا على صيانة هويتنا الوطنية والثقافية وعلى خصوصية انتمائنا القومي.
إن المشاركة المدنية الكاملة، كما تطرح الحركة العربية للتغيير، للأقلية القومية العربية في إطار ديمقراطية متعددة الثقافات هي الحل الأمثل الذي يجب أن يكون بديلاً لتعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وسن قانون أساس المساواة الذي ما زال غائباً عن مجموعة قوانين الأساس في دولة إسرائيل، هما الآلية التي بمقدورها تقليص الهوة بين الغالبية اليهودية والأقلية العربية في هذه البلاد، وأن تجعل من المواطنة قيمة كفيلة بالحياة المشتركة على أساس من الندية، بعيداً عن قيم العنصرية والتفكير النمطي التي تغزو المجتمع الإسرائيلي وتتصدر صباحه وظهره ومساءه.
فقط عندئذ يمكن الحديث عن ديمقراطية لكل الأفراد ولكل الجماعات ـ فالديمقراطية في نهاية المطاف ليست حق الأغلبية في الحكم والسيطرة وحسب، إنما وعلى الأخص حق الأقلية في أن تكون مختلفة، ولكن متساوية، وهذا هو الأساس.
* رئيس الحركة العربية للتغيير وعضو الكنيست الإسرائيلي

التعليقات