الرواية الإسرائيلية لتفسير العجز عن مواجهة صواريخ الكاتيوشا في لبنان

غزة-دنيا الوطن

تعهد رئيس الحكومة الإسرائيلية، في بداية الحرب الثانية على لبنان، بالقضاء على حزب الله وتدمير ترسانته العسكرية، بما فيها الترسانة الصاروخية. وتؤكد بروتوكولات لجنة الخارجية والأمن وبروتوكولات الحكومة والمجلس الوزاري المصغر، في الأيام الأولى من الحرب، أن قيادة الجيش تعهدت بحسم الحرب بشكل مطلق من الجو. ومع توالي أيام الحرب وارتفاع حجم الخسائر الإسرائيلية، البشرية والمادية، وصمود المقاومة اللبنانية، ممثلة بمقاتلي حزب الله، وتوالي الإخفاقات، بدأ يهبط سقف الأهداف الإسرائيلية وحصل تراجع عن الأهداف التي أعلنت الحرب من أجلها. ومع انتهاء الحرب بدأت ترتفع أصوات الإحتجاج، وتصاعدت حدة الإنتقادات والمطالبة بتشكيل لجان تحقيق مع تكشف حجم الإخفاقات في أداء المستويين السياسي والعسكري.

وضمن القضايا التي تناولتها لجنة التحقيق "فينوغراد" كانت عجز الجيش الإسرائيلي عن مواجهة صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى، بعد أن كان قد تعهد بتدميرها، كما يؤكد ذلك عضو لجنة الخارجية والأمن، شطاينتس، رداً على نفي القيادة العسكرية لتعهداتها، حيث قال في جلسة مغلقة إن" الجيش يكذب وسلاح الجو يكذب. فقد تعهدوا بشكل قاطع بتدمير كافة منصات إطلاق الصواريخ من الجو، ولم يستثنوا من ذلك سوى إمكانية أن يظهر فجأة مقاتل من حزب الله على حمار ويطلق صاروخاً".

ومن الواضح أن هذه الصواريخ قد كبدت إسرائيل خسائر جسيمة بشرية ومادية، علاوة على أنها أدت إلى شل كافة المرافق الإقتصادية والأمنية في منطقة الشمال، وأدت إلى تهجير أكثر من مليون إسرائيلي من الشمال إلى المركز، ووضعهم في الملاجئ لمدة أسابيع، بالإضافة إلى أعباء مالية ثقيلة تكبدتها الحكومة الإسرائيلية في التعويض عن الخسائر والإصابات..

وتدعي التقارير الإسرائيلية، بشكل مغاير لما حصل على الأرض، بأنها تمكنت من تدمير الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى في اليوم الأول من الحرب، وخاصة منصات إطلاق صواريخ "فجر" و"زلزال"، إلا أن الأحداث اللاحقة شهدت سقوط عدد من هذه الصواريخ في منطقة حيفا والعفولة وبيسان والخضيرة.. وبينما تتركز الرواية الإسرائيلية، بشأن العجز عن مواجهة صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى، في أن غالبية الصورايخ قد أطلقت من قطاع صغير مواز لنهر الليطاني، فإن ذلك لا يصرف النظر عما أكدته عدة وسائل إعلام بأن بعض هذه الصواريخ كانت تطلق من مواقع تقع في قطاع حدودي ضيق، بل أكد المحلل العسكري زئيف شيف في صحيفة "هآرتس" إن الصواريخ كانت تطلق من مواقع كان قد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قام باحتلالها، أو من مواقع تقع وراء الخطوط الخلفية للقوات البرية التي توغلت في الجنوب اللبناني.

وللتأكيد على ذلك، على سبيل المثال، ما كتب في حينه في صحيفة هآرتس:" ما حصل في بنت جبيل تكرر في عيتا الشعب، وبالرغم من إحتلال القرية، إلا أن مقاتلي حزب الله لا زالوا فيها، ومرة ثانية دارت المعارك، وثانية وقعت إصابات بالرغم من كون القرية محتلة". وتضيف الصحيفة أن مقاتلي حزب الله تحصنوا في خنادق تحت الأرض مموهة بشكل جيد، وعندما يسود الهدوء في المنطقة يخرجون من الخنادق وينصبون الكمائن التي تطال الآليات العسكرية، وتقع الإصابات مرة أخرى، كما يتم إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل من مناطق محتلة. وتتابع:" بالرغم من التقدم في العمق اللبناني، فإن مقاتلي حزب الله الذين كانوا في الخنادق يستطيعون مواصلة إطلاق الصواريخ. أي أن إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل يكون من وراء وحدات الجيش الإسرائيلي التي تقدمت".

ورغم أن الحرب أثبتت حقيقة واضحة تؤكد على أن المقاتل المدرب بشكل جيد والذي يملك الأسلحة المتطورة، والأهم أنه لديه الإستعداد والمحفزات للقتال إذا اقتضى الأمر، قادر على مواجهة أعتى الجيوش، إلا أن التحليلات الإسرائيلية لا تزال تبحث في أسباب العجز عن مواجهة صواريخ الكاتيوشا، مع الإشارة هنا إلى تقارير سرية إسرائيلية كانت قد أكدت قبل أكثر من سنتين على أن الجيش لن يكون قادراً على مواجهة مقاتلي حزب الله في حال اندلعت الحرب على الحدود الشمالية.

وفيما يلي نورد الرواية الإسرائيلية للعجز وفقما جاءت في صحيفة "هآرتس" بحسب النتائج والتحقيقات والشهادات التي عرضت غالبيتها على لجنة "فينوغراد":



19/02/2007 09:47

[[ نبع الإخفاق الحارق للجيش الإسرائيلي في معالجة صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى في حرب لبنان الثانية من تمازج الإهمال الإستخباري المتواصل في توزيع مسؤولية معقدة بين قيادة الشمال العسكرية وبين سلاح الجو. هذه هي النتيجة التي تتضح من تحليل الشهادات والنتائج والتحقيقات، والتي عرضت غالبيتها أمام لجنة فينوغراد. ومن المتوقع أن يكون القصور في مواجهة الكاتيوشا مسألة مهمة في التقرير غير النهائي للجنة، والمنتظر نشره في النصف الثاني من آذار/ مارس.

ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر أمني كبير، على اطلاع وثيق بالقضية قوله إن "الحديث هو عن إهمال ثقيل ومتواصل في الأجهزة. وأن القصور كان عميقاً جداً في مواجهة الصواريخ قصيرة المدى. هذه القضية لم يعرها أحد الإنتباه الكافي المطلوب".

واعترف كبار القادة في الجيش، ومن بينهم رئيس هيئة الأركان المستقيل دان حالوتس، مؤخراً، في أكثر من مناسبة، بأن الجيش لم يكن قادراً على إزالة تهديد الصواريخ، وأن حقيقة قيام حزب الله بإطلاق 200 صاروخ كاتيوشا في اليوم الأخير من المعارك هو أحد أمرّ إخفاقات الحرب.

ومع قرب اندلاع الحرب، في الثاني عشر من تموز/يوليو، وزع حالوتس المسؤولية القتالية بين ساحات القتال؛ حيث تتولى قيادة الشمال العسكرية القتال في المنطقة الواقعة بين الحدود وبين نهر الليطاني، في حين تولى سلاح الطيران المسؤولية القتالية على المناطق الواقعة شمال الليطاني، في الوقت الذي يقوم به حالوتس بمراقبة الجهتين. وهنا تم إدخال تقسيم آخر: حيث قامت هيئة أركان الجيش برسم خط أصفر قسم المنطقة التي تتولاها قيادة الشمال إلى قطاعين ثانويين.

وجرى تغيير هذا الخط الأصفر خلال الحرب، إلا أنه كان لمدة زمنية معينة يبعد 6-7 كيلومترات عن الحدود. وتقرر أن تتغير صلاحيات إطلاق النار من قبل سلاح الجو بين القطاعين الثانويين، بحيث يكون إطلاق النار في القطاع الممتد من الحدود حتى الخط الأصفر من صلاحية قيادة الشمال، ومن الخط المذكور وشمالاً يكون من صلاحية سلاح الطيران.

وبكلمات أخرى، فإن الجيش قد كسر قاعدة مركزية هنا، وألغى التماس القائم بين الصلاحية وبين المسؤولية. فقيادة الشمال كانت مسؤولة عن القتال من الحدود حتى نهر الليطاني، ومن أجل تفعيل مروحيات وطائرات هجومية في القطاع الواقع بين الخط الأصفر والنهر، كان عليها أن تطلب ذلك من مركز التحكم التابع لسلاح الجو في "الكرياه" في تل أبيب. أما سلاح الجو، وبطبيعة الحال، فقد كان لديه ما يكفيه في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، ومن هنا فقد وضع القطاع الواقع بين الخط والنهر في تراتبية منخفضة في سلم فعالياته.

ويشير المعطى التالي، والذي عرض على لجنة فينوغراد، على الدلالة القاطعة لهذه المسألة. فقد تبين أن 69% من عمليات إطلاق صواريخ الكاتيوشا كانت تحصل بين الخط المذكور ونهر الليطاني. أي أن المنطقة التي أطلق منها أكبر عدد من الصواريخ كانت لفترة معينة في مكانة منخفضة في سلم الفعاليات العسكرية. وهذا يعني أن الإقرار بأن الصواريخ قصيرة المدى بكونها المشكلة الحقيقية للجيش قد نضج في مراحل متأخرة من الحرب، لدى بعض كبار القادة على الأقل.

وادعى كبار قادة منطقة الشمال في التحقيقات العسكرية وأمام لجنة فينوغراد، وعلى رأسهم قائد منطقة الشمال المستقيل أودي آدم، أن القدرة على معالجة قيادة الشمال للصواريخ كانت في الحد الأدنى بسبب القيود التي فرضت عليه. وفي أول أسبوعين من الحرب قلصت هيئة الأركان العمليات البرية إلى حد كبير. في حين أن وسيلة الرد الأساسية، سلاح الجو، لم تكن ضمن الصلاحيات المباشرة لقيادة الشمال في المنطقة الواقعة شمال الخط المذكور.

وإزاء ذلك، ادعوا في هيئة الأركان أنهم مارسوا ضغوطاً على قيادة الشمال لتوحيد الخط الأصفر مع خط نهر الليطاني، بشكل تصبح فيه الصلاحية في المنطقة الواقعة جنوب النهر بيد قيادة الشمال، إلا أن القيادة أظهرت تراخياً، واشترطت قبول الصلاحية بتسلم وسائل مختلفة، وفي الواقع جرى تمييع معالجة الكاتيوشا. ولم تدرك القيادة أن ما يحصل شمال الخط وجنوب النهر هو تحت مسؤوليتها لفترة معينة من الحرب.

وكان الخط الأصفر موضع خلاف في هيئة الأركان أثناء الحرب. ففي المشاورات التي عقدها حالوتس مع كبار القادة في اليوم العشرين من تموز/ يوليو، مع بداية الأسبوع الثاني من الحرب، قال نائب رئيس هيئة الأركان، موشي كابلينسكي إن كل المعلومات والإستخبارات وسلاح الطيران لا تصل إلى قيادة الشمال وإنما إلى الإستخبارات العسكرية وسلاح الجو.

وقام ضابط الإحتياط، يعكوف عميدرور، الذي تطرق إلى التحقيق الذي جرى حول الكاتيوشا في التقرير الذي أعده عن أداء الإستخبارات إنه بعث برسالة إلى كبار قادة الجيش ينتقد فيها إدارة الحرب، وكتب فيها أن "الخط الأصفر حالة خاصة من الفوضى الشاملة التي ميزت المعركة كلها".

هذه التعقيدات العملياتية في معالجة الكاتيوشا، تنضاف إلى الفجوة الإستخبارية الخطيرة. ففي حين بذل سلاح الجو والإستخبارات موارد هائلة في جمع معلومات عن منظومة الصواريخ القائمة لدى حزب الله، المتوسطة مثل "فجر"، وبعيدة المدى مثل "زلزال" الإيراني، أما الكاتيوشا قصيرة المدى فقد تم إهمالها في السنوات التي سبقت الحرب.

وقد تمت دراسة منظومتي الفجر والزلزال في إسرائيل بشكل دؤوب منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار/ مايو 2000. وكانت النتيجة "ليل الفجر": 34 دقيقة في الليلة الأولى من الحرب، والتي هاجم فيها سلاح الجو عشرات بيوت ناشطي حزب الله التي تم إخفاء هذه الصواريخ فيها، وتم تدمير غالبيتها. إلا أنه تبين لاحقاً أنه قد نشأ فراغ حقيقي في مجال دراسة أهداف الصواريخ قصيرة المدى. حيث تركز سلاح الجو في منظومات الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، في حين لم تعمل الإستخبارات العسكرية في قيادة الشمال على دراسة الصواريخ قصيرة المدى. علاوة على ذلك، فقد ادعى بعض الضباط بعد انتهاء الحرب أن هذه المسألة لم تكن ضمن صلاحياته. وكانت النتيجة، كما تقول مصادر أمنية "دخلنا المعركة وهناك منطقة كاملة لم تكن مدروسة.. فراغ حقيقي"..

هذه الفجوة في المعلومات لم تطرح كمشكلة تقتضي الحل، وحتى في التدريبات التي أجراها الجيش في السنوات التي سبقت الحرب جرى التأكيد على أن سلاح الطيران غير قادر لوحده على حل مشكلة الكاتيوشا قصيرة المدى. وبدأ يتضح القصور في هذا المجال مع إطالة أمد الحرب. فقد واصل حزب الله إطلاق الكاتيوشا باتجاه الجليل ووجد الجيش صعوبة في مواجهتها. ونظراً للمعلومات الإستخبارية الشحيحة لم تكن هناك أهداف كافية لضربها. وخلال الحرب أخذت الإستخبارات العسكرية التابعة لسلاح الجو على عاتقها قضية معالجة هذه الصواريخ، إلا أن ذلك لم يثمر سوى عن نتائج جزئية.

وعدا عن لجنة فينوغراد، فقد جرى التحقيق في قضية الكاتيوشا من قبل طواقم التحقيق برئاسة رئيس هيئة الأركان السابق، دان شومرون، الذي حقق في أداء هيئة الأركان، وأودي آدم الذي حقق في علاقات هيئة الأركان مع قيادة الشمال، وضباط الإحتياط عميرام لفين ويتسحاك إيتان اللذين حققا في أداء قيادة الشمال، ويعكوف عميدور الذي حقق في أداء الإستخبارات العسكرية. ومن غير المستبعد أن ينشغل بذلك مراقب الدولة أيضاً..".

التعليقات