الزواج في السعودية.. اكشط واربح

الزواج في السعودية.. اكشط واربح
غزة-دنيا الوطن

البحث عن عروسة في السعودية أمر يختلف عن كثير من الدول العربية؛ نظرا للطبيعة المحافظة للمجتمع؛ فقد لا يتمكن الخاطب من رؤية مخطوبته قبل عقد القران، بل وأحيانا لا يراها سوى يوم الزفاف؛ وهو ما يجعل عملية الزواج أشبه بورقة حظ يتم كشطها في ليلة العمر، فيما تثبت العشرة بين الزوجين بعد ذلك إن كانا قد ربحا أم خسرا!.

أجاز الإسلام "الرؤية الشرعية" للمخطوبين، وحذر علماء الاجتماع من تداعيات مصادرة حق المخطوبين في التعرف على شريك الحياة بسبب سطوة تقاليد وعادات تضر بمستقبل العلاقة الزوجية.

عين الأخريات

وفقا لمراسل "إسلام أون لاين.نت" فإن اختيار العروسة في هذا النوع من الزواج يتم عن طريق الخاطبة أو عن طريق ترشيح الأم والأخوات، على أن يتم مراعاة المواصفات التي قد يبحث عنها الخاطب في شريكة حياته.

فإذاأعجبت الأم ونساء العائلة بالفتاة بعد "رؤيتها وتفحصها"، ينقلن صورتها لابنهن الذي يراها من خلال عيونهن، فإذا كان خاضعا لآراء أهله يقبل بالفتاة بصرف النظر عن مدى توافقه معها. أما لو كان صاحب رأي فتقوم الأم بالحديث عن العروسة ومحاسنها وأخلاقها وحسبها ونسبها لإقناع العريس، فإن اقتنع يتقدم أهل العريس لخطبة من تم الاستقرار عليها، وكما هو متبع في معظم الدول العربية يطلب أهل العروسة مهلة للرد على طلب العريس سواء بالقبول أو بالرفض، وهي الفترة التي يتم فيها الاستعلام عن العريس وأهله.

وفيحالة الموافقة بالقبول فهناك اتجاهان في التعامل مع الخاطب، وفقا لعادات المجتمع السعودي: الاتجاه الأول: لا يسمح للخاطب برؤية العروس نهائيا إلا في الليلة الأولى من زواجهما.

الاتجاه الثاني: يسمح للعريس "بالشوفة" أي الرؤية الشرعية لمن تقدم لخطبتها ويكون هذا في وجود أحد محارمها، وعلى أساس هذه الرؤية يبدي كلا الطرفين (الخاطب ومن تقدم لخطبتها) رأيه في الآخر سواء بالقبول أو الرفض، وأحيانا أخرى تكون هذه الرؤية بعد عقد القران، فتكون حينها مجرد قبول بالأمر الواقع. وغالبا ما تكون فترة الخطوبة في كلتا الحالتين قصيرة جدا، ولا يُسمح فيهما للخاطب برؤية خطيبته، إلا فيما ندر.

ويلي الخطبة مرحلة "الملكة"، وهي التي تبدأ بعد عقد القران، ويعتبر الكثيرون أن المرحلة التي تعقب عقد القران هي بمثابة فترة الخطوبة، ولكن بعد هذه المرحلة أيضا تظل الاتجاهات السابقة على حالها، بمعنى أن أصحاب الاتجاه الأول يرفضون أن يرى الخاطب زوجته حتى بعد عقد القران إلا في ليلة الزفاف.

أما أصحاب الاتجاه الثاني فيتفاوت الأمر بينهم؛ فمنهم من يرى أنه يمكن الاكتفاء بالاتصالات التليفونية كوسيلة للتواصل بين الخاطبين، وآخرون قد يسمحون لهما باللقاء في وجود أحد محارمها، أم القلة فهي من تسمح لهما بالخروج معا بمفردهما.

الشباب مختلفون

استطلعت "شبكة إسلام أون لاين.نت" آراء عدد من الشباب السعودي عن فترة الخطوبة وكيفية اختيار الزوجة... يقول "حمد. أ"- صحفي:" التقاليد لدينا لا تسمح أن يرى الرجل خطيبته قبل الزواج؛ لذا فوالدتي هي من قامت باختيار خطيبتي، ولكن بالطبع بعد أن أخبرتها بالمواصفات المطلوبة لشريكة حياتي، ووفقا لوالدتي فإنها متوفرة بها".

ويتابع: "إلى الآن لم أتمكن من رؤيتها، وسأعقد قراني قريبا، ولن أراها أيضا بعد عقد القران، ولكن سيكون هناك تواصل عبر الاتصالات التليفونية، وأعلم أني لم أتمكن من رؤيتها سوى يوم الزفاف، هذه تقاليدنا وأنا أحترمها، فأنا أومن أن كلا منا يأخذ قدره، ويكفي أنها قبلية ونعرف أهلها".

وعن وجهة نظره في منع الرؤية قال حمد: "كثير من الأسر في مناطق المملكة ترفض عرض بناتهم لعيون الرجال بغرض الزواج منهن؛ لأنهم يرون أن عرض جسد البنت لكي يراه رجل ويتفحصه بقصد أن يتزوجها أمر يهين الفتاة، وخاصة في حال الرفض!".

وفي السياق نفسه يقول حسام. م: إن رؤيته لخطيبته لا تعنيه؛ فالرؤية يتم من خلالها الاطلاع على الشكل فقط، والجمال جمال الروح، إذا كنت مقتنعا بأخلاق الفتاة، ومطمئنا إلى سلوكيات أهلها وعاداتهم، فلا داعي للرؤية.

ومن جهته يعارض "محمد حسن" مثل هذه التقاليد، قائلا: "إن من حق الخاطب أن يرى خطيبته، والدين الإسلامي يجيز رؤية الرجل للفتاة التي يريد الزواج بها في حضور ولي أمرها، أو أحد محارمها، ويرى أن الخطوبة يجب أن تكون قبل عقد القران، على أن تكون هذه الفترة تحت إشراف الأهل ورقابتهم".

ويوضح "مطلق السبيعي" أن "تقاليد الخطبة والزواج في السعودية تختلف من منطقة لأخرى؛ فأهل نجد أكثر تشددا في هذا الموضوع من الحجازيين، والحضر أكثر تحررا من البدو، يتحكم في الأمر أيضا المستوى المادي والاجتماعي".

الرؤية مستحبة

يؤكد د. "محمد عبد الله الملا" الأستاذ بقسم الدراسات الإسلامية جامعة الملك سعود بالرياض في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت" أن رؤية الخاطب لمخطوبته بغرض الزواج مقررة شرعا، وجاءت الشريعة بإقرار مبدأ أن يرى الخاطب المخطوبة، ووفقا لبعض العلماء فإن الرؤية مستحبة، والاستحباب مرحلة تلي الوجوب؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، وعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنظرت إليها؟" قلت: لا، قال: "فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"؛ أي إن هذه النظرة أدعى لدوام المحبة والألفة بينكما.

ويوضح د. الملا أن المجتمعات التي تحرم الخاطب على الرؤية تستند على العرف، ثم يأخذون بهذا الرأي؛ حيث إنه لا يوجد في الشرع ما يعتبر عدم الرؤية مخالفة شرعية؛ لأن الرؤية ليست من أركان النكاح؛ فالآباء لهم الحق في السماح بالرؤية أو عدم السماح.

ولكن الملا أكد ألا يجوز للأهل منع الخاطب من رؤية مخطوبته بعد عقد القران؛ لأنها أصبحت بمثابة زوجته شرعا، يجلس معها ويسافر معها ويختلي بها، ولكن البعض يخشى من حدوث أمور قد تستوجب الفراق قبل إعلان النكاح؛ لذا فمن الأفضل أن تكون فترة الملكة قصيرة.

طلاق وانحراف

ومن جهته شدد الأستاذ الدكتور صالح بن رميح الرميح أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك سعود بالرياض في حديث لـ"إسلام أون لاين.نت" على أهمية الرؤية الشرعية، قائلا: "الزواج من سنن المرسلين، وهو من نعم الله على عباده، والأسرة هي اللبنة الأولى لتكوين المجتمع، وهذه اللبنة لكي تصح لا بد أن يتم اختبار الزوج أو الزوجة للآخر وقبول كل منهما الآخر".

وتابع: "الإسلام أكد على رؤية الزوج لزوجته وهناك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)، وبيَّن أن الدين واضح وصريح في هذا الأمر، ولكن في ظل التحولات التي مرت بالمجتمع، وما حدث به من تغيرات نشأت تقاليد غريبة، وللأسف أصبح هناك الكثير من الأسر ترفض رؤية الخاطب لمخطوبته وهذه آلية تفتقر لبعد نظر".

وأضاف الرميح: "يجب أن يتنبه الجميع إلى أن العالم أصبح قرية واحدة في ظل العولمة؛ ففي ظل ما تقذف به وسائل الإعلام والفضائيات أصبح الشباب والشابات يرون نماذج معينة لفارس الأحلام ويكونون صورة نمطية عنه؛ ففي حالة عدم السماح بالرؤية إلا يوم الزفاف قد تحدث صدمة إذا لم يكن الزوج أو الزوجة بالصورة الذي كونها عن الآخر، وقد ينتج عن هذا الأمر نفور، وقد يؤدي إلى انتكاسة في العلاقة بينهما، وتتحول ليلة العمر إلى نكد، ويصبح هناك جفاف عاطفي وقد ينتهي الأمر بالطلاق، وقد تصبح هناك حالات انحرافية للتعويض".

ويشدد "الرميح" على أن الرؤية لا بد أن تكون قبل عقد القران؛ لأنها بعد عقد القران ستفقد قيمتها، مشيرا إلى رؤية الخاطب أو المخطوبة قبل الزواج فيها راحة للنفس، وهذه الرؤية يكون لها أثر عظيم في التهيئة النفسية لقبول الطرف الآخر من عدمه، ولكن هذه الرؤية يجب أن تكون بحضور والد الفتاة أو أحد محارمها، والشرع أقر هذا الأمر؛ لأن فيه صلاحا وخيرا كثيرا.

وأضاف: وبالطبع لا يسمح الوالد بهذه الرؤية إلا بعد الاستعلام عن العريس ومعرفة خلقه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة وفساد كبير".

نظرة واحدة لا تكفي!

وفيما يشهد المجتمع جدلا حول السماح برؤية المخطوبة من عدمه، وهل يتم ذلك قبل أو بعد القران، طرح الكاتب السعودي "سعود بن عبد الرحمن المقحم" وجهة نظر أجرأ في مقال نشره بجريدة الرياض، مؤكدا أن نظرة واحدة لا تكفي لعلاقة تربط بين شريكي طول العمر.

وقال: "السؤال الجدير بالطرح هو: كيف ندعم ونعزز النظرة الشرعية التي لا تفي بالغرض، وسط هذه المستجدات والمتغيرات العصرية المتسارعة، داخل هذه النفوس المأزومة، والأعداد الهائلة المعقدة والمتشابكة".

واقترح المقحم خيارين لتحقيق ذلك:

الخيار الأول: يتمثل بإعطاء الخاطب والمخطوبة الفرصة كاملة ليتعرفا على بعضهما البعض، من خلال عدة زيارات، وتكون تلك الزيارات بإشراف منظم وسلس من الأهل، بحيث لا يكتفى فقط بالنظرة الشرعية سيما وهي لا تحقق الغاية المطلوبة، والتي عادة تكون في ظل حرس مدجج بعيون يتطاير منها الشرر، وكأن هذا الخاطب أتى ليقتل أو ليختطف ابنتهم!!.

الخيار الثاني: هو الخيار البديل لمن تنتابه حيرة، أو يحس بقشعريرة، عند ذكر الخيار الأول، إذن الخيار الثاني يحمل صبغة شرعية جلية، يتم تحقيق الخيار الثاني من خلال كتابة عقد القران، شريطة عقد العزم والاتفاق على تأجيل الدخول، وعقد العزم والاتفاق أيضا على عدم لمس أي منهما للآخر، ويكون ذلك بمراقبة صارمة من الأهل، داخل المنزل ويمنعان خارجه، ولمدة محددة.

ويضيف: المفترض في حالة عدم وجود تآلف وتوافق، ألا يخرج عقد القران بلا دخول عن كونه زواجا بطعم الخطوبة، كما يفترض أن يطلق على الطلاق بلا دخول أنه "طلاقا عذري استباقي"، بمعنى أنه طلاق تصحيحي وقائي، وإن كان هناك مسمى لهذه الحالة أجمل وألطف، فعلى الرحب والسعة.

*احمد المصري

التعليقات