مثقفون وسياسيون :غياب مشروع موحد للعمل البحثي والإعلامي يهدد الهوية العربية

غزة-دنيا الوطن

علي مدار أربعة أيام ناقش أكثر من مائة باحث ومثقف مفهوم التحيز في الأوساط السياسية العالمية وتطبيقات الغرب له في التعامل مع القضايا العربية في ظل عالم أحادي القطبية ، مؤكدين علي وجود فجوة واضحة بين الفكر العربي الإسلامي والعقل الأوربي والأمريكي في تفسير المفهوم وتبرير طغيانه علي العلاقات بين الشرق والغرب .

وقال المجتمعون العرب ، في مؤتمر رفضوا منحة صفة (الدولية) لغياب أي جنسيات أخري عنه رغم كونه يناقش حوار الحضارات والمسارات المتنوعة للمعرفة ، أن غياب مشروع عربي موحد يخدم الفكرة القومية التي سادت في المنطقة بداية النصف الثاني من القرن العشرين ، يهدد الحضارة العربية برمتها في ظل تفوق حضارة مادية وثقافة سهلة يقدمها الغرب كبديل للعالم عن ثقافاته وهوياته وهو ما يبدو للأسف في صورة حصار معرفي لأغلب جوانب حياة المواطن العربي خاصة في العقود الثلاثة الماضية .

ولفت الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي إلي تغير الأخلاقيات في عالم الفضاء والعولمة ليصبح العلم منارا للإستهتار بالنفس البشرية بعد أن كان مواكبا للفضيلة مؤكدا أن الكبت والاستبداد يولدان أخلاقيات مختلفة تختزل معها الحاجات الأساسية للبشر خاصة بدول العالم النامي والتي تحكم بواسطة أنظمة فاسدة تفتقد للشفافية والمساءلة ويدوم حكمها بشكل تنهار معه الأخلاقيات ليتجه الفرد إلي إيثار الذات وعدم التضحية للغير والمنافسة القاتلة وإنعدام روح التسامح .

وكشف الباحث كرم أبو سحلي عن نقطة الإنطلاق المتحيزة في النموذج الإدراكي الوجودي الغربي رغم إرتكازه علي أطروحات وجودية قدمها الإسلام ينتفي معها احتكار الغرب لمصطلح الفلسفة الوجودية المرتبط ببول سارتر ومارتن هيدجر وغيرهم كما لو أن العرب والمسلمين وغيرهم من شعوب أفريقيا وآسيا بلا وجود ، رغم خصوصيتهم الواضحة التي يؤدي التغاضي عنها إلي إغتراب المسلم عن وجوده الحق الذي يتجاوز الدنيا إلي التوجه نحو الآخرة في نموذج إدراكي يقوم بالأساس علي (هناك ، وفيما بعد) .

أما بشأن التحيز في المنهج النقدي فقال الدكتور محمد سالم سعد الله أن المشروع النقدي المعاصر هو صورة مصغرة من مشروع التحيز الواسع في توجيه الفكر العالمي والسيطرة عليه ، حيث يراه الغرب خلاصا عقليا لمثقفيه ، في حين يتحمل النقد العربي المعاصر المسئولية أمام تحيزات المنهج النقدي والحذر من تطبيقات السلوكيات النقدية المحملة بمضامينها الفلسفية والأيدولوجية علي النصوص المقدسة خاصة النص القرآني الذي يمتلك خصوصية بنائه اللغوي والدلالي والتشريعي .

وأثني الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع علي مراكز البحث العلمي العربي الفاعلة في خدمة القضايا القومية وحماية المصالح العربية ، لافتا إلي أهمية وجود مشروع قومي ثقافي موحد يهدف إلي مقاومة التحيز الغربي لحضارة العالم الأول ، وهو ما تمثل في جهود العديد من المراكز البحثية العربية وبينها مركز زايد للتنسيق والمتابعة التابع للجامعة العربية والذي تبني مشروعا قوميا جادا وأصدر عدة مؤلفات قبل توقفه عبرت عن وعي عربي بخطورة السيطرة الغربية علي المفاهيم السائدة في منطقة التواجد الإسرائيلي وسواد مشروع العولمة ، وهو ما أيده الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام في تعقيب علي إشكالية التحيز في الدراسات الإعلامية الغربية والتي اتضحت في ظل السيطرة الأمريكية والصهيونية علي أهم وسائل الإعلام الخادمة لمشروع الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية والذي قدم عنه المركز نحو 66 دراسة تتعلق بقضية الصراع أكدت علي حاجة العرب إلي مشروع ثقافي وفكري وإعلامي قوي لمواجهة المشاريع الغربية الداعمة لهذا الكيان ، وهو ما يدعونا ، حسب الدتور إبراهيم البيومي غانم إلي إعادة النظر في جدوي أكثر من 200 ألف مؤسسة مدنية عربية تبدو غير فاعلة في خدمة القضايا والمشكلات العربية أو ذات أثر في تنمية المجتمع المدني رغم تمويلاتها متعددة المصادر والتي تؤيد حقيقة تشابك علاقاتها مع الداخل والخارج دون فعل قد لا يبدو جادا .

وربط الأردني موفق محادين بين مرحلة الحداثة والمركزية الأوربية من حيث استقرار الدولة القومية الأوربية كاستمرار للثورة الصناعية الرأسمالية ، وبين العقلانية المركزية في صورتها التقنية ، وظهور الدول العربية القطرية في بعدها المركزي الريعي المرتبط سياسيا وثقافيا بالمركزية الأوربية ، لدرجة أن قوي اليسار العربية ذاتها كانت مجرد صدي للحالة الأوربية في خطابيها القومي والإشتراكي ، وما تلا انهيار الاتحاد السوفيتي من طابع امبراطوري للإمبريالية الجديدة استدعي موضوعيا تفكيك دول الحرس القديم البيروقراطية المركزية العربية لصالح أشكال من الكانتونات الطائفية والجهوية وتقليص دور هذه الدول لصالح شبكات ومنظمات غير حكومية وتصغير مفهوم الديمقراطية وتفتيته ، والأخطر هو إخراج العرب من التاريخ كأمة وتحويلهم إلي طوائف متناحرة حول معازل اقتصادية (مناطق حرة) وتعزيز ذلك بإشاعة ثقافة العدمية والتكفير المتبادل تحت عنوان الفوضي الخلاقة .

وحول شرعية الإختلاف في فكر التحيز قالت جويدة غانم أن التحول الدلالي للفكر الحضاري يجعلنا نسعي إلي كسر الطابو الذي يفرضه الغرب المتألق بحضارته والذي لازمه مفهوم التمركز ويعتبره مبررا لنشر ثقافته تجسيدا لتلك الأنماط القوية التي يحملها مشروعه والتي تجعله ذا قوة عمياء في دلالاته وخلفياته فيمارس في ظلها أستخفافا بالحضارات الأخري ومحاولة فرضه نموذجه خاصة علي الحضارة الإسلامية متعاميا عن الخصائص الجوهرية في منطلقاتها وأهدافها علميا وعقائديا .

ودعت فاطمة الزهراء كفيف الجزائرية إلي تبني الثقافة الغربية المحلية برمتها وصولا إلي عملية تغريب أو القيام بإصلاح ثقافي من خلال عملية نقد بناء للتصورات والقيم الموروثة ، والدخول مع الثقافة الغربية في سيجال علمي وسياسي يهدف إلي استيعابها وتحليلها وتفكيكها ، لافتة إلي أزمة اللغة العربية داخل الجزائر وفرنسة الثقافة الوطنية هناك .

واعتبر المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري أن غياب مسمي رئيس عربي سابق يحتاج إلي مراجعة العقل العربي والإسلامي لذاته مع مقارنة بسيطة مع أمريكا وإسرائيل رغم أن الأولي يقتصر اختيار الرئيس بها علي طائفتين (الجمهوريين والديمقراطيين) ، وأضاف أن التدخل الأمريكي موجود في كل بقاع الأرض لإجهاض أية عملية ديمقراطية سلمية ، لافتا إلي نموذج حماس والإخوان المسلمين في مصر وفلسطين ، بما يعني أن الغرب تسوده حضارة ما ضد الحضارة ، أو السهل في مواجهة الخصوصية .

فيما حذر الدكتور ماهر عبد القادر من الرؤية المتحيزة للمستشرقين وخطورتها علي العقل العربي في إطار ما يسمي بحوار الحضارات ، لافتا إلي بدء حركة الإستشراق أثناء فترة التدهور الحضاري للغرب وإبان إزدهار العلم في الشرق ما يعني أنها تختلف بدوافعها الحقيقية عما تبطنه حيث هي الآن في إزدياد شديد رغم تحول كفة التقدم العلمي والتكنولوجي لصالح الغرب ، ومن بين أهدافها الخبيثة تفتيت عناصر الأمة حتي اعتبر بعض المستشرقين الإسلام رجة مأساوية دائمة متجاهلين حقيقة معيشة المسيحيين في المنطقة العربية والعالم الإسلامي كأصحاب وطن . ، واتفق معه في الرأي الدكتور إبراهيم رضا من المغرب مؤكدا أن فهم حقيقة الاستشراق يقتضي استحضار النظريات النابعة من المركزية الغربية حول تاريخ الفكر الإسلامي وحضاراته والذي يأتي تناوله من منطلق دراسة التراث اليوناني والروماني والمسيحي واليهودي أولا بما يشكل أخطاء منهجية ومعرفية كثيرة تبرز التحيز الواضح في محاولات فهم أو قراءة تاريخ الفكر الإسلامي .

ولفت الدكتور رفيق حبيب إلي مرحلة السقوط والتراجع الحضاري العربي الإسلامي في صورة دول ما بعد الاستعمار العسكري ، وحالة الإغتراب التي يحياها مواطنوها في ظل التحيز الغربي العلمي والتطبيقي في تحول عربي نحو تبني مفاهيم ورؤي غربية وسقوط في فخ التحيز دون وعي به بل واعتقاد بحياده وموضوعيته في العلم والسياسة بشكل عطل مشروع النهضة والمقاومة ومهد لعودة المشروع الغربي العسكري في صورة الاحتلال المباشر سواء الأمريكي أو الصهيوني أو الغربي ، في وقت تتزايد فيه مشاكل الاستبداد والفساد داخل الأنظمة في مشهد يذهب بنا إلي الاستسلام الطوعي للهيمنة الغربية واستعمار العقول وفخ الاستبداد الداخلي في آن واحد .

وأوصي المجتمعون في ختام المؤتمر بضرورة صياغة مشروع عربي موحد يعتمد في قراراته علي استقلال القرار خدمة للمجتمعات العربية وتنمية لقدرتها علي مواجهة التحيز الغربي المسيطر علي مقاليد الحياة في العالم أجمع عبر نموذج مادي يفتقر لأية أصول حضارية أو يرتبط بروحانيات أو عقائدية .

التعليقات