في حراسة المحررات بقطاع غزة ، ، ، ، ظلام وبرد وخوف من المجهول

غزة-دنيا الوطن

هبت نسمة باردة، اصطدمت بملامح الوجه المتحفز للمواطن أحمد الأسطل، الذي يعمل في أمن المحررات، في الليلة الماضية الشديدة البرودة، ليشترك سكون الليل ورهبته مع ذلك الظلام الذي لف كل شيء، ورسم تلك الصورة التي تثير في النفس الكثير من الخوف وتزرع في القلب الكثير من الخوف.

ولكن كل هذه الأجواء لم تؤثر في الأسطل وبقي قابضاً على بندقيته وعيناه تدوران فيما حولهما، محاولاً اختراق الظلمة بعينيه خلال عمله في حراسة إحدى المحررات في خانيونس جنوب قطاع غزة، مستنداً في ذلك لصوت الواجب الذي يمده بطاقة تنطلق في عروقه ليواصل عمله إلى النهاية.

وتحدث الأسطل حول الليل وهواجسه والواجب ومقتضياته، قائلاً: ليت الأمر يقتصر على الليل والبرد، فليس ذلك ما يقلق ولكن القلق الأكبر يكمن فيما يمكن أن نتعرض له جراء مواجهة مع أشخاص ضعاف نفوس وعديمي مسؤولية يأتون أحياناً لسرقة الدفيئات التي نقوم على حراستها.

واستذكر مواجهات سابقة مع لصوص، والتي جرح فيها بعض زملائه وتعرض فيها للضرب أثناء مواجهة اللصوص المسلحين، مبيناً: كل شيء يمكن تحمله في سبيل الواجب ولقمة العيش ولكننا لا نقبل أن نوصم بالتقصير أو التهاون، فقد سبق أن تصدينا للعديد من عمليات السرقة والنهب وأصيب العديد منا، ولكن ذلك لن يثنينا وسنواصل العمل رغم قلة الإمكانات والتجهيزات وافتقارنا للمكان الذي يمكن أن نطلق عليه اسم المقر أو الموقع، فنحن نقضي ليلتنا في خيمة بدائية أنشأناها من بعض الأغصان وقطع البلاستيك، وهي لا تحمينا من برد الشتاء أو قيظ الصيف، كما أنها لا تصد أي اعتداء يقع علينا.

لحظات طويلة يقضيها أحمد في نوبة عمله التي تمتد من الثامنة مساءً وحتى الثامنة صباحاً، تجول بخاطره أفكار شتى، أولها كما يقول عائلته التي يبلغ عددها ثلاثة عشر فرداً، وثانيها واجبه الذي من خلال قيامه به كما يجب، يستطيع تلبية الحد الأدنى لمتطلبات أسرته، وثالثها بل أخطرها هو المجهول الذي يحيط بكل ما حوله وهو ذلك الوحش الدائم التربص به وبزملائه ليفتك بهم وبحياتهم، من أجل بعض الكسب المادي.

صراع كبير يدور أحياناً على الأرض ودائماً داخل نفسه من أجل القيام بعمله وتوفير احتياجات أسرته والحفاظ ما أمكن على حياته ليقوم بكل ذلك.

وحول فرصة البحث عن عمل آخر أوضح الأسطل: ليس جبناً أو هروباً من المسؤولية، ما سأقوله فأنا تصديت من قبل لأكثر من سرقة وواجهت اللصوص المسلحين، وسأقاوم بذلك طالما بقيت هنا، ولن أتراجع عن واجبي في الحفاظ على هذه الأرض التي هي وخيراتها لكل الشعب الفلسطيني، ولكني بالتأكيد لن أتردد في الانتقال إلى عمل آخر إذا توفر وتوفرت فيه شروط أكثر أمناً تتيح لي ولأسرتي حياة أكثر استقراراً.

وفي ظل هذه الظروف يتحدث أحمد عن المستقبل آملاً في استقرار الأوضاع وتشكيل حكومة وحدة وطنية قوية تستطيع فرض الأمن في كل المناطق وإعادة الحياة طبيعية لكل مواطن فلسطيني.

وحتى تلك اللحظة التي قد تكون قريبة، يواصل أحمد الإمساك ببندقيته وعيناه تجوبان سحب الظلام التي تحيط به، وتلفح وجه نسمات باردة أخرى.

التعليقات