بنية حزب الله بعد الحرب:إنشاء مربع أمني جديد

غزة-دنيا الوطن

يبدو أن «حزب الله» التنظيم استوعب صدمة الحرب الإسرائيلية المدمرة التي شنت على لبنان بأسرع مما فعل المدنيون الذين دمرت منازلهم وممتلكاتهم في أشرس الحروب الإسرائيلية على البلاد وأكثرها تدميراً. ونالت الضاحية الجنوبية لبيروت التي تتمركز فيها قيادات «حزب الله» ومؤسساته الأمنية والسياسية والاجتماعية، القسط الأوفر من عملية التدمير المنهجية التي طالت نحو 300 مبنى سويت بالأرض تماماً. وبسبب طبيعة عمله السرية التي اكتسبها «حزب الله» من سنوات المواجهة مع إسرائيل، استطاع الحزب أن يتحمل الضربات التي حاولت استهداف بنيته رغم أن الغارات ركزت على مراكزه السياسية والاجتماعية، بل إنها امتدت حتى إلى المستشفيات والمدارس التابعة للحزب.

وإذا كان استمرار قيادة الحزب في إصدار المواقف التعبوية خلال الحرب رغم الاستهداف الكبير، واستمرار آلته الإعلامية بالعمل رغم التدمير الذي طال مبانيها، وعدم تضرر قدرته العسكرية، مفاجئاً للبعض، فإن الكثيرين فوجئوا أكثر مع نهاية الحرب بأن مؤسسات الحزب الأخرى بدأت بالعمل في اليوم الأول لوقف العمليات، خصوصاً في مجال حصر الأضرار وبدء دفع التعويضات للسكان أمام كاميرات التلفزيون. وباشر الحزب عملية «إعادة توطين» لمراكزه المدمرة للعمل بالحد الأدنى على الأقل.

ومع اقتراب عملية هدم المباني المتضررة ورفع الأنقاض من نهايتها التي تفصلها عنها 25 بناية شبه مهدمة، تبدو الصورة بعد ستة أشهر على الحرب في ضاحية بيروت الجنوبية غير واضحة بعد في انتظار انطلاق عملية إعادة البناء التي يبدو أن «حزب الله» سيكون ضالعاً فيها خصوصا وأنه التزم علنا للناس بالتعويض.

أما في ما يتعلق بمراكز الحزب، وأبرزها ما اصطلح على تسميته «المربع الأمني» الذي دمرت مبانيه بشكل شبه كامل، فيبدو أن الحزب تخطاها إذ كشف مسؤول في الحزب لـ «الشرق الأوسط» أن مربعاً امنياً جديداً أنشئ وسيعلن عنه قريباً جداً. وقال معاون رئيس المجلس التنفيذي لـ«حزب الله» الدكتور بلال نعيم إن ما اصطلح على تسميته «المربع الأمني» الذي دمر سينتقل إلى مكان محاذٍ للموقع القديم «وسيتم اقفاله أمام حركة السيارات بحيث سيحافظ «حزب الله» على كل مراكزه القيادية في مكان واحد».

وأشار نعيم إلى أن الحزب لم يكن يمتلك غالبية العقارات داخل المربع الأمني بل مجموعة عقارات سكنية بالإضافة إلى عقارات كان يشغلها بالإيجار. وأوضح أن العقارات التي يمتلكها الحزب في المربع الأمني ستباع أو سيتم استعمالها لأهداف أخرى.

وقال إن العقارات التي يمتلكها الحزب «شرعية وقانونية»، مشيراً إلى انه سيتم التعويض عن أضرارها من الدولة اللبنانية وفقاً لآلية التعويضات التي أقرتها الحكومة للشقق المتضررة من العدوان. وكشف أن كلفة إعادة بناء المؤسسات المدمرة للحزب لا تقل عن 30 مليون دولار أميركي. وقال إن معظم المراكز التي دمرت خارج المربع الأمني هي عقارات مستأجرة وبالتالي تم استئجار عقارات بديلة على الفور.

وأضاف نعيم إن «حزب الله» استوعب الضربة الإسرائيلية لمؤسساته فور انتهاء الحرب حيث تأثرت أعمالها في الشهر الأول فقط، على حد تعبيره. وكشف عن خطة وضعتها قيادة الحزب سميت «خطة التوطين التنظيمي» تم إنجازها خلال شهرين عبر تأمين مراكز بديلة لكل مؤسسة ضربت.

ورفض مسؤول العلاقات الإعلامية في «حزب الله» الدكتور حسين رحال وصف المنطقة بـ «المربع الأمني»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما اصطلح على تسميته المربع الأمني هو عبارة عن منطقة محمية كانت تحوي مقر قيادة «حزب الله» وكانت لها إجراءات خاصة في ظروف الحرب، وبقيت كذلك بعدها لحماية قيادات المقاومة باعتبارهم في موقع الخطر الدائم. مشدداً على أن الموقع كان أصغر بكثير من المربعات الأمنية التي تنتشر في مناطق أخرى كالمختارة (البلدة التي يقيم فيها النائب وليد جنبلاط) التي أصبحت بأكملها منطقة أمنية، وبزمار (مقر إقامة رئيس الهيئة التنفيذية لـ «القوات اللبنانية» سمير جعجع) وقريطم (مقر اقامة النائب سعد الحريري).

وأكد أن مقر إقامة قيادات الحزب سيبقى غير محدد «لأن إسرائيل تعلن أنها ستسعى لاغتيالهم وانضمت إليها الولايات المتحدة بعد تهديدات (الرئيس الأميركي جورج) بوش». وأضاف: «كما أن الإسرائيليين يقولون علناً إنهم سيستهدفون قيادات المقاومة، ووقف النار لم يعلن بعد حيث أننا ما زلنا في إطار وقف العمليات العداونية، وإسرائيل ترى أن هذا الأمر يتيح لها يداً طويلة ويبيح لها التصرف وفقاً لما تراه».

ويواجه تلفزيون «المنار» بعض العوائق في المبنى البديل، مما اضطره إلى «تقسيم» العمل في أكثر من مبنى، حيث تم اعتماد المبنى الجديد الذي استأجره التلفزيون في محلة الجناح للإدارة و»البرامج الباردة»، فيما تم اعتماد مكاتب أخرى للأخبار. ورغم أن التلفزيون لم يتأثر بالقصف الصاروخي لمقره الرئيسي في محلة حارة حريك في اليوم الثاني للحرب، فاستمر في بثه من 15 نقطة أخرى ولم يتوقف إلا لدقائق، إلا أن المحطة تواجه الآن مشاكل في إعادة «تجميع» التلفزيون. ويقول رئيس مجلس إدارة المحطة ومديرها العام النائب السابق عبد الله قصير لـ«الشرق الأوسط» إن القيمين على المحطة يواجهون صعاباً في عملية إعادة بناء المقر، لأن قراراً اتخذ بتوسيعه وهناك بعض الصعاب التي تواجهه في شراء العقارات المجاورة. مشيراً إلى أن فكرة نقل المبنى إلى نقطة أخرى واردة جداً وان كل ما يعيقها هو الإصرار على رمزية بقاء المبنى في مكانه. أما اذاعة «النور» التابعة للحزب، فهي تحل الآن في ضيافة إذاعة «البشائر» التي يمتلكها المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، في انتظار التوصل إلى تأمين مبنى جديد للإذاعة.

وتشمل لائحة مؤسسات الحزب المتضررة حسب مسؤوليه، مؤسسة «جهاد البناء» التي تأسست عام 1988 وتضم العديد من المهندسين والفنيين والعمال وتتخصص في حفر الآبار وإعداد الدورات التدريبية في مجال الزراعة والبيطرة. وقد تعرض مركز الإرشاد الزراعي التابع لها في البقاع للتدمير الكامل، وسيعاد بناؤه في الموقع نفسه. كذلك تضررت الهيئة الصحية الإسلامية ولها فروع عدة بلغت 47 فرعاً تنتشر في البقاع والجنوب بالإضافة إلى بيروت، وتم تدمير مستشفى الحوراء التابع لها في محلة بئر العبد وبنك الدم، وقد تم استئجار مبنى بديل في نفس المحلة. وتضررت أيضاً جمعية القرض الحسن التي تأسست عام 1982، وجمعية الإمداد الخيرية الإسلامية التي تأسست عام 1987 بهدف مساعدة الأسر على الاكتفاء ذاتياً، ورعاية الأيتام والعجزة وتعرضت العديد من مراكزها للتدمير كمركز المعاقين في بلدة حارون في النبطية.

وتم تدمير مبنى مؤسسة الشهيد البعيد عن «المربع الأمني» وأقيم مركز بديل في منطقة قريبة. كما تعرضت بعض مكاتب مؤسسة الجرحى التى تتولى رعاية جرحى المقاومة وتقديم الخدمات لهم ولعائلاتهم للتدمير، لكنها كانت في غالبيتها مراكز مستأجرة وتم تأمين بدائل لها.

ودمر القصف مركز الدراسات وكان موقعه عند مدخل المربع الأمني، ومهمته إعداد الدراسات ورصد وسائل الإعلام، واستأجر الحزب مركزا بديلا في محلة معوض في ضاحية بيروت الجنوبية. كما دمرت المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1993، وبيت المال أو مركز الإدارة المالية في محلة معوض الذي لم يكن مركزه معروفاً، لكنه تعرض للتدمير. ودمرت هيئة دعم المقاومة الإسلامية التي تجمع التبرعات للمقاومة وتعقد الندوات وتقيم المعارض، ومركز الإمام الخميني الثقافي وهو يضم مكتبة كبيرة وقاعة محاضرات وصالوناً ثقافياً.

التعليقات