رمضان .. «مغامرة» بدأت بلقاء مع صدام قبل نحو 50 عاما
غزة-دنيا الوطن
يتميز طه ياسين رمضان عن بقية كبار رموز النظام العراقي السابق بأنه الكردي الوحيد بينهم الذي فتح لقاء بينه وبين الرئيس السابق صدام حسين في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي الطريق أمامه لتسلق سلم الرقي في حزب البعث لينتهي كواحد من أكبر رجالات السلطة واكثرهم نفوذا. عن ذلك اللقاء قال رمضان ذات مرة، إن صدام ردد على مسامعه جملة مأثورة مفادها ان «القفز إلى السلطة يستوجب ثلاثة أمور: قائد ملهم وحزب ثوري وفريق مغامر». «القائد الملهم» كان صدام ذاته والحزب «الثوري» كان البعث وهكذا اصبح رمضان أحد أعضاء «الفريق المغامر» وأصبح رجلا نافذا في الحكم منذ عام 1968، وعرف ظروفاً بلغ فيها الذروة عندما اختاره مجلس قيادة الثورة في مارس (آذار) 1991، وإن بثلثي الأعضاء، أصبح نائباً لرئيس الجمهورية. ولد طه ياسين رمضان الجزراوي في الموصل عام 1939 لأبوين يتحدران من أصل كردي وينتميان، من حيث المنشأ، إلى منطقة جزرة (الجزيرة) في ديار بكر بتركيا ومن هنا عرف في الأوساط غير. وهنا يحتار المرء كيف يفسّر هذا المسلك المتناقض: كردي يتبنى أفكاراً قومية عربية. فالأكراد، لأسباب لا تحتمل تفسيراً لوضوحها، لم ينخرطوا فعلاً في الأحزاب والحركات المنادية بالعروبة الجامعة، وحزب البعث في المقدم منها، لا بل يمكن القول من دون مبالغة إن هناك تضاداً منطقياً بين الطرفين. ولعل من سخريات القدر ان أكراد اعتقلوا رمضان الذي كان تسلسله الـ 20 على قائمة المسؤولين السابقين الـ55 المطلوبين. فقد داهم مسلحون من الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي جلال طالباني منزلا لأحد اقاربه في الموصل في 18 اغسطس (آب) 2003 ووجدوه متنكر بالزي العربي.
طه ياسين رمضان، إذاً، من القلة التي ارتضت «العروبة» عقيدة سياسية لها، وكان انتماؤه إلى حزب البعث في عام 1956 تجسيداً عملياً لهذه القناعة. وقد لعب العامل الاقتصادي دوره أيضاً في انقطاعه عن الدراسة، وهو لم يكمل المرحلة المتوسطة من التعليم بعد، فانخرط سريعاً في السلك العسكري الذي كان، آنذاك، يمثل، بالنسبة للفئات الفقيرة من الشعب، مهنة تقدم فرصاً لتسلق الهرم الاجتماعي وتضمن حدوداً معقولة للعيش وتفتح آفاقاً لاحقة للصراع على السلطة. ثم جاء انقلاب الثامن من فبراير (شباط) 1963 ليمنح رمضان فرصة حقيقية في ترقيته فجأة من ضابط صف إلى رتبة رائد (كابتن) بغرض تقوية مواقع حزب البعث داخل المؤسسة العسكرية. وبعد إسراع عبد السلام عارف في إقصاء البعثيين وانفراده بالسلطة، وقد مرّ على تحالفه معهم بضعة أشهر، أحيل العديد من الضباط البعثيين الى التقاعد وكان من بينهم طه ياسين رمضان الذي ظل رهن الإقامة الجبرية، ولو إلى حين. على الرغم من ذلك، لم يخامر الضابط المتقاعد ريب بأن ساعته آتية لا محالة. وبالفعل عندما قبض حزب البعث على زمام السلطة من جديد في 17 يوليو (تموز) 1968، رقيّ طه ياسين رمضان على الفور إلى مراتب عسكرية عليا. كان رمضان، وبحق، متعطشاً إلى السلطة. ففي عام 1969 أصبح عضواً في مجلس قيادة الثورة، وفي عام 1970 ترأس محكمة خاصة قضت بالإعدام الفوري على 42 شخصاً زعم أنهم شاركوا في محاولة انقلابية. آمن بأن عمليات القمع وحدها تدعم بقاء النظام واستمراره. نقطة ضعفه هي لا شك مبالغته في الحذر وخوفه من المبادرة. ولم يكن أمراً غريباً أن يتنقل في فترة زمنية قصيرة بين وزارات ذات اختصاصات مختلفة ولم يحتفظ بأي منها، من وزارة الصناعة (1970) إلى وزارة التخطيط (1974)، وأخيراً وزارة الإسكان (1976). لكنه، مع ذلك، احتفظ بموقعه كعضو دائم في القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث، إضافة إلى كونه قائداً عاماً للجيش الشعبي، وهو ميليشيا ضاربة لكل أشكال المعارضة الداخلية للنظام القائم. ومهما يكن من أمر، فقد حاول رمضان جاهداً أن يحقق مكاسب إضافية، فبذل قصارى جهده للتمسك بصدام حسين كخط أحمر لن يتخطاه أبداً. وكان يعلم، أكثر من أي شخص آخر، أنه لن ينجح في بلوغ مآربه من دون هذا الاصطفاف. باختصار: إنه يعلم ما يريد وكيف يحصل على ما يريد. يتقلب مع المستجدات، وكثيراً ما يتخذ المواقف المتناقضة. ففي مارس (آذار) 2002 أكد رمضان أن بلاده لن تسمح بعودة المفتشين الدوليين إلى أراضيها ما لم يتم تحديد المواقع التي ينوون زيارتها، لكنه عاد، من جديد، ليرحب بهذه العودة. يتهم الدول العربية بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وتبني سياساتها وبتنفيذ مآربها في المنطقة، لكنه يقود بشخصه ما أطلق عليه تسمية «دبلوماسية الصفقات» فوقّع مع عدد من الدول العربية، اتفاقيات تجارية بمئات الملايين من الدولارات. يحاول أن يبرز صورة العراقي المحاصر رغبة منه في كسب العطف والتأييد الدولي، لكنه لا يتوانى في اتهام رئيس لجان فرق التفتيش الدولية (أنموفيك) هانس بليكس بأنه «جاسوس عديم الأخلاق»، ثم يعود ويستقبله في مكتبه بحفاوة تليق برؤساء الدول. كان يشن هجوماً عنيفاً ضد إيران ويتهمها بأنها لا تختلف في أطماعها عن إسرائيل ثم يستجير بها كي تقف إلى صف بلاده في مواجهة «الهجمة الصليبية الجديدة على الإسلام والمسلمين». كان رمضان يبدأ دائماً بالتصعيد، باختلاف الظروف والمحاورين، لكنه كان يستطيع الاستدارة 180 درجة بدون أن يرف له جفن. ففي وسعه أن يسمح لنفسه بتبني الموقف ونقيضه في آن.
لقد عرف عن رمضان احترامه للشكليات والتراتبية الحزبية، وكان يتحدث عن كل شيء ولا شيء، يبذل جهداً ملحوظاً للحفاظ على قدر من الرصانة والتكلّف، ويستأنف حديثه مغيراً لهجته متنقلا من منطق الإقناع إلى أسلوب الحسم فتأتي تصريحاته أشبه بالجرافة، صارخة إلى حدّ بعيد. كان عصبي الحركة، مكفهر الوجه، وكان يتخوف كثيراً من تنامي نفوذ آخرين من داخل الطاقم الحاكم قد يفقده، على حين غرة، مواقعه.
يتميز طه ياسين رمضان عن بقية كبار رموز النظام العراقي السابق بأنه الكردي الوحيد بينهم الذي فتح لقاء بينه وبين الرئيس السابق صدام حسين في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي الطريق أمامه لتسلق سلم الرقي في حزب البعث لينتهي كواحد من أكبر رجالات السلطة واكثرهم نفوذا. عن ذلك اللقاء قال رمضان ذات مرة، إن صدام ردد على مسامعه جملة مأثورة مفادها ان «القفز إلى السلطة يستوجب ثلاثة أمور: قائد ملهم وحزب ثوري وفريق مغامر». «القائد الملهم» كان صدام ذاته والحزب «الثوري» كان البعث وهكذا اصبح رمضان أحد أعضاء «الفريق المغامر» وأصبح رجلا نافذا في الحكم منذ عام 1968، وعرف ظروفاً بلغ فيها الذروة عندما اختاره مجلس قيادة الثورة في مارس (آذار) 1991، وإن بثلثي الأعضاء، أصبح نائباً لرئيس الجمهورية. ولد طه ياسين رمضان الجزراوي في الموصل عام 1939 لأبوين يتحدران من أصل كردي وينتميان، من حيث المنشأ، إلى منطقة جزرة (الجزيرة) في ديار بكر بتركيا ومن هنا عرف في الأوساط غير. وهنا يحتار المرء كيف يفسّر هذا المسلك المتناقض: كردي يتبنى أفكاراً قومية عربية. فالأكراد، لأسباب لا تحتمل تفسيراً لوضوحها، لم ينخرطوا فعلاً في الأحزاب والحركات المنادية بالعروبة الجامعة، وحزب البعث في المقدم منها، لا بل يمكن القول من دون مبالغة إن هناك تضاداً منطقياً بين الطرفين. ولعل من سخريات القدر ان أكراد اعتقلوا رمضان الذي كان تسلسله الـ 20 على قائمة المسؤولين السابقين الـ55 المطلوبين. فقد داهم مسلحون من الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي جلال طالباني منزلا لأحد اقاربه في الموصل في 18 اغسطس (آب) 2003 ووجدوه متنكر بالزي العربي.
طه ياسين رمضان، إذاً، من القلة التي ارتضت «العروبة» عقيدة سياسية لها، وكان انتماؤه إلى حزب البعث في عام 1956 تجسيداً عملياً لهذه القناعة. وقد لعب العامل الاقتصادي دوره أيضاً في انقطاعه عن الدراسة، وهو لم يكمل المرحلة المتوسطة من التعليم بعد، فانخرط سريعاً في السلك العسكري الذي كان، آنذاك، يمثل، بالنسبة للفئات الفقيرة من الشعب، مهنة تقدم فرصاً لتسلق الهرم الاجتماعي وتضمن حدوداً معقولة للعيش وتفتح آفاقاً لاحقة للصراع على السلطة. ثم جاء انقلاب الثامن من فبراير (شباط) 1963 ليمنح رمضان فرصة حقيقية في ترقيته فجأة من ضابط صف إلى رتبة رائد (كابتن) بغرض تقوية مواقع حزب البعث داخل المؤسسة العسكرية. وبعد إسراع عبد السلام عارف في إقصاء البعثيين وانفراده بالسلطة، وقد مرّ على تحالفه معهم بضعة أشهر، أحيل العديد من الضباط البعثيين الى التقاعد وكان من بينهم طه ياسين رمضان الذي ظل رهن الإقامة الجبرية، ولو إلى حين. على الرغم من ذلك، لم يخامر الضابط المتقاعد ريب بأن ساعته آتية لا محالة. وبالفعل عندما قبض حزب البعث على زمام السلطة من جديد في 17 يوليو (تموز) 1968، رقيّ طه ياسين رمضان على الفور إلى مراتب عسكرية عليا. كان رمضان، وبحق، متعطشاً إلى السلطة. ففي عام 1969 أصبح عضواً في مجلس قيادة الثورة، وفي عام 1970 ترأس محكمة خاصة قضت بالإعدام الفوري على 42 شخصاً زعم أنهم شاركوا في محاولة انقلابية. آمن بأن عمليات القمع وحدها تدعم بقاء النظام واستمراره. نقطة ضعفه هي لا شك مبالغته في الحذر وخوفه من المبادرة. ولم يكن أمراً غريباً أن يتنقل في فترة زمنية قصيرة بين وزارات ذات اختصاصات مختلفة ولم يحتفظ بأي منها، من وزارة الصناعة (1970) إلى وزارة التخطيط (1974)، وأخيراً وزارة الإسكان (1976). لكنه، مع ذلك، احتفظ بموقعه كعضو دائم في القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث، إضافة إلى كونه قائداً عاماً للجيش الشعبي، وهو ميليشيا ضاربة لكل أشكال المعارضة الداخلية للنظام القائم. ومهما يكن من أمر، فقد حاول رمضان جاهداً أن يحقق مكاسب إضافية، فبذل قصارى جهده للتمسك بصدام حسين كخط أحمر لن يتخطاه أبداً. وكان يعلم، أكثر من أي شخص آخر، أنه لن ينجح في بلوغ مآربه من دون هذا الاصطفاف. باختصار: إنه يعلم ما يريد وكيف يحصل على ما يريد. يتقلب مع المستجدات، وكثيراً ما يتخذ المواقف المتناقضة. ففي مارس (آذار) 2002 أكد رمضان أن بلاده لن تسمح بعودة المفتشين الدوليين إلى أراضيها ما لم يتم تحديد المواقع التي ينوون زيارتها، لكنه عاد، من جديد، ليرحب بهذه العودة. يتهم الدول العربية بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وتبني سياساتها وبتنفيذ مآربها في المنطقة، لكنه يقود بشخصه ما أطلق عليه تسمية «دبلوماسية الصفقات» فوقّع مع عدد من الدول العربية، اتفاقيات تجارية بمئات الملايين من الدولارات. يحاول أن يبرز صورة العراقي المحاصر رغبة منه في كسب العطف والتأييد الدولي، لكنه لا يتوانى في اتهام رئيس لجان فرق التفتيش الدولية (أنموفيك) هانس بليكس بأنه «جاسوس عديم الأخلاق»، ثم يعود ويستقبله في مكتبه بحفاوة تليق برؤساء الدول. كان يشن هجوماً عنيفاً ضد إيران ويتهمها بأنها لا تختلف في أطماعها عن إسرائيل ثم يستجير بها كي تقف إلى صف بلاده في مواجهة «الهجمة الصليبية الجديدة على الإسلام والمسلمين». كان رمضان يبدأ دائماً بالتصعيد، باختلاف الظروف والمحاورين، لكنه كان يستطيع الاستدارة 180 درجة بدون أن يرف له جفن. ففي وسعه أن يسمح لنفسه بتبني الموقف ونقيضه في آن.
لقد عرف عن رمضان احترامه للشكليات والتراتبية الحزبية، وكان يتحدث عن كل شيء ولا شيء، يبذل جهداً ملحوظاً للحفاظ على قدر من الرصانة والتكلّف، ويستأنف حديثه مغيراً لهجته متنقلا من منطق الإقناع إلى أسلوب الحسم فتأتي تصريحاته أشبه بالجرافة، صارخة إلى حدّ بعيد. كان عصبي الحركة، مكفهر الوجه، وكان يتخوف كثيراً من تنامي نفوذ آخرين من داخل الطاقم الحاكم قد يفقده، على حين غرة، مواقعه.

التعليقات