القيادة الإيرانية وعلاقتها بإسرائيل
القيادة الإيرانية وعلاقتها بإسرائيل
بقلم: زئيف ماغين
رئيس قسم تاريخ الشرق الاوسط في جامعة بار - ايلان وباحث كبير في مركز بيغن – السادات
في كانون الثاني 2006 نشرت الصحيفة اليومية الايرانية "الجمهورية الاسلامية"، فحوى الخطبة التي قام بها الزعيم الروحي الأعلى، آية الله خامنئي، في المسجد الجامعي في طهران قبل ذلك بعدة ايام. أنهى خامنئي موعظته محاولا إزالة التوتر الدبلوماسي الذي نشأ في أعقاب دعوة الرئيس الجديد أحمدي نجاد الى إبادة اسرائيل في مؤتمر "عالم بلا صهيونية" قبل ذلك بشهر، والتي كانت معتدلة على نحو غير مألوف، بهذه الكلمات المثيرة للانطباع: "نحن، الايرانيين، لسنا معنيين بالمس بأي أمة، ولن نكون أول من نهاجم أمة ما. لسنا نُنكر حق كيان سياسي ما في مكان ما على الارض في أن يوجد ويزدهر. نحن شعب مُحب للسلام، مطمحه الوحيد أن يعيش - وأن يسمح بالعيش - في سلام".
بغير تردد أو اظهار شيء من السخرية استمر المراسل الذي استعرض الحادث وأبلغ قائلا: "عبر جمهور المؤمنين، نحو من سبعة آلاف، عن تأييدهم بالاجماع اقوال الزعيم الروحي الأعلى بهتافات متكررة - "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل!"..".
لا يبدو هذا غريبا كما يُسمع. فهتافات "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل!" هي الصورة التي تهتف بها الجماهير الايرانية منذ أكثر من ربع قرن. عندما يحرز فريق كرة القدم في أصفهان هدفا ضد فريق كرة القدم لشيراز، يهتف أنصار الفريق الاول بأصوات عالية: "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل"، ومع انتهاء عرض لعزف مفرد على السيتار تم على نحو رائع في قاعة الاحتفالات الموسيقية في تبريز، يُظهر الجمهور تقديره لارتجال الفنان بجماعة من الشتائم بصوت عال لـ "العجرفة الدولية" (أي الولايات المتحدة) و"ابنتها الوغدة" (الدولة اليهودية). حتى في زمن الحج الى مكة، ابتدأ المشاركون الايرانيون يستبدلون بالتلبية شتائم فارسية موجهة الى المتهمات المعروفات. إن شتيمة "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر" قد أصبحت تعبيرا لغويا في الجمهورية الاسلامية، الى حد أن الصحفي الذي ذُكر آنفا لم يفكر حتى في التنبه الى التناقض الواضح الذي استُعمل بين التصريحات الراغبة في السلام في ظاهر الأمر لآية الله خامنئي وبين الردود التي لا تطلب السلام كثيرا التي سُمعت من المستمعين اليه. مثل "دقيقتي الكراهية اليومية" لـ "عدو الشعب" عمانوئيل غولدشتاين في كتاب جورج أورويل، "1984". فان صب هذا السم المنظم هو الشعار الذي يصوغ الوعي الذي ينشأ عليه جيل كامل من الايرانيين.
ما هو معنى غسل دماغ واسع لا ينقطع كهذا - يتلقاه المواطنون الايرانيون في لبان أمهاتهم ويكررونه بلا انقطاع منذ ذلك الحين الى اليوم - فيما يتعلق بسياسة الجمهورية الاسلامية الخارجية؟ ماذا يجب أن يكون معناه فيما يتعلق بسياسة اسرائيل الخارجية؟ اذا ما استمعنا الى اقوال خبراء كثيرين بايران، يجب أن يكون جواب السؤالين: لا شيء. انهم يعللون لهذا الزعم بطريقتين رئيستين: أولا، انهم يطلبون - كما فعل أنصار نظرية السياسة الواقعية منذ كانوا - التفريق بين التصور والواقع، وبين الايديولوجية والاستراتيجية، وبين الخطابة الشديدة للوعاظ والدهماء، وبين الأهداف الواعية والعملية للنظام الذي هو عملي جدا آخر الامر. وعندهم أنه حتى الضاربون على صدورهم المتحمسون كما يبدون في المساجد مشغولون فقط بتكرار الشعارات التي أصبحت قد فقدت منذ وقت كل معنى عندهم: انهم يفعلون ذلك ببساطة طرحا للواجب عن أعناقهم. يكتب كافا - يهابراسيافي، وهو صاحب عمود في صحيفة "آسيا تايمز": "للأسف الشديد، التصور الاسرائيلي عن ايران مصروف الى الخطابة.. ويتجاهل الفرق العظيم بين الخطابة الرمزية التي تنشأ من الجماهير وبين السياسة الحقيقية". "لا يجب تناول دعوات القضاء على اسرائيل كما هي"، رد هومايون - ايه - إسغفور على من أجرى معه مقابلة من قناة "الجزيرة"، "سواء أكانت تنشأ عن الشارع الايراني أو تصدر عن النخبة السياسية. هذه دعوة دينية قديمة ومستعملة لا أكثر من ذلك".
أعلن بول راينولدز، مراسل الشؤون الخارجية في محطة "بي.بي.سي" بأن "وزارة الخارجية البريطانية لا ترى دعوة الرئيس نجاد الى ابادة اسرائيل قولا يشهد على نية سياسية جديدة أو يهدد على نحو خاص، بل تراها أكثر شاهدا على عدم تجربته وعلى صرف عناية محلية جدا عند حكومته". بكلمات اخرى، ما يزال حليب أم المدير العام على شفتيه وما يزال هاويا في الدقائق الدبلوماسية، وحامض الكبريت الذي يسكبه مخصص قبل كل شيء للاستهلاك الداخلي. تقول تفسيرات بديلة، لكنها لا تقل "واقعية" إن تصريحات نجاد الخطرة تهدف قبل كل شيء الى اكتساب الاصدقاء والى التأثير في الناس في الشارع العربي، وهي في آخر الامر ايضا ورقة مساومة في الطريق الى تطبيع العلاقات مع واشنطن. على أي حال، لا تُعد الكثرة الحاسمة من أبناء بلد احمدي نجاد عند الخبراء مشاركة في تصوره المعادي: "الايرانيون الذين يجب أن نستمع اليهم"، يُبين مارك لا- فاين، "ليسوا مئة ألف السائر الذين يؤيدون اقوال نجاد، بل عشرات الملايين الذين كان عندهم شيء أفضل يفعلونه في نفس اليوم".
اذا ما قبلنا نظرية المحللين أن التهديدات والشتائم التي تُسمع من أفواه الجماهير الايرانية وقادتها هي ضجة فقط ونغمات لا تدل على شيء، وأن القرارات التي تتصل بالسياسة الايرانية الخارجية تُمليها اعتبارات "عقلانية" عملية كما في نظم حكم "متنورة" اخرى، فان اولئك المحللين يواصلون ويؤكدون أنه لا يوجد أي سبب عقلاني لنشوب الاعمال العدائية بين ايران واسرائيل. "لا يوجد أي نزاع استراتيجي ذي شأن بين ايران واسرائيل يضطر الدولتين الى الخروج لتحارب احداهما الاخرى"، يكتب البروفيسور في علوم السياسة نادر - ايه - انتصار. "لا يوجد أي اختلاف أو فرص لبدء اعمال عدائية حقيقية بين ايران واسرائيل، فضلا عن تبادل الضربات الذرية"، يضمن شهرام - ايه - شوبين، مدير مركز سياسة الأمن في جنيف. على حسب قول أفراسيابي "يصعب أن نجد اليوم خبيرا ما بشؤون ايران الخارجية يرى أن هناك أساسا لنزاع استراتيجي بين ايران واسرائيل".
لا توجد لاسرائيل وايران حدود مشتركة (هكذا تستمر الدعوة)، ومصالحهما القومية والاقتصادية لا تتعارض على أي حال من الاحوال. اعتقدت الدولتان اعتقادا تقليديا أن خصمهما "على الحدود" هي الدول العربية، ولهذا فان التوجه المشترك لهما وهو "عدو عدوي صديقي" قد جعلهما يحضن بعضهما بعضا، بعد الثورة الاسلامية ايضا. بكلمات اخرى، لا يوجد أي أساس لشحذ سيوف ايران على اسرائيل في الواقع الجغرافي - الاستراتيجي. هذا اختلاق مطور فقط، ووسيلة لاحراز غاية مغايرة تماما، أي: صرف رأي السكان في ايران عن فشل الثورة الاسلامية عامة، وفساد الخطة الاجتماعية الاقتصادية لاحمدي نجاد خاصة؛ أو محاولة للعودة الى مكانة قوة كبيرة اقليمية (كما في ايام الشاه) والى مكانة قيادة التوجه الاسلامي العالمي (كما في ايام الخميني)؛ أو - وهذه هي الدعوى السائدة - إحداث تقارب مع الولايات المتحدة لقاء كف جماح الحرب مع اسرائيل. بالضبط كما يزعم كثيرون أن سعي ايران الى التسلح بالسلاح الذري ليس أكثر من أداة، أو ورقة مساومة، كما زُعم ايضا فيما يتعلق بمناكفة اسرائيل: انهم يقولون لنا إن هذا ليس شيئا بل وسيلة فقط من اجل احراز هدف آخر، ودعاية وتظاهر، لا ينظر حتى الايرانيون انفسهم اليها بجدية؛ فلماذا اذا يجب على الاسرائيليين أن يتناولوها بجدية؟.
يمكن أن يُصاغ التقديران اللذان يتصل بعضهما ببعض في شأن "التهديد الايراني" الذي استعرضناه الآن، الصياغة الآتية:
1- "الرياضة الوطنية" الايرانية - سبّ اسرائيل والتنديد بها، بل الطلب الذي صدر مؤخرا عن الرئيس احمدي نجاد أن على اسرائيل "أن تُمحى تماما من فوق البسيطة"، لا تُعبر عن مشاعر قاتلة حقيقية أو خفية نحو دولة اليهود؛ وكذلك 2- ما تُعبر عنه هذه التنديدات الدائمة (بالاضافة الى العادة المجردة) هو مبادرة ثانوية تهدف الى احراز أهداف محلية و/ أو دولية، بعد أن تُحرز، سيمكن تليين (اذا لم تلغ الغاءا كاملا) المعاداة الايرانية للصهيونية. فيما سيأتي سأقترح دعاوى تعارض هذين التوجهين، وسأعرض تقديرا أقل "تفاؤلا" للظاهرة التي تُعبر عنها. على أي حال، أنا أزعم أن التصور المقبول عند محللي السياسة قدّر الامر تقديرا شبه صحيح - لا في الجانب المهم.
يزعم المحللون أن العادة اليومية لشتم اسرائيل في ايران أصبحت عملا متعبا، وطقسا شكليا غير مصحوب بحماسة حقيقية أو بنوايا جدية - وهم على حق. هذا الفهم يستمد التعزيز حتى من القصة التي ابتدأنا بها حديثنا: صدر عن آلاف زوار المسجد بغير أن يفكروا ألبتة طلب موت امريكا واسرائيل ربما عشرة آلاف مرة في حياتهم، مع تجاهل تام لمضمون الاقوال وحقيقة أنهم يناقضون خطبة خامنئي تماما. وعلى ذلك، في جواب سؤال "هل يقصد الايرانيون بجدية ما يقولون؟" لا نستطيع إلا أن نؤيد رأي المحللين وأن نُجيب: "لا، لا يقصدون". ليس الانشغال المعادي لاسرائيل الدائم لايران نتاج كراهية حقيقية، من أعماق القلب، لسكان اسرائيل اليهود، أو حتى للحكومة اليهودية في دولة اسرائيل. ولكن هنا تكمن الصعوبة: في آخر الامر، يكون عدم القصد احيانا أخطر من القصد. لو أن مواطني ايران وقادتهم كانت عندهم في الحقيقة كراهية عميقة شديدة للاسرائيليين، أو لليهود، أو للصهاينة، لكنا نوجد في وضع أفضل.
إن وجود كراهية حقيقية، طويلة الأمد، يقتضي دافعية حقيقية، وتحرشا هنا والآن، محسوسا ودائما. لكي تكره شخصا ما في الحقيقة وفي داخلك، يجب قبل كل شيء أن تعرفه، وثانيا أن تتضرر شخصيا من الشر الذي يفعله. والى ذلك الغضب والكراهية القويان - على قدر مبالغ فيه مطلوب للقتل - مشاعر شديدة وقوية جدا، تغمر كل شيء، ولا يمكن إلا أن تزول سريعا جدا، لانه لولا ذلك لاحترقت نفس من يحملها وانهارت. وفي النهاية، يوجد للشعور وجه الى هنا وهناك. إن الناس الذين يكرهون في الحقيقة - أي لا اولئك الذين علموهم أن يكرهوا، والذين تنبع كراهيتهم من بنى ايديولوجية تهدف الى الطمس على مشاعر انسانية بازاء الحقيقة التي لا يوجد سواها - يميلون على نحو عام ايضا الى مشاعر قوية اخرى، مثل الرحمة أو العطف، وقد يشعرون بواحد من هذه المشاعر بدل الغضب أو الكراهية اذا ما سوغت الظروف ذلك. من بين جميع هذه الاسباب، الغضب والكراهية الحقيقيان، من النوع الذي يشعر به الناس بحماسة، هما أداتان غير ناجعتين لخلق جو يدفع الى الأمام بالقتل الجماعي على عمد والى استمرار وجود هذا الجو. وهذا هو سبب أن الاعمال الوحشية الفظيعة في الحقيقة في التاريخ الانساني - الاستعباد، ومحاكم التفتيش، والارهاب، ومجازر الشعب - لم تُنفذ بدم ساخن، بل بدم بارد.
إن الأكثرية الحاسمة من الالمان في ايام الحرب العالمية الثانية لم تكره اليهود جميعا في الحقيقة: بل انهم لم يلتقوا الرجال، والنساء والاولاد والاطفال الذين ذبحوهم جماعة بعد جماعة؛ فكيف كانوا يستطيعون تنمية مشاعر حقيقية نحوهم في اتجاه ما؟ لم يكن هذا شعورا حقيقيا مباشرا في جزئه الملحوظ، بل ايديولوجية دُربوا عليها على نحو منهجي مدروس. إن الفظاعة التي لا توصف، والتي سيجب على الالمان من اجلها أن يغضوا رؤوسهم خزيا حتى نهاية التاريخ الانساني، غير مقرونة بأنهم قتلوا ستة ملايين يهودي لانهم كرهوهم، بل لانهم قتلوا ستة ملايين يهودي على رغم حقيقة أنهم لم يكرهوهم.
إن ما هو صحيح فيما يتعلق بأفراد سرايا العاصفة النازية صحيح فيما يتعلق ايضا بالاسلاميين الشيعة. إن التراث الايراني من التنديد باسرائيل هو في رأي أكثر السكان الفرس، بل في رأي أكثر قادة هذه الدولة، ليس أكثر من كلام: فمعاداة ايران لاسرائيل لم تكن قط نتاج عمل سافل بغيض ثابت يمكن تعرّفه من قبل الدولة اليهودية، ولهذا فانها ليست نتاج غضب حقيقي ومباشر يجعل الدم يغلي. إن الامر، للأسف الشديد، أعمق وأبعد إيغالا. إن حقيقة أن اسرائيل هي الشيطان، وأنها جذر كل شر وانها سرطان يجب اقتلاعه من الجسم السياسي الاسلامي - كل ذلك حقائق خالدة (وليست مشاعر غابرة). غُرست تحت المعنى المعلوم بتكرار لا يتناهى، في المكان الذي تستقر فيه غرائز أساسية، وفروض تلقائية وحقائق وجودية: انها بعيدة عن العقل الفعال، من اجل أن تضرب بجذورها فقط في أعماق النفس، فهي هناك تضرب جذورها وتبقى غافية الى أن تتطلب الظروف استعمالها من جديد. عندما يحين الوقت الملائم - وهذا الوقت آخذ في الاقتراب - ستشغل عشرات سنين الدعاية التي أُدخلت أدمغة الايرانيين والسكان المسلمين من الجزائر حتى اندونيسيا، الدور الذي شغلته مئات سنيّ معاداة السامية المسيحية عند النازيين: بعرض شعب كامل كأنه من المجذومين والدواب التي لا شأن لها، وبالشتائم، وسلب الشرعية وسلب الانسانية، أعدت الطقوسية خاصة ورتابة كراهية اسرائيل الارض النفسية في أذهان الايرانيين وجيرانهم، من أبناء دينهم، للقضاء على اسرائيل. وخلاصة الأمر أن المحللين على حق: الايرانيون لا يقصدون الى هذا، لكن هذا بالضبط هو سبب انه يجب علينا أن نتخوف أنهم قد يفعلون ذلك.
تُشتق الدعوة الثانية التي طرحها المحللون من الدعوى الاولى: لما كانت العدائية الكلامية لـ "النظام الصهيوني" ليست جدية، فانها كما يبدو وسيلة لاحراز هدف، وهذا الهدف - في رأي أكثر الخبراء - هو آخر الأمر المساومة في تليين الموقف الايراني من اسرائيل، بل التأييد الايراني للعملية السلمية في الشرق الاوسط، لقاء علاقات تامة بواشنطن والحصول على حوافز مهمة منها. كما في الحالة السابقة، خلص المحللون الى استنتاج نصف صحيح فقط: ليست القيادة الايرانية الحالية معنية بالاتجار بالاعتراف باسرائيل لقاء المصالحة مع اوروبا وامريكا؛ انها معنية بالاتجار باعترافها باوروبا وامريكا لقاء التخلي التام للدول الغربية عن اسرائيل. لفهم هذا، علينا أن نقف عند الفرق الحاسم بين المعاداة الايرانية - الاسلامية لـ "الشيطان الأكبر" والمعاداة الايرانية - الاسلامية لـ "الشيطان الأصغر"، وبين "الموت لامريكا" و"الموت لاسرائيل".
"الشيطان الأكبر" هو.. الأكبر. لا يعتقد أي واحد سليم العقل في ايران اليوم أنه سيحظى بأن يرى في الحقيقة احتلال الاسلام لامريكا قبل مجيء المهدي الاسلامي (وإن يكن يجب الاعتراف بحقيقة أن احمدي نجاد وطائفة ديليه يقيمون علاقات وثيقة بتأجيليان، الذين يطمحون الى التعجيل بقدومه). لكن اسرائيل مسألة اخرى. إن عددا أكبر فأكبر من المسلمين الايرانيين يعتقدون اليوم أن محو اسرائيل من الخريطة حلم يمكن تحقيقه هنا والآن. احدى العلامات على ذلك هي كثرة المقالات التي نشرت في الصحف الفارسية في الاشهر الأخيرة التي لا تنحصر، كما في الماضي، في القوة غير المحدودة لجماعة الضغط اليهودية وفي الذراع الطويلة للمنظمة الصهيونية العالمية، بل في عكس هذه الظواهر على التخصيص: في كل صدع وخلل يمكن أن يُريا في المبنى اليهودي القومي الفخم. تشتمل الامثلة على الموازنات التي أجراها احمدي نجاد بين اسرائيل و"الشجرة العفنة"، والتي محوها من فوق الارض هو "هدف يمكن أن نحرزه بيقين"، وكذلك مقالة كاملة في صحيفة "أتلاءات" التي تسيطر عليها الحكومة، والتي تصف العدد الكبير من المهاجرين الروس في اسرائيل الذين انضموا الى حركة "يهود من اجل المسيح" أو الى عبادات شيطان مختلفة، أو هاجروا عن البلاد الى موطنهم أو الى غايات اخرى. يخصص مكان جليل للقصص عن الخصومات المدمرة بين اوساط مختلفة من اليهود تمزق نسيج المجتمع الاسرائيلي، وهو وصف يُذكر بوصف الخميني الساخر من دولة اليهود كـ "اسرائيل ضد لاسرائيل". واستمر الخميني قائلا: "لو أن المسلمين اتحدوا، وأخذ كل واحد منهم دلوا من الماء وصبها على اسرائيل، دولة القش هذه، التي يأكل بعضها بعضا وهي ما تزال حية، لكانت غرقت سريعا". تبحث مقالة نشرت في الصحيفة اليومية "همشهري" قبل بضعة اسابيع في الحيل السياسية الاسرائيلية، واشتملت على صورة لشمعون بيرس وعمير بيرتس يتحادثان. "انتبهوا الى أن بيرس يلبس حُلّة ورباط عنق"، كتب مؤلف المقالة، "أما بيرتس فلا يلبس حتى معطفا، وقميصه مفتوح. هذه طريقة تقليدية لاظهار عدم الاحترام في اسرائيل، التي يكره فيها جميع الساسة بعضهم بعضا كراهية شريرة". "لا يقاتلونكم جميعا" أعلن آية الله خامنئي في الخطبة التي خطبها مؤخرا في حضور طلاب في جامعة طهران، وهو يقتبس الآية 14 من سورة الحشر، متناولا يهود المدينة. كما أتى صلاح الدين من المشرق ليوقع الضربة الحاسمة برأس الشاطىء الصليبي الذي كان يوشك أن ينهار، تطمح الجمهورية الاسلامية كذلك الى أن تأتي من الشرق لتُخلص دار الاسلام من اسرائيل بمرة واحدة والى الأبد.
من حسن حظنا أننا لا نقف وحدنا في وجه الايرانيين وأنصارهم الكثيرين بين المسلمين: فحليفاتنا الغربيات يقفن من ورائنا. لكن كم من الوقت سيستمر هذا؟ للاجابة على هذا السؤال علينا أن نفهم توجها مهما. في بدء تاريخ الاسلام، بعد أن زار مد الانتصارات الخاطفة، أدرك المسلمون أنهم سيضطرون الى الاكتفاء بجزء من العالم الغربي فقط، وأنهم سيضطرون الى تقاسم الجزء الآخر مع النصارى. سلّم قادة الاسلام، بل فقهاء المسلمين لـ "الوضع الراهن" هذا في العصور الوسطى وقدسوه تقريبا: فقد قُسم العالم المأهول بين مملكة الاسلام في الشرق والمملكة النصرانية في الغرب. ولما كان الامر كذلك فان الاختراق المبالغ فيه للحدود كان غير محتمل، وهكذا طرد صلاح الدين الصليبيين، وانسحب العثمانيون من فيينا، ولكن في الحصيلة النهائية تم احراز توازن ما، يمكن أن يُقال فيه ان كل طرف احترم الآخر، وإن لم يكن الامر بلا طمع.
إن البنية التحتية العقائدية الرئيسة لهذه السياسة السياسية - العسكرية للمصالحة أعلت آية من القرآن قدرها، يُبين فحواها من الفور لماذا لا يوجد مكان لدولة اسرائيل في هذا النظام المثالي للتوازن الدولي والتسامح المتبادل: "لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" (سورة المائدة، الآية 85).
يظهر اسم المسيح في القرآن 25 مرة فقط، أما اسم موسى فيظهر 131 مرة. ومع كل ذلك، منذ الهجرة الاولى لأتباع محمد (عليه الصلاة والسلام) الى الحبشة حتى رسالة احمدي نجاد الأخيرة الى جورج بوش، استغل المسلمون دائما الامتياز في التقدير المشترك - الاسلامي والمسيحي - للمسيح لتقديم التعاون بين أبناء الديانتين. أما موسى في مقابلة ذلك فلم يستعمله المسلمون قط لتعزيز التعايش مع اليهود. ليس الشيطان الأصغر كالشيطان الأكبر.
يوجد احساس منتشر في مجال تسوية النزاعات، يُشتق من جملة ما يُشتق منه، من العقل المستقيم، بأن القضاء على "الجيوب" أو "المواقع الخارجية" في منطقة الخصم يُحدث حدودا يمكن الدفاع عنها أكثر ويأتي بتوازن ناجع يُمكّن الأعداء من أن يصبحوا في يوم ما اصدقاء. هذا هو المنطق الموجود في أساس خطتي "الانفصال" و"الانطواء" لرئيسي الحكومة شارون واولمرت. إن الخوف الكبير الذي قد يقض مضجع دولة اسرائيل هو أن الغرب قد يأخذ في يوم ما بهذا المنطق ويطبقه على النظام الدولي وعلى النزاع الاسلامي - المسيحي. لانه لا يوجد اليوم أي جدول عمل يُقدمه الاسلاميون تقديما حثيثا في أنحاء العالم (واحمدي نجاد يحتل مكان الصدارة بينهم) سوى جدول العمل الآتي: أن توافق امريكا واوروبا على أن تُقربا على مذبح المصالحة الاسلامية - المسيحية "الجيب" أو "الموقع الخارجي"، الامبريالي الغربي المعروف باسم اسرائيل - وهي الوباء السام الذي أُدخل قبل ستين سنة في قلب مملكة الاسلام.
في واقع الامر هذا هو الموضوع الرئيس في رسالة نجاد الى الرئيس بوش اذا قرأناها بتأمل. إن قرار الايرانيين، وملايين المسلمين من محالفيهم، مصمم على جعل التخلي عن اسرائيل ثمن السلام في ايامنا، ويختار العالم الغربي المصالحة أكثر فأكثر. يجب على اسرائيل أن تستمر في السعي الى اقامة أحلافها الضرورية، لكن يجب عليها ايضا أن تكون مستعدة للعمل كشعب وحيد.
على أية حال يجب النظر الى الايرانيين - على رغم محاولات الخبراء على اختلافهم طمأنتنا - بجدية كبيرة جدا.
بقلم: زئيف ماغين
رئيس قسم تاريخ الشرق الاوسط في جامعة بار - ايلان وباحث كبير في مركز بيغن – السادات
في كانون الثاني 2006 نشرت الصحيفة اليومية الايرانية "الجمهورية الاسلامية"، فحوى الخطبة التي قام بها الزعيم الروحي الأعلى، آية الله خامنئي، في المسجد الجامعي في طهران قبل ذلك بعدة ايام. أنهى خامنئي موعظته محاولا إزالة التوتر الدبلوماسي الذي نشأ في أعقاب دعوة الرئيس الجديد أحمدي نجاد الى إبادة اسرائيل في مؤتمر "عالم بلا صهيونية" قبل ذلك بشهر، والتي كانت معتدلة على نحو غير مألوف، بهذه الكلمات المثيرة للانطباع: "نحن، الايرانيين، لسنا معنيين بالمس بأي أمة، ولن نكون أول من نهاجم أمة ما. لسنا نُنكر حق كيان سياسي ما في مكان ما على الارض في أن يوجد ويزدهر. نحن شعب مُحب للسلام، مطمحه الوحيد أن يعيش - وأن يسمح بالعيش - في سلام".
بغير تردد أو اظهار شيء من السخرية استمر المراسل الذي استعرض الحادث وأبلغ قائلا: "عبر جمهور المؤمنين، نحو من سبعة آلاف، عن تأييدهم بالاجماع اقوال الزعيم الروحي الأعلى بهتافات متكررة - "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل!"..".
لا يبدو هذا غريبا كما يُسمع. فهتافات "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل!" هي الصورة التي تهتف بها الجماهير الايرانية منذ أكثر من ربع قرن. عندما يحرز فريق كرة القدم في أصفهان هدفا ضد فريق كرة القدم لشيراز، يهتف أنصار الفريق الاول بأصوات عالية: "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل"، ومع انتهاء عرض لعزف مفرد على السيتار تم على نحو رائع في قاعة الاحتفالات الموسيقية في تبريز، يُظهر الجمهور تقديره لارتجال الفنان بجماعة من الشتائم بصوت عال لـ "العجرفة الدولية" (أي الولايات المتحدة) و"ابنتها الوغدة" (الدولة اليهودية). حتى في زمن الحج الى مكة، ابتدأ المشاركون الايرانيون يستبدلون بالتلبية شتائم فارسية موجهة الى المتهمات المعروفات. إن شتيمة "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر" قد أصبحت تعبيرا لغويا في الجمهورية الاسلامية، الى حد أن الصحفي الذي ذُكر آنفا لم يفكر حتى في التنبه الى التناقض الواضح الذي استُعمل بين التصريحات الراغبة في السلام في ظاهر الأمر لآية الله خامنئي وبين الردود التي لا تطلب السلام كثيرا التي سُمعت من المستمعين اليه. مثل "دقيقتي الكراهية اليومية" لـ "عدو الشعب" عمانوئيل غولدشتاين في كتاب جورج أورويل، "1984". فان صب هذا السم المنظم هو الشعار الذي يصوغ الوعي الذي ينشأ عليه جيل كامل من الايرانيين.
ما هو معنى غسل دماغ واسع لا ينقطع كهذا - يتلقاه المواطنون الايرانيون في لبان أمهاتهم ويكررونه بلا انقطاع منذ ذلك الحين الى اليوم - فيما يتعلق بسياسة الجمهورية الاسلامية الخارجية؟ ماذا يجب أن يكون معناه فيما يتعلق بسياسة اسرائيل الخارجية؟ اذا ما استمعنا الى اقوال خبراء كثيرين بايران، يجب أن يكون جواب السؤالين: لا شيء. انهم يعللون لهذا الزعم بطريقتين رئيستين: أولا، انهم يطلبون - كما فعل أنصار نظرية السياسة الواقعية منذ كانوا - التفريق بين التصور والواقع، وبين الايديولوجية والاستراتيجية، وبين الخطابة الشديدة للوعاظ والدهماء، وبين الأهداف الواعية والعملية للنظام الذي هو عملي جدا آخر الامر. وعندهم أنه حتى الضاربون على صدورهم المتحمسون كما يبدون في المساجد مشغولون فقط بتكرار الشعارات التي أصبحت قد فقدت منذ وقت كل معنى عندهم: انهم يفعلون ذلك ببساطة طرحا للواجب عن أعناقهم. يكتب كافا - يهابراسيافي، وهو صاحب عمود في صحيفة "آسيا تايمز": "للأسف الشديد، التصور الاسرائيلي عن ايران مصروف الى الخطابة.. ويتجاهل الفرق العظيم بين الخطابة الرمزية التي تنشأ من الجماهير وبين السياسة الحقيقية". "لا يجب تناول دعوات القضاء على اسرائيل كما هي"، رد هومايون - ايه - إسغفور على من أجرى معه مقابلة من قناة "الجزيرة"، "سواء أكانت تنشأ عن الشارع الايراني أو تصدر عن النخبة السياسية. هذه دعوة دينية قديمة ومستعملة لا أكثر من ذلك".
أعلن بول راينولدز، مراسل الشؤون الخارجية في محطة "بي.بي.سي" بأن "وزارة الخارجية البريطانية لا ترى دعوة الرئيس نجاد الى ابادة اسرائيل قولا يشهد على نية سياسية جديدة أو يهدد على نحو خاص، بل تراها أكثر شاهدا على عدم تجربته وعلى صرف عناية محلية جدا عند حكومته". بكلمات اخرى، ما يزال حليب أم المدير العام على شفتيه وما يزال هاويا في الدقائق الدبلوماسية، وحامض الكبريت الذي يسكبه مخصص قبل كل شيء للاستهلاك الداخلي. تقول تفسيرات بديلة، لكنها لا تقل "واقعية" إن تصريحات نجاد الخطرة تهدف قبل كل شيء الى اكتساب الاصدقاء والى التأثير في الناس في الشارع العربي، وهي في آخر الامر ايضا ورقة مساومة في الطريق الى تطبيع العلاقات مع واشنطن. على أي حال، لا تُعد الكثرة الحاسمة من أبناء بلد احمدي نجاد عند الخبراء مشاركة في تصوره المعادي: "الايرانيون الذين يجب أن نستمع اليهم"، يُبين مارك لا- فاين، "ليسوا مئة ألف السائر الذين يؤيدون اقوال نجاد، بل عشرات الملايين الذين كان عندهم شيء أفضل يفعلونه في نفس اليوم".
اذا ما قبلنا نظرية المحللين أن التهديدات والشتائم التي تُسمع من أفواه الجماهير الايرانية وقادتها هي ضجة فقط ونغمات لا تدل على شيء، وأن القرارات التي تتصل بالسياسة الايرانية الخارجية تُمليها اعتبارات "عقلانية" عملية كما في نظم حكم "متنورة" اخرى، فان اولئك المحللين يواصلون ويؤكدون أنه لا يوجد أي سبب عقلاني لنشوب الاعمال العدائية بين ايران واسرائيل. "لا يوجد أي نزاع استراتيجي ذي شأن بين ايران واسرائيل يضطر الدولتين الى الخروج لتحارب احداهما الاخرى"، يكتب البروفيسور في علوم السياسة نادر - ايه - انتصار. "لا يوجد أي اختلاف أو فرص لبدء اعمال عدائية حقيقية بين ايران واسرائيل، فضلا عن تبادل الضربات الذرية"، يضمن شهرام - ايه - شوبين، مدير مركز سياسة الأمن في جنيف. على حسب قول أفراسيابي "يصعب أن نجد اليوم خبيرا ما بشؤون ايران الخارجية يرى أن هناك أساسا لنزاع استراتيجي بين ايران واسرائيل".
لا توجد لاسرائيل وايران حدود مشتركة (هكذا تستمر الدعوة)، ومصالحهما القومية والاقتصادية لا تتعارض على أي حال من الاحوال. اعتقدت الدولتان اعتقادا تقليديا أن خصمهما "على الحدود" هي الدول العربية، ولهذا فان التوجه المشترك لهما وهو "عدو عدوي صديقي" قد جعلهما يحضن بعضهما بعضا، بعد الثورة الاسلامية ايضا. بكلمات اخرى، لا يوجد أي أساس لشحذ سيوف ايران على اسرائيل في الواقع الجغرافي - الاستراتيجي. هذا اختلاق مطور فقط، ووسيلة لاحراز غاية مغايرة تماما، أي: صرف رأي السكان في ايران عن فشل الثورة الاسلامية عامة، وفساد الخطة الاجتماعية الاقتصادية لاحمدي نجاد خاصة؛ أو محاولة للعودة الى مكانة قوة كبيرة اقليمية (كما في ايام الشاه) والى مكانة قيادة التوجه الاسلامي العالمي (كما في ايام الخميني)؛ أو - وهذه هي الدعوى السائدة - إحداث تقارب مع الولايات المتحدة لقاء كف جماح الحرب مع اسرائيل. بالضبط كما يزعم كثيرون أن سعي ايران الى التسلح بالسلاح الذري ليس أكثر من أداة، أو ورقة مساومة، كما زُعم ايضا فيما يتعلق بمناكفة اسرائيل: انهم يقولون لنا إن هذا ليس شيئا بل وسيلة فقط من اجل احراز هدف آخر، ودعاية وتظاهر، لا ينظر حتى الايرانيون انفسهم اليها بجدية؛ فلماذا اذا يجب على الاسرائيليين أن يتناولوها بجدية؟.
يمكن أن يُصاغ التقديران اللذان يتصل بعضهما ببعض في شأن "التهديد الايراني" الذي استعرضناه الآن، الصياغة الآتية:
1- "الرياضة الوطنية" الايرانية - سبّ اسرائيل والتنديد بها، بل الطلب الذي صدر مؤخرا عن الرئيس احمدي نجاد أن على اسرائيل "أن تُمحى تماما من فوق البسيطة"، لا تُعبر عن مشاعر قاتلة حقيقية أو خفية نحو دولة اليهود؛ وكذلك 2- ما تُعبر عنه هذه التنديدات الدائمة (بالاضافة الى العادة المجردة) هو مبادرة ثانوية تهدف الى احراز أهداف محلية و/ أو دولية، بعد أن تُحرز، سيمكن تليين (اذا لم تلغ الغاءا كاملا) المعاداة الايرانية للصهيونية. فيما سيأتي سأقترح دعاوى تعارض هذين التوجهين، وسأعرض تقديرا أقل "تفاؤلا" للظاهرة التي تُعبر عنها. على أي حال، أنا أزعم أن التصور المقبول عند محللي السياسة قدّر الامر تقديرا شبه صحيح - لا في الجانب المهم.
يزعم المحللون أن العادة اليومية لشتم اسرائيل في ايران أصبحت عملا متعبا، وطقسا شكليا غير مصحوب بحماسة حقيقية أو بنوايا جدية - وهم على حق. هذا الفهم يستمد التعزيز حتى من القصة التي ابتدأنا بها حديثنا: صدر عن آلاف زوار المسجد بغير أن يفكروا ألبتة طلب موت امريكا واسرائيل ربما عشرة آلاف مرة في حياتهم، مع تجاهل تام لمضمون الاقوال وحقيقة أنهم يناقضون خطبة خامنئي تماما. وعلى ذلك، في جواب سؤال "هل يقصد الايرانيون بجدية ما يقولون؟" لا نستطيع إلا أن نؤيد رأي المحللين وأن نُجيب: "لا، لا يقصدون". ليس الانشغال المعادي لاسرائيل الدائم لايران نتاج كراهية حقيقية، من أعماق القلب، لسكان اسرائيل اليهود، أو حتى للحكومة اليهودية في دولة اسرائيل. ولكن هنا تكمن الصعوبة: في آخر الامر، يكون عدم القصد احيانا أخطر من القصد. لو أن مواطني ايران وقادتهم كانت عندهم في الحقيقة كراهية عميقة شديدة للاسرائيليين، أو لليهود، أو للصهاينة، لكنا نوجد في وضع أفضل.
إن وجود كراهية حقيقية، طويلة الأمد، يقتضي دافعية حقيقية، وتحرشا هنا والآن، محسوسا ودائما. لكي تكره شخصا ما في الحقيقة وفي داخلك، يجب قبل كل شيء أن تعرفه، وثانيا أن تتضرر شخصيا من الشر الذي يفعله. والى ذلك الغضب والكراهية القويان - على قدر مبالغ فيه مطلوب للقتل - مشاعر شديدة وقوية جدا، تغمر كل شيء، ولا يمكن إلا أن تزول سريعا جدا، لانه لولا ذلك لاحترقت نفس من يحملها وانهارت. وفي النهاية، يوجد للشعور وجه الى هنا وهناك. إن الناس الذين يكرهون في الحقيقة - أي لا اولئك الذين علموهم أن يكرهوا، والذين تنبع كراهيتهم من بنى ايديولوجية تهدف الى الطمس على مشاعر انسانية بازاء الحقيقة التي لا يوجد سواها - يميلون على نحو عام ايضا الى مشاعر قوية اخرى، مثل الرحمة أو العطف، وقد يشعرون بواحد من هذه المشاعر بدل الغضب أو الكراهية اذا ما سوغت الظروف ذلك. من بين جميع هذه الاسباب، الغضب والكراهية الحقيقيان، من النوع الذي يشعر به الناس بحماسة، هما أداتان غير ناجعتين لخلق جو يدفع الى الأمام بالقتل الجماعي على عمد والى استمرار وجود هذا الجو. وهذا هو سبب أن الاعمال الوحشية الفظيعة في الحقيقة في التاريخ الانساني - الاستعباد، ومحاكم التفتيش، والارهاب، ومجازر الشعب - لم تُنفذ بدم ساخن، بل بدم بارد.
إن الأكثرية الحاسمة من الالمان في ايام الحرب العالمية الثانية لم تكره اليهود جميعا في الحقيقة: بل انهم لم يلتقوا الرجال، والنساء والاولاد والاطفال الذين ذبحوهم جماعة بعد جماعة؛ فكيف كانوا يستطيعون تنمية مشاعر حقيقية نحوهم في اتجاه ما؟ لم يكن هذا شعورا حقيقيا مباشرا في جزئه الملحوظ، بل ايديولوجية دُربوا عليها على نحو منهجي مدروس. إن الفظاعة التي لا توصف، والتي سيجب على الالمان من اجلها أن يغضوا رؤوسهم خزيا حتى نهاية التاريخ الانساني، غير مقرونة بأنهم قتلوا ستة ملايين يهودي لانهم كرهوهم، بل لانهم قتلوا ستة ملايين يهودي على رغم حقيقة أنهم لم يكرهوهم.
إن ما هو صحيح فيما يتعلق بأفراد سرايا العاصفة النازية صحيح فيما يتعلق ايضا بالاسلاميين الشيعة. إن التراث الايراني من التنديد باسرائيل هو في رأي أكثر السكان الفرس، بل في رأي أكثر قادة هذه الدولة، ليس أكثر من كلام: فمعاداة ايران لاسرائيل لم تكن قط نتاج عمل سافل بغيض ثابت يمكن تعرّفه من قبل الدولة اليهودية، ولهذا فانها ليست نتاج غضب حقيقي ومباشر يجعل الدم يغلي. إن الامر، للأسف الشديد، أعمق وأبعد إيغالا. إن حقيقة أن اسرائيل هي الشيطان، وأنها جذر كل شر وانها سرطان يجب اقتلاعه من الجسم السياسي الاسلامي - كل ذلك حقائق خالدة (وليست مشاعر غابرة). غُرست تحت المعنى المعلوم بتكرار لا يتناهى، في المكان الذي تستقر فيه غرائز أساسية، وفروض تلقائية وحقائق وجودية: انها بعيدة عن العقل الفعال، من اجل أن تضرب بجذورها فقط في أعماق النفس، فهي هناك تضرب جذورها وتبقى غافية الى أن تتطلب الظروف استعمالها من جديد. عندما يحين الوقت الملائم - وهذا الوقت آخذ في الاقتراب - ستشغل عشرات سنين الدعاية التي أُدخلت أدمغة الايرانيين والسكان المسلمين من الجزائر حتى اندونيسيا، الدور الذي شغلته مئات سنيّ معاداة السامية المسيحية عند النازيين: بعرض شعب كامل كأنه من المجذومين والدواب التي لا شأن لها، وبالشتائم، وسلب الشرعية وسلب الانسانية، أعدت الطقوسية خاصة ورتابة كراهية اسرائيل الارض النفسية في أذهان الايرانيين وجيرانهم، من أبناء دينهم، للقضاء على اسرائيل. وخلاصة الأمر أن المحللين على حق: الايرانيون لا يقصدون الى هذا، لكن هذا بالضبط هو سبب انه يجب علينا أن نتخوف أنهم قد يفعلون ذلك.
تُشتق الدعوة الثانية التي طرحها المحللون من الدعوى الاولى: لما كانت العدائية الكلامية لـ "النظام الصهيوني" ليست جدية، فانها كما يبدو وسيلة لاحراز هدف، وهذا الهدف - في رأي أكثر الخبراء - هو آخر الأمر المساومة في تليين الموقف الايراني من اسرائيل، بل التأييد الايراني للعملية السلمية في الشرق الاوسط، لقاء علاقات تامة بواشنطن والحصول على حوافز مهمة منها. كما في الحالة السابقة، خلص المحللون الى استنتاج نصف صحيح فقط: ليست القيادة الايرانية الحالية معنية بالاتجار بالاعتراف باسرائيل لقاء المصالحة مع اوروبا وامريكا؛ انها معنية بالاتجار باعترافها باوروبا وامريكا لقاء التخلي التام للدول الغربية عن اسرائيل. لفهم هذا، علينا أن نقف عند الفرق الحاسم بين المعاداة الايرانية - الاسلامية لـ "الشيطان الأكبر" والمعاداة الايرانية - الاسلامية لـ "الشيطان الأصغر"، وبين "الموت لامريكا" و"الموت لاسرائيل".
"الشيطان الأكبر" هو.. الأكبر. لا يعتقد أي واحد سليم العقل في ايران اليوم أنه سيحظى بأن يرى في الحقيقة احتلال الاسلام لامريكا قبل مجيء المهدي الاسلامي (وإن يكن يجب الاعتراف بحقيقة أن احمدي نجاد وطائفة ديليه يقيمون علاقات وثيقة بتأجيليان، الذين يطمحون الى التعجيل بقدومه). لكن اسرائيل مسألة اخرى. إن عددا أكبر فأكبر من المسلمين الايرانيين يعتقدون اليوم أن محو اسرائيل من الخريطة حلم يمكن تحقيقه هنا والآن. احدى العلامات على ذلك هي كثرة المقالات التي نشرت في الصحف الفارسية في الاشهر الأخيرة التي لا تنحصر، كما في الماضي، في القوة غير المحدودة لجماعة الضغط اليهودية وفي الذراع الطويلة للمنظمة الصهيونية العالمية، بل في عكس هذه الظواهر على التخصيص: في كل صدع وخلل يمكن أن يُريا في المبنى اليهودي القومي الفخم. تشتمل الامثلة على الموازنات التي أجراها احمدي نجاد بين اسرائيل و"الشجرة العفنة"، والتي محوها من فوق الارض هو "هدف يمكن أن نحرزه بيقين"، وكذلك مقالة كاملة في صحيفة "أتلاءات" التي تسيطر عليها الحكومة، والتي تصف العدد الكبير من المهاجرين الروس في اسرائيل الذين انضموا الى حركة "يهود من اجل المسيح" أو الى عبادات شيطان مختلفة، أو هاجروا عن البلاد الى موطنهم أو الى غايات اخرى. يخصص مكان جليل للقصص عن الخصومات المدمرة بين اوساط مختلفة من اليهود تمزق نسيج المجتمع الاسرائيلي، وهو وصف يُذكر بوصف الخميني الساخر من دولة اليهود كـ "اسرائيل ضد لاسرائيل". واستمر الخميني قائلا: "لو أن المسلمين اتحدوا، وأخذ كل واحد منهم دلوا من الماء وصبها على اسرائيل، دولة القش هذه، التي يأكل بعضها بعضا وهي ما تزال حية، لكانت غرقت سريعا". تبحث مقالة نشرت في الصحيفة اليومية "همشهري" قبل بضعة اسابيع في الحيل السياسية الاسرائيلية، واشتملت على صورة لشمعون بيرس وعمير بيرتس يتحادثان. "انتبهوا الى أن بيرس يلبس حُلّة ورباط عنق"، كتب مؤلف المقالة، "أما بيرتس فلا يلبس حتى معطفا، وقميصه مفتوح. هذه طريقة تقليدية لاظهار عدم الاحترام في اسرائيل، التي يكره فيها جميع الساسة بعضهم بعضا كراهية شريرة". "لا يقاتلونكم جميعا" أعلن آية الله خامنئي في الخطبة التي خطبها مؤخرا في حضور طلاب في جامعة طهران، وهو يقتبس الآية 14 من سورة الحشر، متناولا يهود المدينة. كما أتى صلاح الدين من المشرق ليوقع الضربة الحاسمة برأس الشاطىء الصليبي الذي كان يوشك أن ينهار، تطمح الجمهورية الاسلامية كذلك الى أن تأتي من الشرق لتُخلص دار الاسلام من اسرائيل بمرة واحدة والى الأبد.
من حسن حظنا أننا لا نقف وحدنا في وجه الايرانيين وأنصارهم الكثيرين بين المسلمين: فحليفاتنا الغربيات يقفن من ورائنا. لكن كم من الوقت سيستمر هذا؟ للاجابة على هذا السؤال علينا أن نفهم توجها مهما. في بدء تاريخ الاسلام، بعد أن زار مد الانتصارات الخاطفة، أدرك المسلمون أنهم سيضطرون الى الاكتفاء بجزء من العالم الغربي فقط، وأنهم سيضطرون الى تقاسم الجزء الآخر مع النصارى. سلّم قادة الاسلام، بل فقهاء المسلمين لـ "الوضع الراهن" هذا في العصور الوسطى وقدسوه تقريبا: فقد قُسم العالم المأهول بين مملكة الاسلام في الشرق والمملكة النصرانية في الغرب. ولما كان الامر كذلك فان الاختراق المبالغ فيه للحدود كان غير محتمل، وهكذا طرد صلاح الدين الصليبيين، وانسحب العثمانيون من فيينا، ولكن في الحصيلة النهائية تم احراز توازن ما، يمكن أن يُقال فيه ان كل طرف احترم الآخر، وإن لم يكن الامر بلا طمع.
إن البنية التحتية العقائدية الرئيسة لهذه السياسة السياسية - العسكرية للمصالحة أعلت آية من القرآن قدرها، يُبين فحواها من الفور لماذا لا يوجد مكان لدولة اسرائيل في هذا النظام المثالي للتوازن الدولي والتسامح المتبادل: "لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" (سورة المائدة، الآية 85).
يظهر اسم المسيح في القرآن 25 مرة فقط، أما اسم موسى فيظهر 131 مرة. ومع كل ذلك، منذ الهجرة الاولى لأتباع محمد (عليه الصلاة والسلام) الى الحبشة حتى رسالة احمدي نجاد الأخيرة الى جورج بوش، استغل المسلمون دائما الامتياز في التقدير المشترك - الاسلامي والمسيحي - للمسيح لتقديم التعاون بين أبناء الديانتين. أما موسى في مقابلة ذلك فلم يستعمله المسلمون قط لتعزيز التعايش مع اليهود. ليس الشيطان الأصغر كالشيطان الأكبر.
يوجد احساس منتشر في مجال تسوية النزاعات، يُشتق من جملة ما يُشتق منه، من العقل المستقيم، بأن القضاء على "الجيوب" أو "المواقع الخارجية" في منطقة الخصم يُحدث حدودا يمكن الدفاع عنها أكثر ويأتي بتوازن ناجع يُمكّن الأعداء من أن يصبحوا في يوم ما اصدقاء. هذا هو المنطق الموجود في أساس خطتي "الانفصال" و"الانطواء" لرئيسي الحكومة شارون واولمرت. إن الخوف الكبير الذي قد يقض مضجع دولة اسرائيل هو أن الغرب قد يأخذ في يوم ما بهذا المنطق ويطبقه على النظام الدولي وعلى النزاع الاسلامي - المسيحي. لانه لا يوجد اليوم أي جدول عمل يُقدمه الاسلاميون تقديما حثيثا في أنحاء العالم (واحمدي نجاد يحتل مكان الصدارة بينهم) سوى جدول العمل الآتي: أن توافق امريكا واوروبا على أن تُقربا على مذبح المصالحة الاسلامية - المسيحية "الجيب" أو "الموقع الخارجي"، الامبريالي الغربي المعروف باسم اسرائيل - وهي الوباء السام الذي أُدخل قبل ستين سنة في قلب مملكة الاسلام.
في واقع الامر هذا هو الموضوع الرئيس في رسالة نجاد الى الرئيس بوش اذا قرأناها بتأمل. إن قرار الايرانيين، وملايين المسلمين من محالفيهم، مصمم على جعل التخلي عن اسرائيل ثمن السلام في ايامنا، ويختار العالم الغربي المصالحة أكثر فأكثر. يجب على اسرائيل أن تستمر في السعي الى اقامة أحلافها الضرورية، لكن يجب عليها ايضا أن تكون مستعدة للعمل كشعب وحيد.
على أية حال يجب النظر الى الايرانيين - على رغم محاولات الخبراء على اختلافهم طمأنتنا - بجدية كبيرة جدا.

التعليقات