الحلم النووي العربي:عوامل سياسية وإقتصادية وقفت أمام سعي بعض الدول العربية للإستفادة من الطاقة النووية

الحلم النووي العربي:عوامل سياسية وإقتصادية وقفت أمام سعي بعض الدول العربية للإستفادة من الطاقة النووية
غزة-دنيا الوطن

نهاية عام 2006 وبداية عام 2007 اعلنت دول الخليج العربي ومصر والمغرب والجزائر عزمها على خوض مجال بناء المفاعلات النووية للاستخدام السلمي خصوصا من اجل توليد الطاقة. وقد احيا الاعلان امالا عربية بدأت منذ منتصف القرن العشرين من اجل امتلاك القدرة على توليد الطاقة النووية للاستخدامات الطبية والعلمية والاقتصادية.

اليوم بسبب المتغيرات الكثيرة فى اسعار البترول وامكانيات نضوبه في بعض الدول تتخذ الخطوات والطموحات العربية بعدا اخر. فهناك نحو 440 مفاعل نوويا لإنتاج الطاقة في العالم حاليا تشارك في إنتاج 16 % من كهرباء العالم وتوفر على العالم إنتاج نحو 1.8 مليار طن من ثاني أوكسيد الكربون وبالتالى تساعد على منع الاحتباس الحراري لانها لا تنتج أيا من أكاسيد الكبريت أو النتروجين كما هو الحال في محطات الطاقة المستخدمة للوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط. ويمكن استخدام الطاقة النووية في تحلية مياه البحر مع إنتاجها للطاقة الكهربائية، كما أنها تستخدم في إنتاج النظائر المشعة المستخدمة في الصناعة والزراعة والطب والبحث العلمي. غير ان للطاقة النووية وجها اخر وهو مخاطرها البيئية والصحية في حالات التسربات الاشعاعية. لكن البعض يقول ان العالم يتجه نحو المفاعلات النووية حتى الدول الغربية، وان الدول العربية بدورها عليها ان تسير على هذا الطريق من الان. فما هي الخطوات العربية التي اتخذت في هذا المجال حتى الان وما هي تأثيراتها وكلفتها؟ «الشرق الأوسط» تجيب عبر مسؤولين حكوميين وخبراء واستاذة متخصصين من الخليج ومصر والمغرب والجزائر يتحدثون عن تجارب بلدانهم.

الرباط: نبيل دريوش الجزائر: بوعلام غمراسة - في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي فجر جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر مفاجأة من العيار الثقيل بدعوته أمام مؤتمر الحزب السنوي الرابع إلى دراسة وضع الطاقة في مصر ومنها الطاقة النووية، ليأتي من بعده الرئيس المصري حسني مبارك ليعرب عن تأييده في خطاب له لحق مصر في امتلاك الطاقة النووية السلمية.

وإذا كانت الدراسات تؤكد أن مصر مقبلة على مجاعة فى الطاقة بسبب تزايد معدلات استهلاك الطاقة وحاجة البلاد الى 63 الف ميجاوات عام 2027 ـ وهي ثلاثة أضعاف الطاقة المولدة حاليا ـ فإن التحدي الأكبر الذي يواجه صناع القرار في مصر خلال الفترة المقبلة هو قلة عمر احتياطي البترول والغاز في الحقول المصرية والذي أوشك على النضوب مما يعني تهديدا مباشرا للحياة على أرض مصر ولشعبها الذي ينعم بالكهرباء بنسبة 99 % .

وتتشابه هذه الظروف إلى حد كبير مع الدراسات التي أجريت بواسطة وزارة الكهرباء والطاقة المصرية والمكاتب الاستشارية عام 1980 والتي أثبتت حاجة مصر في عام 2000 الى 22600 ميغاوات كهرباء. كما أن القوة الإجمالية في عام 1980 لم تزد على 4500 ميغاوات بما يعني انه كان على مصر زيادة تلك القدرة بمقدار 18100 ميغاوات توفر منها الطاقة النووية 8000 ميغاوات والباقي يعتمد على مصادر أخرى. ودرست لجان مجلس الشعب المصري الموضوع برمته في حينه بواسطة لجنة مشتركة جمعت لجان التعليم والبحث العلمي ومكاتب لجان الصناعة والطاقة والثقافة والاعلام والشؤون الاقتصادية واوصت في 14 مايو 1980 بضرورة انشاء المحطات النووية بصفة عاجلة وطلبت من رئيس الجمهورية ـ الرئيس الراحل أنور السادات آنذاك ـ رعاية الموضوع شخصيا وأوصت باتخاذ كل الخطوات لتطبيق البرنامج وازالة كل العقبات الداخلية والخارجية في سبيله.

وتستعرض مذكرة رسمية للدكتور علي الصعيدي رئيس هيئة المحطات النووية المصرية ووزير الكهرباء والصناعة الاسبق ورئيس لجنة سياسات الطاقة في الحزب الحاكم حاليا، قدمها لمجلس الشورى المصري عام 1987 المحاولات المصرية السابقة لدخول العالم النووي.

وتشير المذكرة إلى أنه في عام 1964 بعد حوالي ست سنوات من إنشاء هيئة الطاقة الذرية على وجه التحديد طرحت مناقصة لانشاء محطة لتوليد الكهرباء ووحدة لازالة ملوحة المياه وذلك في في منطقة سيدي كرير غرب الاسكندرية وتقدم في المناقصة 4 شركات من اميركا والمانيا الغربية الا ان المشروع توقف لنشوب حرب يونيو (حزيران) عام 1967 والظروف السياسية التي أملتها طبيعة العلاقة بين مصر والدول الغربية في ذلك الوقت.

ويقول د.علي الصعيدي في مذكرته إن المحاولة الثانية لمصر للدخول فى هذا المجال جاءت بعد حرب 1973 وكان ذلك في صيف 1974 على وجه التحديد حيث اعلن الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون خلال الزيارة التي قام بها لمصر في ذلك العام عن موافقة بلاده علي تزويد مصر بمحطات نووية تصل قدراتها الى حوالي 1800 ميغاوات، ومنذ ذلك الوقت بدأت خطوات عملية لاقامة محطة نووية في ذات موقع سيدي كرير السابق اختياره عام 1964 وخلال هذه المرحلة الثانية اتخذت خطوات عملية علي المستويين التنفيذي والتشريعي.

وفي عام 1976 تم توقيع الاتفاقية بين مصر وأميركا بشأن التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية للتصديق عليها من السلطات التشريعية في البلدين. لكن في عام 1979 مع وصول جيمي كارتر إلى البيت الأبيض، صادف البرنامج النووي المصري عقبتان أساسيتان هما: عدم الوصول سياسيا الى اتفاق مع واشنطن على اتفاقية للتعاون النووي تسمح بتصدير التكنولوجيا والمواد النووية لمصر بسبب الاختلاف حول موضوع التفتيش على المنشآت النووية، حيث طالب الأميركيون بتوافر سلطات واسعة لمفتشيهم وهو ما اعتبره الرئيس المصري الراحل السادات إخلالا بالسيادة المصرية، بالإضافة إلى معارضة السلطات المحلية في الاسكندرية لاقامة المحطة في سيدي كرير كرد فعل لحادثة «ثري مايل إيلاند» في أميركا مع اتجاه الدولة لاستخدام الموقع في اغراض اخرى أمنية.

ويستكمل د.الصعيدي في مذكرته الرسمية عرض التجربة الثالثة لمصر التي تعد الأقوى في هذا الاتجاه، حيث يشير إلى انه في أوائل الثمانينات بعد إعادة النظر في كل المتغيرات والظروف العالمية سياسيا واقتصاديا وكذلك دراسة الاحتياجات من الطاقة الكهربائية والجدوى لاستخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء بالمقارنة بالبدائل الاخرى، اتفقت جميع التوصيات في مجلس الشعب والمجلس الاعلى للطاقة الذي تم تشكيله برئاسة رئيس الجمهورية عام 1975 على المضي في البرنامج النووي بأسرع ما يمكن مع توفير ما يلزم من اتفاقيات دولية تتيح الحصول على المواد والمهمات والتكنولوجيا النووية وكذلك تدبير التمويل اللازم للبرنامج النووي.

وكانت أولى الخطوات لتحقيق ذلك، انضمام مصر لاتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية في فبراير عام 1981 والذي كان من نتائجه المباشرة رغبة عديد من الدول في عقد اتفاقيات تعاون نووي مع مصر بدأت بفرنسا ثم أميركا ثم ألمانيا الاتحادية وكذلك كندا وبلجيكا وسويسرا واستراليا، إضافة لمذكرات للتفاهم وللتعاون في نفس المجال مع كل من السويد والمملكة المتحدة والنيجر وايطاليا وكل هذه الاتفاقيات تتيح توفير التكنولوجيا والمعدات النووية والوقود اللازم لتشغيلها وجميع الخدمات الضرورية.

ويوضح الدكتور حافظ حجي رئيس هيئة المحطات النووية الاسبق لـ«الشرق الأوسط» إن الهيئة وضعت مليوني دولار لحساب عمليات التخصيب لم تسترد حتى الان، وتقوم وزارة الطاقة الأميركية بإبلاغ الهيئة المصرية بحركة الفوائد السنوية للدين. في عام 1982 ، وبعد العرض على رئيس المجلس الاعلى للطاقة ورئيس الوزراء تمت الموافقة على طرح مشروع المحطة في مناقصة عالمية بين الشركات المتخصصة في كل من الولايات المتحدة والمانيا الغربية وفرنسا.

ويري عدد من المسؤولين النوويين المصريين ان الأميركيين لعبوا دورا كبيرا في إفشال مناقصة عام 1983 ، حيث يكشف الدكتور حافظ حجي رئيس هيئة المحطات النووية الاسبق واحد المسؤولين الذين عاصروا هذه المناقصة خفايا ما حدث في ذاك الوقت ويقول لـ«الشرق الأوسط» «الأميركيون ضغطوا علي شركة وستنجهاوس الاميركية لكي تتدخل وتقدم عرضا اخر بعد خسارتها المناقصة امام سيمنس من باب «فيها لا اخفيها»، تضمن العرض تخفيض عرضها المالي بنحو 10 % اخرى، إلا أن مسؤولي قطاع الكهرباء المصري أكدوا أن العرض الأميركي ما هو إلا محاولة لتعطيل المناقصة، وهو ما تم فعلا بعد أن تم تحديد العرض المقبول فنيا وماليا».

ويتفق الدكتور عزت عبد العزيز رئيس هيئة الطاقة الذرية الاسبق مع د.حافظ حجي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن حادثة تشرنوبيل كانت حجة معلنة للحكومة لتأجيل المشروع ولكن السبب الخفي والأقوى كان في الضغوط الأميركية لوقف المشروع».

* الطموح النووي الخليجي شكل يوم العاشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 2006، نقطة انطلاقة الدول الخليجية باتجاه المنافسة لتوظيف التقنية النووية للاستخدامات السلمية، وسط ظروف إقليمية وعالمية غاية في التعقيد، في ظل وجود قوى أخرى، منها من امتلكت التقنية النووية ووظفتها لترسانتها العسكرية، وثانية لا تزال تعمل على برامجها النووية. غير انه بالرغم من الاجواء الاقليمية الا ان الكثيرين يشددون على أن توجه دول الخليج للبرنامج النووي يأتي بحثا عن مصادر جديدة للطاقة خصوصاً أن بعض الدراسات أشارت إلى قرب نضوب النفط في المنطقة التي تعتمد بشكل شبه أساسي عليه كمصدر للطاقة والدخل القومي، مستشهدين بمملكة البحرين والتي نضب منها النفط قبل سنوات والتي تأتي كأول دولة خليجية يتم فيها اكتشاف آبار نفط. وجاء الإعلان الخليجي عن البرنامج النووي المشترك بين دول المجلس الست، وهي: السعودية، الكويت، الإمارات، البحرين، عمان، وقطر، في القمة التي عقدها قادة تلك الدول في الرياض أواخر الثلث الأول من ديسمبر الماضي، وسط عدم تغيب أي من قادة تلك الدول، وهو ما أعطى مؤشرا قويا في حينه على وجود إجماع خليجي على هذا التوجه. وكانت طهران، جارة المنطقة الخليجية، أول المرحبين بهذا الإعلان الخليجي، حيث أبدت استعدادها بعد ساعات قليلة من هذا الإعلان، على تقديم أي نوع من أنواع المساعدة التي يحتاجها الخليجيون في هذا الشأن، وهو الموقف الذي لقي ترحيبا دبلوماسيا من بعض المسؤولين الخليجيين.

إلا أن الدكتور مصطفى العاني، الذي يعمل كمستشار أول ومدير برنامج الأمن والإرهاب في مركز الخليج للأبحاث، قلل من شأن هذا العرض الإيراني. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن العرض الذي قدمته طهران للدول الخليجية لا يوجد فيه أي شيء علمي، لأن خبرتها في هذا المجال لا تزال محدودة. واعتبر العاني أن العرض الإيراني لا يعدو كونه رسالة سياسية أكثر من كونها رسالة جدية، مفادها: «أن طهران لا تعترض على أن تقوم الدول الخليجية باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، فلماذا تكون هناك اعتراضات حينما يكون الحديث عن برنامج إيران النووي؟».

وقد طلبت واشنطن على لسان وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس، بعد أيام قلائل من الإعلان الخليجي، معرفة المزيد من خطط الدول الخليجية حول برنامجها النووي المشترك وهو ما رد عليه عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي في حينه، قائلا إن هذا التوجه طموح، وليس خارجا عن إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وعمد مسؤولون سعوديون وخليجيون في يوم الإعلان عن هذا البرنامج، إلى التأكيد على سلمية البرنامج الخليجي، وأنه سيستخدم للأغراض السلمية والتنموية البحتة. وقال العاني في هذا الشأن، إن البرنامج النووي الخليجي، لم يلق أية اعتراضات من قبل المجتمع الدولي، باعتباره بحثيا، ومتى ما طور إلى برنامج صناعي سيكون تحت الإشراف الدولي، وهذا الأمر حق مشروع لكافة الدول التي وقعت على معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومنها كافة الدول الخليجية. وتتمتع خمس من أصل الدول الخليجية الست، بعضوية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما عدا سلطنة عمان. وقال العاني إن عدم انضمام مسقط لهذه الوكالة سببه عدم وجود أنشطة نووية بحثية لها على خلاف جاراتها الخمس.

ومن وجهة نظر أمين عام مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا البرنامج المشترك، يعد «إنجازا كبيرا» بالنظر إلى مسيرة المجلس التي تدخل هذه السنة عامها الـ26 منذ إنشائه. في المقابل، أبدى العاني مخالفته لتوقيت طرح هذا البرنامج، حيث اعتبره متأخرا جدا بالنظر إلى تجارب الكثير من الدول غير العربية في المنطقة، التي سبقت الدول الخليجية في هذا التوجه.

وبالرغم من التأكيدات التي أطلقها عبد الرحمن العطية، عن أن البرنامج النووي الخليجي ليس رسالة موجهة ضد أي أحد في المنطقة، إلا أن العاني رأى من وجهة نظره أن هذا الإعلان بمثابة رسالة ضمنية للإيرانيين، مفادها: «لن نترككم وحيدين في الساحة». وأعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في التاسع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن استعداد بلاده للمشاركة في البرنامج النووي الخليجي المشترك، في إطار منظومة واحدة، بدلا من أن يعمل كل بلد على حدة في هذا المجال، على حد قوله.

وقال لـ«الشرق الأوسط» محمد الأحول السفير اليمني لدى الرياض، إن بلاده لها طريقتها الخاصة في البحث عما يخدم مصالحها واقتصادها، وما يصب في مصلحة حماية المنطقة والمحافظة على أمنها واستقرارها. ومنذ اليوم الأول الذي أعلنت فيه الدول الخليجية عن برنامجها النووي المشترك، بدأت الاتصالات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للوقوف على مرئياتها حول الدراسة المزمع أن تنفذها تمهيدا للعمل بهذا البرنامج.

وقال عبد الرحمن العطية لـ«الشرق الأوسط» والذي سيتوجه لفيينا في الثاني والعشرين من الشهر الجاري للقاء البرادعي حول هذا الموضوع، إن توجههم للوكالة الدولية هو مؤشر حرص على شفافية تعاطيهم مع هذا الملف، حيث أن الدول الخليجية تعاملت منذ اليوم الأول للموضوع بشفافية مع كافة تفصيلات هذا التوجه. وشدد الدكتور محمد الجار الله استاذ فيزياء الإشعاع بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، على ضرورة الاستفادة من الكفاءات الوطنية الخليجية منذ البداية في التخطيط والإشراف والمشاركة في الإنشاء ومن ثم في التشغيل، مشيرا إلى تخصص مجموعة كبيرة من الأساتذة في الجامعات السعودية في المجال النووي، على أمل خدمة البلاد في هذا المجال الحيوي. وأكد عبد الرحمن العطية في هذا الجانب، منح الأولوية في العمل بهذا البرنامج للخبرات الوطنية المتوفرة، وقال إن هذا لا يمنع من الاستفادة من الخبرات الدولية والعربية المؤهلة. وفي وقت أكد فيه الجار الله الخبير السعودي في فيزياء الإشعاع، على أن انشاء البرنامج النووي قد يستغرق مدة زمنية تمتد من 5 إلى 7 سنوات، رفض العطية الخوض في تفصيلات هذا المشروع، وقال إن الحديث عن تلك الموضوعات لا يزال مبكرا.

ويرى الخبير السعودي أن السبب الاقتصادي الذي دفع بالدول الخليجية للإعلان عن هذا البرنامج، هو ارتفاع سعر النفط بمقدار ثلاثة أضعاف، الأمر الذي جعل الطاقة النووية أرخص وخاصة في كلفة الوقود بعد الإنشاء. وكشف الدكتور الجار الله عن أن لجنة الاستخدامات السلمية للطاقة النووية التي كانت تشرف عليها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، أوصت بالدخول في المجال النووي، قبل قرابة العقدين ونصف العقد، وذلك بشراء مفاعل نووي تجريبي من أحد الأنواع المتوافرة لاكتساب الخبرة وتدريب الكوادر، إلا أن هذا الأمر طويت صفحته في حينها، ولم يتم الأمر.

وعن استخدامات الطاقة النووية، أوضح الجار الله أن من الممكن استخدامها في تحلية مياه البحر مع إنتاجها للطاقة الكهربائية، كما أنها تستخدم في إنتاج النظائر المشعة المستخدمة في الصناعة والزراعة والطب والبحث العلمي، لافتا إلى أن إنتاج النظائر المشعة يتطلب مفاعلا مخصصا لذلك.

* الحلم النووي المغربي ظل المغرب يحلم منذ عقود بدخول النادي النووي العالمي السلمي بعدما اكتشف فجأة أن الجغرافيا جادت عليه بالموقع الاستراتيجي بينما بخلت عليه الطبيعة بنعمة البترول والغاز، وبما أن الطاقة هي أوكسجين الاقتصاد، فكان لابد له من تحقيق حلمه بعيدا عن الكوابيس السوداء التي تطوق دائما كلمة «نووي». تأججت الرغبة لدى المغرب في البحث عن طاقات بديلة خلال أزمة النفط التي عرفها العالم بداية السبعينات من القرن الماضي، إذ بدأ التفكير في إحداث محطة نووية تساعد على توليد الطاقة النووية إضافة إلى الاستعمالات الأخرى في الأغراض السلمية. فكانت أولى الخطوات في مشوار الألف ميل هو اقتناء مفاعل المعمورة من نوع «تريكا مارك 2» الذي صنعته الشركة الأميركية «جينرال أتوميك» في إطار اتفاق أبرم سنة 1980 بين المغرب والولايات المتحدة ليصبح المغرب من لائحة 24 دولة أبرمت اتفاق تعاون نووي مدني مع واشنطن، وذلك رغم أن براءة اختراعه سجلت سنة 1958، ويستعمل لتشغيله وقود «اليورانيوم زيكو ريوم»، وهو وقود يحتوي على 8.5 في المائة من اليورانيوم في كتلته الإجمالية.

ويمثل المفاعل النووي «تريكا مارك 2» تتمة لمسار دشنه العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني في عقد الثمانينات من القرن الماضي، إذ فكر بعد سنة 1973 في ضرورة بلورة برنامج نووي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف برمج اقتناء مفاعل نووي بقوة 100 كيلووات، لأول مرة، في التصميم الخماسي 1977 – 1981، لكن بعد إحداث المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية في سنة 1986، تقرر التخلي على ذلك المفاعل وتعويضه بمفاعل أقوى، قوته 2 ميغا وات، وهو المفاعل النووي الوحيد الموجود الآن بالمغرب، وسينتظر تشغيله قريبا ليدخل مرحلة التجريب التي تتطلب مدة سنة على الأقل.

ويعتبر خبراء مغاربة أن استخدام المفاعل النووي المغربي سيمكن من القيام بأبحاث كانت تستخدم حتى عهد قريب في الخارج، وكذا انتاج «اليود 131»، وهو جسم سهل الانحلال في الكحول، يستخدم أساسا في المستحضرات الطبية، علما أن هذا النوع من المواد الإشعاعية الذي يستخدم في قطاع الصحة، ظل يستورده المغرب منذ عقود من الخارج بالعملة الصعبة، ويرهق موازنة الدولة.

وقال الطيب مرفق، مسؤول بالمركز النووي في معمورة (ضواحي الرباط)، لـ«الشرق الأوسط»، إن استعمال الطاقة النووية في المغرب بدأ منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي باستخدامها في المجال الاقتصادي وفي المجال الطبي (الفحص)، وبعد ذلك ولجت الميدان الصناعي بالأساس كمواد لمراقبة الجودة والنوعية ومراقبة التجهيزات والمنظومات الصناعية، مشيرا الى أن التقنيات النووية أضحت منذ ذلك الوقت تعتبر وسيلة للتأكد من الجودة والفعالية في منظومة الإنتاج الصناعي، مضيفا أن المفاعل الجديد سيمكن المغرب من القيام بأبحاث في المجال الجيولوجي وانجاز بعض الاختبارات المعدنية، وكذا الاستغناء عن استيراد مجموعة من المواد من الخارج. وقال أحد المتتبعين للملف في الوزارة الأولى (رئاسة الوزراء) المغربية لـ«الشرق الأوسط» إن المفاعل النووي المغربي أصغر من نظرائه الموجودين في الجزائر أو مصر، مضيفا أنه لا يمثل أي خطر على البيئة بحكم أن النفايات تخضع لمراقبة صارمة، مشيرا إلى أن المغرب مازال لم يعرف تطورا مهما في مجال استخدام الطاقة النووية، كما أن المفاعل الجديد لا علاقة له بتوليد الطاقة ومرتبط بالاستعمالات الطبية.

* الجزائر ..خطوات نووية هادئة أعلنت الجزائر مطلع يناير (كانون الثاني) 2007، أنها بصدد الإعداد لمشروعين علميين هامين، يتعلق أحدهما بإنتاج الكهرباء النووية والثاني بتحلية مياه البحر بواسطة الطاقة النووية. وقال مصدر من «محافظة الطاقة الذرية» أن الحكومة يفترض أن تقف في نهاية 2008 ، عند مدى قدرة البلد على إنتاج الكهرباء النووية.

وذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن ترتيبات المشروعين تمت بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2006، مشيرا إلى أن المشروعين تشرف عليهما وزارة الطاقة والمناجم ويمتد إنجازهما على مدى سنتين (2007-2008). وأضاف مفضلا عدم نشر اسمه : «إن انطلاق الجزائر في التحضير لإقامة منشآت لإنتاج الكهرباء النووية لن يكون قبل 2008، وليس قبل أن تحدد مجموعة العمل التي تتابع هذا المشروع الكبير، إن كنا مؤهلين لذلك». وأشار المصدر إلى تصريحات سابقة لوزير الطاقة شكيب خليل حول عزم الجزائر على إقامة هياكل لإنتاج الطاقة الكهربائية النووية.

وقال نور الدين بن جاب الله محافظ الطاقة الذرية، لصحافيين منذ مدة أن عوامل كثيرة تسمح للجزائر بأن تصبح في المستقبل بلدا منتجا للكهرباء النووية، أهمها توفر مادة اليورانيوم في منطقة «الهقار» بالصحراء الكبرى. وأضاف: «تتوفر لدى السلطات إرادة قوية في تثمين الموارد المنجمية، وهناك حاجة حيوية للمياه الصالحة للشرب وهي محفزات قوية تدفع إلى الاهتمام بتطوير قاعدة لإنتاج الكهرباء النووية». واعتبر تحلية مياه البحر البديل الوحيد لأزمة ندرة المياه في الجزائر، وأشار إلى دراسة أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية «أكدت أن تحلية مياه البحر بواسطة الطاقة النووية أمر ممكن من الناحية الفنية والاقتصادية، وأن هذه الطريقة تستجيب لكل المعايير الأمنية».

ويعود الكشف عن «النيات النووية» للجزائر، إلى مطلع العام الماضي عندما تحدث وزير الطاقة لأول مرة عن الإعداد لمشروع قانون نووي على مستوى الحكومة، وقال إن التحضيرات جارية لإنشاء هيئة مكلفة بتنظيم النشاطات النووية. وحرصت السلطات على لسان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ورئيس حكومته آنذاك أحمد أويحي، على تبديد شكوك الغرب بخصوص سعي الجزائر لتطوير قدراتها النووية. وقال بوتفليقة في مؤتمر نظم بالجزائر حول حظر انتشار السلاح النووي، أن الجزائر «تريد امتلاك ناصية العلم واستعماله للأغراض السلمية»، مؤكدا تشجيعه لـ«جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط. وتمتلك الجزائر مفاعلين إختباريين، هما نور الذي يوجد بالضاحية الجنوبية للعاصمة، والسلام بمنطقة الجلفة (300 كلم جنوب العاصمة). ويخضع المفاعلان لتفتيش خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

التعليقات