الابتزاز الجنسي للدعاة
الابتزاز الجنسي للدعاة
بقلم - وسام كمال
غالبًا ما يعرض الدعاة للجمهور حوافز تحثهم على التحلي بالأخلاق، وتجنب الرذائل، ولكن ماذا إذا زادت جرعة هذه المحفزات لتتجاوز المقبول، وتتحول مع الوقت لتكون مجرد استجابة لما يمكن أن نطلق عليه "ابتزازات" الجمهور للدعاة، ودفعهم دفعًا للتمادي في مثل هذه الأساليب، فتأتي الرياح بغير ما اشتهت السفن، وينقلب سحر الدعاة "الوسائل الدعوية الجذابة" على رغبة الساحر "التأثير المنشود"..
إن مهمة الدعاة أن يحببوا للناس الخير، ويقربوا إليهم الجنة بالحديث عن النعيم الذي أعده الله لعباده الصالحين، رغم أن وصف الجنة عسير جدًّا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أغلق باب الوصف الكامل أمام المريدين، بقوله: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر [متفق عليه]".
للرجال فقط !
أتفهَّم أن يُصِرّ الدعاة على رسم صورة للجنة؛ ليربطوا قلوب المؤمنين بها، ويفكوا حبال الاستمساك بالدنيا، والتكالب عليها، ولكن الكارثة أن تنصب معظم أحاديث الدعاة عن الجنة على وصف المتاع الجنسي الذي ينتظر رجال الدنيا، ممن صبروا واستقاموا على الصراط المستقيم، وغضوا البصر، وصانوا الفرج!!.
ولا أحد يتحدث عن النعيم المعدّ للمرأة!! وكأن المرأة في الجنة ليس أمامها إلا الرضا بزوج مشتت بين نساء الدنيا والآخرة، رغم أنها قد تكون رفضت قبول التعدد في الدنيا!!.
ويستعرض هؤلاء الدعاة شكل الحور العين، وحسنهن البالغ، وهيئة أجسادهن، وبياضهن الفائق، وتكرار فض البكارة في الجنة، ثم يُذيِّلون الوصف بالإشارة إلى التفوق الجمالي لنساء الآخرة على نساء الدنيا!! ثم فوق ذلك إنْ جاءت سيرة نساء الدنيا في موضع آخر في حديث الآخرة، فلا يذكر غير أن معظم أهل النار من النساء!!.
ذَكر لي أحد أساتذة الجامعة أنه قاطع المساجد بعد حضور درس بَالغ الداعية خلاله في شرح جمال وفتنة النساء في الآخرة، وهو ما جعله يخرج عن إطار الدرس، ويحلق في فضاء التخيل، ويترك المسجد، قبل أن يقع في الفتنة!!.
مكامن الخطر
لو أُجريت دراسة على عينة عشوائية من الدروس الدينية والخطب المتعلقة بالجنة، أعتقد أننا سنجد النسبة الأغلب في توضيح جزاء الله للصالحين -وليس الصالحات- متعلق بالحور العين، والنعيم الجسدي!!.
لا أحد ينكر أحاديث وصف الحور العين، وأنهن جانب من المتعة والنعيم الذي صانه الله لعباده الصالحين في الآخرة. المشكلة أن الحديث عن هؤلاء الحسناوات زاد عن الحد، وكأن الجنة هي مجرد مكافأة جنسية على الحرمان الجسدي في الدنيا، يعوَّض فيها الرجال عن ابتلائهم بنساء الدنيا!!.
وتكمن خطورة هذه الإفاضة في:
أولاً: الإساءة إلى الإسلام نفسه، من حيث التركيز على أمور هامشية فيه، والربط السطحي السلبي بين المؤمن والدار الآخرة.
ثانيًا: إحساس بعض النساء بالدونية، فحديث الدعاة المفرط عن جمال وبهاء الحور العين بالمقارنة بنساء الدنيا يشوِّه صورة المرأة في الإسلام؛ لأن دعم فكرة أن جسد المرأة هو مجرد "جائزة" في الآخرة، هو مهين لإحساسها بإنسانيتها، وأنها شريك في عطاء الدنيا وسخاء الآخرة، ولن يجدي في إصلاح هذه الفكرة الحديث المطوّل على الوجهة المقابلة عن تعظيم الإسلام لشأن المرأة.
ثالثًا: صرف النظر عن غيرها من المتع في الجنة؛ حيث فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلِمَ لا يتطرق الدعاة لصور أخرى من المتعة والنعيم غير الجنس، مثل الشعور بالأمان التام، والعدل، والرضا، والغنى، والقرب من الله، ومرافقة الصالحين، بدلاً من تصوير الحياة في الجنة، على أنها "حفلة جنسية" دائمة لا تنفض.
رابعًا: الضغط على الأوتار الجنسية للرجال، واستثارة شهواتهم، وجعلها قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت؛ لأن انشغال البال بالجنس وفنونه، يُلِحّ على عقل الإنسان وتصرفاته.
خامسًا: تحول هذا الخطاب إلى وسيلة ابتزاز من قبل الجمهور للدعاة، يستسلم لها الداعية حفاظًا على جمهوره، وإرضاء لرغباته، بدعوى (الجمهور عايز كده)، مما يجعله يغض الطرف عن الحديث في أمور أهم وأكثر ضرورة ومناسبة لحاجات الناس الدينية والدنيوية.
عفة الطرح.. لا المصادرة
إن ما أريد أن أصل إليه من خلال هذا المقال هو أن اختيار مداخل الحديث بالنسبة للداعية يجب أن يكون وفق أجندة وتفكير. فعندما نتحدث عن الجنة، لا يمكن أن يدور جُلّ الحديث عن متعة الجماع!! وإنما وَجب التحليق الفكري في ذلك المكان الذي لم يخطر على قلب بشر، وما يجمعه هذا المعنى من إدراكات ومعان.
هل يُفكِّر الداعية عندما يمعن في وصف محاسن الحور العين، أن المستمع ربما يكون قد تجاوز الثلاثين ولم يقوَ بعد على تكاليف الزواج!! فهل سيصبره وصف متاع الآخرة بهذه الطريقة، أم سيوقظ المارد المحروم القابع داخله تحت وطأة العجز والعفة؟!!.
*اسلام اون لاين
بقلم - وسام كمال
غالبًا ما يعرض الدعاة للجمهور حوافز تحثهم على التحلي بالأخلاق، وتجنب الرذائل، ولكن ماذا إذا زادت جرعة هذه المحفزات لتتجاوز المقبول، وتتحول مع الوقت لتكون مجرد استجابة لما يمكن أن نطلق عليه "ابتزازات" الجمهور للدعاة، ودفعهم دفعًا للتمادي في مثل هذه الأساليب، فتأتي الرياح بغير ما اشتهت السفن، وينقلب سحر الدعاة "الوسائل الدعوية الجذابة" على رغبة الساحر "التأثير المنشود"..
إن مهمة الدعاة أن يحببوا للناس الخير، ويقربوا إليهم الجنة بالحديث عن النعيم الذي أعده الله لعباده الصالحين، رغم أن وصف الجنة عسير جدًّا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أغلق باب الوصف الكامل أمام المريدين، بقوله: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر [متفق عليه]".
للرجال فقط !
أتفهَّم أن يُصِرّ الدعاة على رسم صورة للجنة؛ ليربطوا قلوب المؤمنين بها، ويفكوا حبال الاستمساك بالدنيا، والتكالب عليها، ولكن الكارثة أن تنصب معظم أحاديث الدعاة عن الجنة على وصف المتاع الجنسي الذي ينتظر رجال الدنيا، ممن صبروا واستقاموا على الصراط المستقيم، وغضوا البصر، وصانوا الفرج!!.
ولا أحد يتحدث عن النعيم المعدّ للمرأة!! وكأن المرأة في الجنة ليس أمامها إلا الرضا بزوج مشتت بين نساء الدنيا والآخرة، رغم أنها قد تكون رفضت قبول التعدد في الدنيا!!.
ويستعرض هؤلاء الدعاة شكل الحور العين، وحسنهن البالغ، وهيئة أجسادهن، وبياضهن الفائق، وتكرار فض البكارة في الجنة، ثم يُذيِّلون الوصف بالإشارة إلى التفوق الجمالي لنساء الآخرة على نساء الدنيا!! ثم فوق ذلك إنْ جاءت سيرة نساء الدنيا في موضع آخر في حديث الآخرة، فلا يذكر غير أن معظم أهل النار من النساء!!.
ذَكر لي أحد أساتذة الجامعة أنه قاطع المساجد بعد حضور درس بَالغ الداعية خلاله في شرح جمال وفتنة النساء في الآخرة، وهو ما جعله يخرج عن إطار الدرس، ويحلق في فضاء التخيل، ويترك المسجد، قبل أن يقع في الفتنة!!.
مكامن الخطر
لو أُجريت دراسة على عينة عشوائية من الدروس الدينية والخطب المتعلقة بالجنة، أعتقد أننا سنجد النسبة الأغلب في توضيح جزاء الله للصالحين -وليس الصالحات- متعلق بالحور العين، والنعيم الجسدي!!.
لا أحد ينكر أحاديث وصف الحور العين، وأنهن جانب من المتعة والنعيم الذي صانه الله لعباده الصالحين في الآخرة. المشكلة أن الحديث عن هؤلاء الحسناوات زاد عن الحد، وكأن الجنة هي مجرد مكافأة جنسية على الحرمان الجسدي في الدنيا، يعوَّض فيها الرجال عن ابتلائهم بنساء الدنيا!!.
وتكمن خطورة هذه الإفاضة في:
أولاً: الإساءة إلى الإسلام نفسه، من حيث التركيز على أمور هامشية فيه، والربط السطحي السلبي بين المؤمن والدار الآخرة.
ثانيًا: إحساس بعض النساء بالدونية، فحديث الدعاة المفرط عن جمال وبهاء الحور العين بالمقارنة بنساء الدنيا يشوِّه صورة المرأة في الإسلام؛ لأن دعم فكرة أن جسد المرأة هو مجرد "جائزة" في الآخرة، هو مهين لإحساسها بإنسانيتها، وأنها شريك في عطاء الدنيا وسخاء الآخرة، ولن يجدي في إصلاح هذه الفكرة الحديث المطوّل على الوجهة المقابلة عن تعظيم الإسلام لشأن المرأة.
ثالثًا: صرف النظر عن غيرها من المتع في الجنة؛ حيث فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلِمَ لا يتطرق الدعاة لصور أخرى من المتعة والنعيم غير الجنس، مثل الشعور بالأمان التام، والعدل، والرضا، والغنى، والقرب من الله، ومرافقة الصالحين، بدلاً من تصوير الحياة في الجنة، على أنها "حفلة جنسية" دائمة لا تنفض.
رابعًا: الضغط على الأوتار الجنسية للرجال، واستثارة شهواتهم، وجعلها قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت؛ لأن انشغال البال بالجنس وفنونه، يُلِحّ على عقل الإنسان وتصرفاته.
خامسًا: تحول هذا الخطاب إلى وسيلة ابتزاز من قبل الجمهور للدعاة، يستسلم لها الداعية حفاظًا على جمهوره، وإرضاء لرغباته، بدعوى (الجمهور عايز كده)، مما يجعله يغض الطرف عن الحديث في أمور أهم وأكثر ضرورة ومناسبة لحاجات الناس الدينية والدنيوية.
عفة الطرح.. لا المصادرة
إن ما أريد أن أصل إليه من خلال هذا المقال هو أن اختيار مداخل الحديث بالنسبة للداعية يجب أن يكون وفق أجندة وتفكير. فعندما نتحدث عن الجنة، لا يمكن أن يدور جُلّ الحديث عن متعة الجماع!! وإنما وَجب التحليق الفكري في ذلك المكان الذي لم يخطر على قلب بشر، وما يجمعه هذا المعنى من إدراكات ومعان.
هل يُفكِّر الداعية عندما يمعن في وصف محاسن الحور العين، أن المستمع ربما يكون قد تجاوز الثلاثين ولم يقوَ بعد على تكاليف الزواج!! فهل سيصبره وصف متاع الآخرة بهذه الطريقة، أم سيوقظ المارد المحروم القابع داخله تحت وطأة العجز والعفة؟!!.
*اسلام اون لاين

التعليقات