زيارة إلى ثلاجة الموتى:فرقتهم الأحزاب .. وجمعتهم ثلاجة الموتى
غزة-دنيا الوطن-حمادة حمادة
رغم زيارتي المتعددة لثلاجة الموتى الواقعة في مستشفى الشفاء بغزة، بحكم عملي الصحفي ،بالماضي والحاضر حيث كان كل من فيها من شهداء من الاحتلال وكانت الملامح غير الملامح تلك نعم . أما الآن فقد اختلف الأمر كثيرا حيث كل من في تلك الثلاجة هم من قتلانا ...الأخ وأخوة ...في هذا اليوم وللصدفة كنت في استقبال ابني الأول" أنس"، كان انتظاره طويلا، التوتر والقلق شل تفكيري مما اضطرني إلى الخروج في ساحة المستشفى للتقليل من حدة التوتر وإلهاء نفسي بأي شيء، وقفت للحظة استنشق الهواء بعد الضغط النفسي الذي عايشته في قسم الولادة، وما هي إلا ثوانٍ حتى عم المكان حالة من الصراخ والبكاء، ساقتني قدماي لمعرفة وجهتهم"، كانت الثلاجة تهتز بصراخ أقارب وذوي الشهداء، تجنبت الدخول للمكان بسبب القلق الذي يغمرني، إلا أنني استجمعت قواي ودخلت إلى الثلاجة.
كانت مشاهد لم أتوقع أن أراها في حياتي في هذا المكان بالذات –والذي هو عبارة عن غرفة صغيرة تزاحم فيها الناس وتصطف فيها عدة طوابق تضم الجثث بداخلها، وما أن وطأت قدماي المكان، حتى نسيت أنين زوجتي التي تهم بوضع مولودنا الأول، كل ما يدور من حولي في هذا المكان أنساني العالم الخارجي، جثث تعج بها الثلاجة، فلم تقتصر على ابن فتح أو حماس أو حتى إنسان عادي لا ينتمي لأي فصيل " جميعهم تجمعوا في هذه الثلاجة، لم يعرفوا بعضهم من قبل أو أن واجهوا بعضهم بالسلاح، بدا كل فرد يبحث عن ذويه، هنا جثة الشهيد زهير المنسي، وهناك رأفت طوطح، وفي الطرف الآخر الشهيد محمد السكني ومن فوقه إيهاب حمودة، عيون دامعة تبحث عن رفيق عمرها، وقبلات امتزجت بالدموع تساقطت على وجوه الجثث، في هذا المكان لم يُفرق بين ابن فتح أو ابن حماس فكلهم سواسية في ثلاجة الموتى..
مرت الساعات وكأنها دقائق وما أن حاولت أن استجمع أفكاري وألملم جراحي حتى شاهدت ما هز كياني، فذلك الطفل "أنس المنسي" الذي وقف إلى جانب باب الثلاجة وهو يدق بقبضتيه عليها صراخاً على والده بصوته الذي امتزج بصراخ وأنات وعويل أمهات وأقارب الشهداء كي يسمعه قائلاً:" يابا .. يابا.. خدني معاك وما تسبنيش لحالي"، صرخاته هزت كياني وفاضت عيوني بالدموع على هذا الطفل اليتيم، حاولت أن أشيح بنظري لأتجنب مشاهدة الطفل لدموعي، وهناك ظهرت ملامح أعرفها من قبل هي ملامح "يوسف السكني" أخ الشهيد "محمد السكني" والذي تربطني به صداقة وطيدة، وهو يصرخ " ترك 7 أطفال ورائه "كوم لحم " أخي لمن تركت أبنائك، وما الذنب الذي اقترفته حتى تموت بهذا السلاح"، كانت نظرات "يوسف "مركزة على هذا الطفل الذي يصرخ ويدق على باب الثلاجة، فما كان منه إلا أن اقترب من "أنس اليتيم" وأخذه بين أحضانه ليشعره بالأمان والطمأنينة في ظل غياب السند والحامي " الأب الشهيد" حينها شعر به كأنه من أبناء أخيه الشهيد، فبدأ يهدأ من روعه قائلاً له: " أبوك شهيد، وكلنا أبوك، وإنت بطل، أبوك راح الجنة، أنت بس أدعي اله"، فقام بتكفيف دمعه ومنحه الأمان، رأيت هنا كم تجلت الوحدة الوطنية بين هذا الطفل والذي يعتبر والده قائد في حركة حماس وبين هذا الرجل من حركة فتح..
وجاء الخبر.. اتصال هاتفي من أم زوجتي " حماتي"، حتى أنني استغربت لاتصالها ونسيت ما قدمت لأجله .. وجاء صوتها على الهاتف فرحاً مهلهلاً ومهنياً:" مبروك جاك أنس"، لفترة وجيزة سرحت في هؤلاء الأهالي وكيف هم يفقدون أبنائهم في حين تستقبل فلسطين مواليد جدد، فاضت عيني بدموع الفرحة لاستقبال ابني وامتزجت بدموع هؤلاء الأهالي الذين فقدوا أبنائهم شهداء بسبب الفلتان الأمني..ومن هنا استصرخ بصوت عالة الى كل القادة الفلسطينيين منهم الوطنيين والإسلاميين أقول لهم كفى ... كفى... كفى.. أنا كأب جديد شعرت بطعم الأبوة ليوم واحد فرحت كثيراً بنبأ ولادته فكيف للأمهات والآباء الذين يفقدون أبنائهم وهم في ريعان الشباب .
كيف لطفل سيعيش بدون أب طوال عمره ...!؟
من لهؤلاء الأطفال الذين تركوا ويتموا بعد استشهاد آبائهم وكيف الى أم وأب ربو ابنهم حيث يقطعون من قوتهم لكي يعيش ويكبر ويروه كبيرا وفجأة رصاصة تقتله تصوروا أيها القادة ....ولادة – وموت في ذات اللحظة!؟
أنا يلتقيان ؟ ! وأترك لكم الصورة والمشهد .....
مشهد آخر توقفت لحظات عمري عنده، فهذه الأم المكلومة على ابنها بدأت تصرخ وتولول: "ايش ذنبك ياما.. قتلوك.. وإنت لا حماس ولا فتح، والله كان مراق طريق وجاته الرصاصة في رقبته على غفلة"، وصارت تشق الطريق بين هؤلاء المجتمعين لكي تلقي النظرة الأخيرة على جثة ابنها المسجي في الثلاجة، كان وصولها صعباً وحالت إخراج الجثث للاستعداد للجنازة دون الوصول إلى جثة ابنها، والتي حملها الشباب على أكتافهم مسرعين لدفنها، انهارت بين يدي أبنائها وهي تصرخ: "أريد أن أراه ولو دقيقة .. أرجوكم" عادت دموعي إلى الانهمار على هذه الأم الثكلى والتي تتمنى أن تحتضنه وتُمتع عيونها بنظرة أخيرة عليه.
وما أن هممت بالخروج لرؤية طفلي "انس" والاطمئنان على صحة زوجتي، إلا أن الإسراع في سحب الجثث من الثلاجة -إيذاناً للصلاة عليهم ومن ثم دفنهم -حال دون خروجي، إذ فوجئت بإيقافي من قبل أحد الشباب عندما علم أنني صحفي حيث كنت أحمل كاميرا على كتفي، مستشيراً إياي: ما رأيك أنُشيع جنازتهم بطريقة علنية أم ننقلهم في سيارات إسعاف لتلافي الاشتباكات مرة أخرى، صمت للحظة من السؤال المفاجئ وبدأت أبحث عن الرد، إلا أن قاطعنا أحد أقارب الشهيد "زهير المنسي"أبو أنس " قائلا بعصبية :" أبو انس لن يدفن بالسر مثل الحرامية.. وكذلك إيهاب حمودة ومحمد السكني، يجب أن تُجرى جنازة علنية لهم" وحُملت أجساد الشهداء على الأكتاف متجهة إلى مسجد العمري ليُصلى عليهم جميعا دون التمييز بين ابن الفصيل هذا أو ذاك.
حاولت جاهدا أن أمارس عملي كصحفي وأن اجري بعض اللقاءات الصحفية مع هؤلاء الأهالي، لنقل صوتهم للعالم الخارجي، إلا أن قلمي توقف بسبب التشتت والضياع الذي كنت أعيشه في هذه الثلاجة، واستجمعت أوراقي وبدأت اقترب منهم لأوصل نداءاتهم ومطالبهم لأصحاب القرار، فصرخت أم الشهيد رأفت طوطح" أتمنى من أبو مازن وإسماعيل هنية أن يشعروا بفقدان الابن بسلاح فلسطيني، وبحرقة القلب"، أما ابن عم الشهيد الذي سارع إلي مقسما عليّ أن أوصل رسالته للقادة الفلسطينيين قائلا:"انظروا إلى أطفال الشهداء الذين يسقطوا كل يوم، ماذا سنقول لهم في المستقبل عندما يكبرون، إن رصاص أخوه قتله لأنه يعارضه في الفكر والسياسة"، في حين دعا أحد أقارب الشهيد إيهاب حسونة إلى استكمال الحوار لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعيداً عن التعنت والعصبية حتى يتوقف نهر الدماء الفلسطيني.
رغم زيارتي المتعددة لثلاجة الموتى الواقعة في مستشفى الشفاء بغزة، بحكم عملي الصحفي ،بالماضي والحاضر حيث كان كل من فيها من شهداء من الاحتلال وكانت الملامح غير الملامح تلك نعم . أما الآن فقد اختلف الأمر كثيرا حيث كل من في تلك الثلاجة هم من قتلانا ...الأخ وأخوة ...في هذا اليوم وللصدفة كنت في استقبال ابني الأول" أنس"، كان انتظاره طويلا، التوتر والقلق شل تفكيري مما اضطرني إلى الخروج في ساحة المستشفى للتقليل من حدة التوتر وإلهاء نفسي بأي شيء، وقفت للحظة استنشق الهواء بعد الضغط النفسي الذي عايشته في قسم الولادة، وما هي إلا ثوانٍ حتى عم المكان حالة من الصراخ والبكاء، ساقتني قدماي لمعرفة وجهتهم"، كانت الثلاجة تهتز بصراخ أقارب وذوي الشهداء، تجنبت الدخول للمكان بسبب القلق الذي يغمرني، إلا أنني استجمعت قواي ودخلت إلى الثلاجة.
كانت مشاهد لم أتوقع أن أراها في حياتي في هذا المكان بالذات –والذي هو عبارة عن غرفة صغيرة تزاحم فيها الناس وتصطف فيها عدة طوابق تضم الجثث بداخلها، وما أن وطأت قدماي المكان، حتى نسيت أنين زوجتي التي تهم بوضع مولودنا الأول، كل ما يدور من حولي في هذا المكان أنساني العالم الخارجي، جثث تعج بها الثلاجة، فلم تقتصر على ابن فتح أو حماس أو حتى إنسان عادي لا ينتمي لأي فصيل " جميعهم تجمعوا في هذه الثلاجة، لم يعرفوا بعضهم من قبل أو أن واجهوا بعضهم بالسلاح، بدا كل فرد يبحث عن ذويه، هنا جثة الشهيد زهير المنسي، وهناك رأفت طوطح، وفي الطرف الآخر الشهيد محمد السكني ومن فوقه إيهاب حمودة، عيون دامعة تبحث عن رفيق عمرها، وقبلات امتزجت بالدموع تساقطت على وجوه الجثث، في هذا المكان لم يُفرق بين ابن فتح أو ابن حماس فكلهم سواسية في ثلاجة الموتى..
مرت الساعات وكأنها دقائق وما أن حاولت أن استجمع أفكاري وألملم جراحي حتى شاهدت ما هز كياني، فذلك الطفل "أنس المنسي" الذي وقف إلى جانب باب الثلاجة وهو يدق بقبضتيه عليها صراخاً على والده بصوته الذي امتزج بصراخ وأنات وعويل أمهات وأقارب الشهداء كي يسمعه قائلاً:" يابا .. يابا.. خدني معاك وما تسبنيش لحالي"، صرخاته هزت كياني وفاضت عيوني بالدموع على هذا الطفل اليتيم، حاولت أن أشيح بنظري لأتجنب مشاهدة الطفل لدموعي، وهناك ظهرت ملامح أعرفها من قبل هي ملامح "يوسف السكني" أخ الشهيد "محمد السكني" والذي تربطني به صداقة وطيدة، وهو يصرخ " ترك 7 أطفال ورائه "كوم لحم " أخي لمن تركت أبنائك، وما الذنب الذي اقترفته حتى تموت بهذا السلاح"، كانت نظرات "يوسف "مركزة على هذا الطفل الذي يصرخ ويدق على باب الثلاجة، فما كان منه إلا أن اقترب من "أنس اليتيم" وأخذه بين أحضانه ليشعره بالأمان والطمأنينة في ظل غياب السند والحامي " الأب الشهيد" حينها شعر به كأنه من أبناء أخيه الشهيد، فبدأ يهدأ من روعه قائلاً له: " أبوك شهيد، وكلنا أبوك، وإنت بطل، أبوك راح الجنة، أنت بس أدعي اله"، فقام بتكفيف دمعه ومنحه الأمان، رأيت هنا كم تجلت الوحدة الوطنية بين هذا الطفل والذي يعتبر والده قائد في حركة حماس وبين هذا الرجل من حركة فتح..
وجاء الخبر.. اتصال هاتفي من أم زوجتي " حماتي"، حتى أنني استغربت لاتصالها ونسيت ما قدمت لأجله .. وجاء صوتها على الهاتف فرحاً مهلهلاً ومهنياً:" مبروك جاك أنس"، لفترة وجيزة سرحت في هؤلاء الأهالي وكيف هم يفقدون أبنائهم في حين تستقبل فلسطين مواليد جدد، فاضت عيني بدموع الفرحة لاستقبال ابني وامتزجت بدموع هؤلاء الأهالي الذين فقدوا أبنائهم شهداء بسبب الفلتان الأمني..ومن هنا استصرخ بصوت عالة الى كل القادة الفلسطينيين منهم الوطنيين والإسلاميين أقول لهم كفى ... كفى... كفى.. أنا كأب جديد شعرت بطعم الأبوة ليوم واحد فرحت كثيراً بنبأ ولادته فكيف للأمهات والآباء الذين يفقدون أبنائهم وهم في ريعان الشباب .
كيف لطفل سيعيش بدون أب طوال عمره ...!؟
من لهؤلاء الأطفال الذين تركوا ويتموا بعد استشهاد آبائهم وكيف الى أم وأب ربو ابنهم حيث يقطعون من قوتهم لكي يعيش ويكبر ويروه كبيرا وفجأة رصاصة تقتله تصوروا أيها القادة ....ولادة – وموت في ذات اللحظة!؟
أنا يلتقيان ؟ ! وأترك لكم الصورة والمشهد .....
مشهد آخر توقفت لحظات عمري عنده، فهذه الأم المكلومة على ابنها بدأت تصرخ وتولول: "ايش ذنبك ياما.. قتلوك.. وإنت لا حماس ولا فتح، والله كان مراق طريق وجاته الرصاصة في رقبته على غفلة"، وصارت تشق الطريق بين هؤلاء المجتمعين لكي تلقي النظرة الأخيرة على جثة ابنها المسجي في الثلاجة، كان وصولها صعباً وحالت إخراج الجثث للاستعداد للجنازة دون الوصول إلى جثة ابنها، والتي حملها الشباب على أكتافهم مسرعين لدفنها، انهارت بين يدي أبنائها وهي تصرخ: "أريد أن أراه ولو دقيقة .. أرجوكم" عادت دموعي إلى الانهمار على هذه الأم الثكلى والتي تتمنى أن تحتضنه وتُمتع عيونها بنظرة أخيرة عليه.
وما أن هممت بالخروج لرؤية طفلي "انس" والاطمئنان على صحة زوجتي، إلا أن الإسراع في سحب الجثث من الثلاجة -إيذاناً للصلاة عليهم ومن ثم دفنهم -حال دون خروجي، إذ فوجئت بإيقافي من قبل أحد الشباب عندما علم أنني صحفي حيث كنت أحمل كاميرا على كتفي، مستشيراً إياي: ما رأيك أنُشيع جنازتهم بطريقة علنية أم ننقلهم في سيارات إسعاف لتلافي الاشتباكات مرة أخرى، صمت للحظة من السؤال المفاجئ وبدأت أبحث عن الرد، إلا أن قاطعنا أحد أقارب الشهيد "زهير المنسي"أبو أنس " قائلا بعصبية :" أبو انس لن يدفن بالسر مثل الحرامية.. وكذلك إيهاب حمودة ومحمد السكني، يجب أن تُجرى جنازة علنية لهم" وحُملت أجساد الشهداء على الأكتاف متجهة إلى مسجد العمري ليُصلى عليهم جميعا دون التمييز بين ابن الفصيل هذا أو ذاك.
حاولت جاهدا أن أمارس عملي كصحفي وأن اجري بعض اللقاءات الصحفية مع هؤلاء الأهالي، لنقل صوتهم للعالم الخارجي، إلا أن قلمي توقف بسبب التشتت والضياع الذي كنت أعيشه في هذه الثلاجة، واستجمعت أوراقي وبدأت اقترب منهم لأوصل نداءاتهم ومطالبهم لأصحاب القرار، فصرخت أم الشهيد رأفت طوطح" أتمنى من أبو مازن وإسماعيل هنية أن يشعروا بفقدان الابن بسلاح فلسطيني، وبحرقة القلب"، أما ابن عم الشهيد الذي سارع إلي مقسما عليّ أن أوصل رسالته للقادة الفلسطينيين قائلا:"انظروا إلى أطفال الشهداء الذين يسقطوا كل يوم، ماذا سنقول لهم في المستقبل عندما يكبرون، إن رصاص أخوه قتله لأنه يعارضه في الفكر والسياسة"، في حين دعا أحد أقارب الشهيد إيهاب حسونة إلى استكمال الحوار لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعيداً عن التعنت والعصبية حتى يتوقف نهر الدماء الفلسطيني.

التعليقات